الجمعة 24 من شوال 1437 هــ 29 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47352

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مؤلفة أمريكية تفتح الصندوق الأسود عن أسرار الحياة داخل إيران..
أطفال الفردوس
القتل والتعذيب والتشريد : الثمن الذى يدفعه من يطالبون بالتغيير

عرض وتحليل : مصطفى سامى تأليف : لورا سيكور
حققت إيران فى السنوات الأخيرة نجاحات كثيرة على مستوى السياسة الخارجية ولم تعبأ بكل الضغوط التى حاولت الولايات المتحدة وعملاؤها فى الغرب أن يفرضونهاعليها من أجل التراجع عن برنامجها النووى ، وواجهت تحديات ووقاحات اسرائيل وغرور رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بمزيد من التجاهل والازدراء .

لكن الثورة الاسلامية فشلت منذ قيامها من 37 عاما فى تحقيق أهم بنود برنامجها الذى أعلنه آية الله الخمينى مع رفاقه الايرانيين العلمانيين واليساريين الذين شاركوه فى النضال ضد الشاه والثورة عليه ، وهو تحقيق الحرية والأمن والعدالة الاجتماعية وإحترام حقوق المواطن الايرانى التى إبتذلها الشاه ورجال حكمه .

‎ كان الشاه يواجه المعارضين بكافة أنواع القمع والقهر بمساندة ومباركة من واشنطن ، وبينما ‎سجن وأعدم العشرات من المناضلين الايرانيين الذين طالبوا بالتغيير خلال حكمه ، الا أن حكام الثورة الاسلامية الذين ثاروا على الشاه وعلى جرائمه لم يكونوا أفضل منه ، بل هم أشد قسوة وأكثر تخريبا للانسان الايرانى . فقد أعدم حكام يران الجدد مئات النشطاء الايرانيين وإمتلأت السجون بأعدادهائلة من المعارضين والمثقفين الرافضين لأفكارهم ، وأعادت أجهزة الأمن بانتهاكاتها لكرامة المواطنين الى الذاكرة أيام حكم الشاه . ‎ لورا سيكور الصحفية الأمريكية التى تكتب منذ سنوات عن إيران لمجلتى النيويوركر والنيويورك تايمز قضت عدة سنوات فى إيران وفتحت لنا فى كتابها « أطفال الفردوس « الذى صدر أوائل هذا العام [ 2016] الصندوق الأسود الذى تختفى بداخله أسرار الحياه داخل إيران ومعاناة المواطن الايرانى الذى قامت الثورة الاسلامية من أجل النهوض به ورد حقوقه التى إختطفها الشاه ورجال حكمه . إنها تعرض علينا صورا للصحفيين والمنشقسن والاصلاحيين وطلبة الجامعات النشطاء الذين يناضلون بشجاعة دفاعا عن مبادئهم وأفكارهم فى دولة يواحه فيها أى معارض للحكم عادة السجن والتعذيب والتشريد والموت .

‎ لاأذكر فى عرض هذا الكتاب سوى الحقائق التى عرضتها مؤلفته الخبيرة فى الشئون الايرانية ، فأنا لاأنساق وراء الاعلام الأمريكى والكتابات التى تصدر فى الغرب تتضمن إفتراءات وأكاذيب وهجوم حاد على الثورة الاسلامية التى قادها آية الله الخمينى عام 1979 والتى أسقطت حكم الشاه الموالى للولايات المتحدة وإسرائيل . لكن هناك كتبا قليلة تصدر يستخدم أصحابها الاستقصاء العلمى المحايد الى حد كبير فى كشف حياة الايرانيين من الداخل وتعرض بأمانة الظروف السياسية والاجتماعية التى يعانى منها الايرانيون تحت حكم آيات الله والصراع الدائر بين الصقور المتشددين وبين دعاة الاصلاح والمعتدلين الذين يطالبون بالتغييرويناضلون من أجل الفصل بين السياسة والدين والمعروف أن نسبة كبيرة من هؤلاء المناضلين ينتمون سياسيا للفكر الديموقراطى والحريات الغربية .

‎الحلم فى دولة اسلامية ‎تتسع للفكر الديموقراطى

‎ بعض هؤلاء النشطاء الذين تطلق عليهم الكاتبة « أطفال الفردوس « الذين تتناولهم الكاتبة ظهروا فى البداية كأعداء للغرب شاركوا فى عملية الهجوم على السفارة الأمريكية فى طهران وإتخذوا الدبلوماسيين والعاملين الأمريكيين فيها رهائن وهم يطالبون اليوم بالاصلاح الديموقراطى . وآخرون بدأو كثوريين لديهم حلم كبير فى إنشاء دولة اسلامية حديثة تتسع للأفكار الليبرالية والانسانية والثقافات المتعددة ، فوجدوا أنفسهم الآن فى قبضة المتطرفين الذين يسعون الى فرض نظامهم بالقوة والقضاء على كل المعارضين ، وهناك من حاولوا إعداد المسرح لنظام سياسى نشيط متعدد الأحزاب والأفكار والمعتقدات يحترم الحرية والرأى اآخر . وهناك من قتلوا وشردوا فى السجون وأرسلت تهديدات الى عائلاتهم وأصدقائهم .

‎ الكاتبة تعرض لنا إيران اليوم المليئة بالمتناقضات والعقد النفسية والخفايا الغير مسموح للاعلام فى الداخل أن يقترب منها أما الاعلام الخارجى فليس لديه المعلومات التى تسمح له أن يتناولها . الكتاب يعرض باتفصيل واقع الحياة والثورة الثقافية التى يعدون لها هؤلاء النشطاء من أجل التغيير ودور كل جيل فى هذه الثورة التى تواجه من النظام بكافة أنواع القمع والقهر . إنهم يناضلون من أجل إيجاد صيغة مصالحة بين مختلف التيارات ولأفكار والطوائف الاسلامية مع التركيز على المساواة بين الجميع فى الحقوق والواجبات لكن المحافظين الذين يتولون الحكم فى الجانب الآخر غير مقتعين سوى بأفكارهم المتشددة . المشكلة أنهم يرون أنفسهم فقط كمسلمين مؤمنين أما المعارضين الذين هم « أعداء الله « فهم يرتكبون خطيئة كبرى يستحقون عليها أشد صنوف العقاب والعذاب والقتل وغير مسموح لأمثالهم المشاركة فى الحكم .

‎» أعداء الله «

‎ فى صيف عام 1988 أعدم العشرات من « أعداء الله « بناء على فتوى من آية الله الخمينى ، وقد ذكرت الكاتبة أن الجلادين – المسئولون عن تنفيذ الاعدام شنقا - تقدموا بشكاوى للمسئولين من كثرة العمل ومن الأعداد الهائلة للمتهمين المطلوب إعدامهم وطالبوا بتنفيذ الاعدام باطلاق الرصاص على المتهمين إختصارا للوقت والجهد « فى صمت وفى سرية كاملة « وإضطر المسئولون الى شحن المسجونين فى عربات مصفحة الى السجون ووضع كل ستة منهم على منصات الاعدام وهم مكبلين بالحديد وكان ينفذ إعدامهم الجماعى مرة واحدة . وظلت عمليات الاعدام مستمرة على مدى شهرين من السابعة والنصف صباحا وحتى الخامسة بعد العصر .

‎ لورا سيكور تؤكد أن الثوريين الأوائل فى إيران كانوا من المعتدلين أمثال مهدى بزارجان وأبوالحسن بنى صدر ، ولذلك أبعدهم المتطرفون من الحكومة لينفردوا بالحكم . وهى تكتب والألم يظهر فى سطور الكتاب بوضوح الحكايات المثيرة للرعب التى تعرض لها السجناء وآلامهم وآمالهم وأحلامهم والثمن الفادح الذى دفعوه من أجل مبادئهم ورسالتهم . وتضرب الكاتبة أمثلة لبعض هؤلاء الضحايا ، فالكاتب المعرون « أكبر جانجى « الذى كان أحد حراس الثورة فى بداية الثمانينات تحول الى ليبرالى مثيرا للشغب – فى نظر الحكومة – وأصبح بالتالى من أشهر السجناء السياسيين فى ظل حكم الثورة الاسلامية ، وهناك «عباس أمير إنتظام « والذى خدم فى حكومة مهدى بزارجان – أول من تولى رئاسة الوزراء بعد قيام الثورة الاسلامية والذى عرف بأنه من المعتدلين بين قادة الثورة ـ وكان يعرف بين المناضلين ب « نيلسون مانديلا الايرانى « وقد قضى 27 عاما فى السجن وتحت الاقامة الحبرية وكان محبوسا فى زنزانة تزدحم بالنزلاء ولاتتسع سوى لأقل من نصفهم وكانوا يضطرون للنوم على الأرض بالدور . كل منهم لمدة ثلاث ساعات فقط كل 24 ساعة .

‎ كتاب لورا سيكور الذى يعد دراسة عن واقع الحياة فى إيران تحت حكم قادة الثورة الاسلامية بدأ بمقدمة من الكاتبة عن الثوريين الايرانيين فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى الذين مهدو لقيام الثورة الاسلامية فيما بعد ، وقد كانوا جماعات من المثقفين والمفكرين الرافضين لحكم الشاه وخضوعه للولايات المتحدة ووللانتهاكات والمذابح التى يرتكبها رجال « السافاك « فى حق المناضلين الثوريين . لقد مهد هؤلاء الأبطال للثورة التى قامت بعد ذلك عام 1979 وكان أغلب هؤلاء الثوار غير معروفين بالنسبة للغرب يعملون فى السر خوفا على حياتهم من بطش الشاه . الكاتبة تركز الضوء على عدد من الشخصيات أمثال عالم الاجتماع على شرياتى والناقد السياسى جلال الأحمد وكانا موضع إحترام وتقدير كافة المثقفين الذين قاموا بتنظيم حركة مناهضة للاستعمار وضد تدخلات الغرب فى الشئون الايرانية ولك كانت لديهم رؤية عصرية لثورة إيرانية فى مجتمع شيعى . وقد كان هناك تحالفا تحت حكم الشاه بين إيران والولايات المتحدة وقد فتح بلاده للاستثمارات الأجنبية ، وقد أسفرت الأموال التى تدفقت على إيران والتدخل الغربى عن ما أطلق عليه الثوريون « تسميم الغرب للبلاد « لكن ذلك لم يمنع من أن يتبنى هؤلاء المثقفين الثوار بعض الأفكار الغربية الخاصة بالديموقراطية وحقوق الانسان والمطالبة بنقل التكنولوجيا الى البلاد . وقد كان معظم هؤلاء المنشقين من المسلمين المعتدلين { وقد ألقى القبض على شرياتى عدة مرات ومات أخيرا وهو فى منفاه خلال حكم الشاه } وآخرون كانوا من اليساريين المتعاطفين مع الفكر الماركسى ، وكان هناك أيضا عددا من المحافظين المساندين للشاه . لكن الجميع كانوا يتفقون على رفض الأفكار والمبادئ الأساسية للغرب . كان المثقفون المؤيدون للشاه يرون إحترام حقوق الانسان بلا حدود . وكانت الأولوية الملحة فى نظر الثوار اليسارييين تأتى من الحاجة الى إقامة وحدة وطنية تقف ضد طغيان الشاه وتأثيرات الغرب قبل النظر الى حقوق الأفراد . وبالنسة للمنشقين الاسلاميين فقد كان اهتمامهم الأساسى أن يرتبط الاله بالانسانية والاعتدال بما يفتح الطريق لقبول كل من يختلفون مع الدين فى مواقفهم .

‎ تقول الكاتبة أنه بعد أن تولى ية الله الخمينى السلطة أبعد كل من اليساريين والعلمانيين الذين شاركوا ‎ الاسلاميين فى معارضة حكم الشاه . وأصبح من الواضح بعد حكم الخمينى أن الجمهورية الاسلامية لن تسمح بالحريات ولن تحقق أغلب مطالب المثقفين كما كانوا يأملون .

‎المفكرون الاسلاميون الجدد

‎ مع بداية التسعينات أصاب الاحباط أعداد كبيرة من المثقفين الذين كانوا من الشباب وشاركوا فى الثورة وذلك بعد أن قام رجال الدين المتحالفين مع قوى الأمن بفرض سيطرتهم على المجتمع وعلى السياسة . لم يعد من الممكن إجراء أى حوار بين الطرفين حلفاء الأمس الذين أصبحوا أعداء اليوم . دفع هذا الوضع الثوريون القدامى لأن يتحولوا عن طموحات الأمس ويبدأوا البحث عن لغة جديدة يعبرون بها عن مطالبهم وأحزانهم على أمل أن يتقدموا بالخطوة الأولى لاصلاح النظام .

‎ المفكرون والنشطاء الذين صكوا فى الماضى عبارات التغريب والعودة الى الجذور والشهادة والتعاون تضمنت مطالبهم مصطلحات مختلفة مثل الديموقراطية والحرية والمساواة وإحترام حقوق الانسان والمجتمع المدنى ومصطلح جديد لأول مرة يعنى « المواطنة « و قد عرف هؤلاء المثقفون ب « المفكرون الاسلاميون الجدد « .

‎ كان آية الله الخمينى قد شكل لجنة برئاسة عبدالكريم سوروش أحد شباب الثورة من المثقفين الذين درسوا الفلسفة والعلوم الكيمائية فى جامعات لندن للاعداد « لثورة ثقافية اسلامية « فى برامج التعليم العالى تماثل الى حدما الحملة التى قام بها الزعيم ماوتسى تونج فى الصين عندما قام بثورته الثقافية وكان الهدف من هذه اللجنة تحصين الجامعات الايرانية من تأثير الثقافات الغربية . ولكن عندما تحقق سوروش من أن الاسلاميين المتشددين ليس لديهم النية فى مشاركة الآخرين وخاصة المثقفين المطالبين بالاصلاح فى السلطة والرأى وأنهم يصرون على فرض نظرتهم المتشددة فى الدين ويرفضون المطالب بالحرية والديموقراطية . ومع منتصف التسعينات إكتشف سوروش أنه أصبح هدفا للمحافظين المتشددين وعندما كان يلقى محاضراته فى الجامعة تعرض لهجوم شديد من المتشددين وبعض الحاضرين من الذين ينتمون اليهم . وصدرت الأوامر من السلطات باغلاق مجلة « كيجان « التى أصدرها ، وقد سلب من كل مسئولياته الأكاديمية وأجرت المخابرات الايرانية تحقيقا معه بعد أن وجه اليه رئيس المجلس الأعلى آية الله على خامئنى إنتقادات علنا . ولم يكن أمام سوروش خيارا سوى أن يهرب الى منفاه فى الخارج وحصل بعد ذلك على عدد من الوظائف الأكاديمية فى جامعات الولايات المتحدة .

‎ وبالرغم من غياب سوروش عن إيران لعدة سنوات الا أن الكاتبة تضعه كواحد من قادة التحول الثقافى الذى تشهده البلاد منذ عقدين ، وقد أصبح بالنسبة للأجيال الجديدة من النشطاء والمفكرين فى نفس مكان شيرياتى أثناء بديات التحرك الثورى .

‎دين التسامح والاعتدال. ‎ وقد أعلن سوروش فى مقابلة مع الصحافة الغربية فى عام 1997 أنه يسعى الى تنقية الاسلام من كل الشوائب والمغالطات التى فرضها المتشددون على الاسلام ليصبح كما كان « دين التسامح والاعتدال « .

‎ المفكرون الاسلاميون الجدد يتجاوبون الى حد كبير مع الجيل الجديد من النشطاء من الشباب الذين ولد أغلبهم بعد عام 1979 والذين يمكن أن يطلق عليهم « أحفاد الثورة» . لقد قامو بتهيئة المناخ لاطلاق حركة الخضر التى قادت مظاهرات الاحتجاج ضد إنتخابات الرئاسة عام 2009 التى أعادت أحمدى نجاد المعروف بتشدده للرئاسة برغم الاتهامات بالتزوير لصالحه .

‎ لورا سوكور تعرض فى كتابها صورة مضيئة لهؤلاء الشباب المنشقين على النظام القائم والذين هم : طلاب جامعات وصحفيون تحولوا الى الاعلام الأليكتروني ونشطاء فى حقوق الانسان يعملون من أجل تحقيق المساواة للمرأة والمطالبين بالغاء عقوبة الاعدام . وبالرغم من أن النظام وبلا رحمة واجه هؤلاء المنشقين بمنتهى العنف عن طريق القبض العشوائى على المئات وتعرضهم للضرب والتعذيب والاعتراف القسرى تحت التهديد ، الا أن كثيرون من قادة المعارضة تحالفوا معهم مثل حسين موسوى ومهدى خروبى الذين فرضت عليهما الاقامة الجبرية لسنوات حتى أثناء رئاسة حسين روحانى الذى يعد نسبيا من المعتدلين والذى تولى الرئاسة بعد أحمدى نجاد عام 2013 . وبالرغن من أن الضباب السياسى فى إيران يشير الى إنحسار حركة الخضر لكن روح الاصلاحيين لم تموت .

‎النشطاء والاصلاحيون اليوم يرفضون كل دعوات التيار المتشدد الذى ينتمى الى الخمينى ، ولايتصورون إمكانية أى لقاء أو توافق فكرى معهم ، وقد إكتشفوا أن قطاعا كبيرا من الايرانيين يرفضون المصطلح الذى أطلقه الخمينى الذى يقول أن « الاسلام هو الحل « . وبالرغم من أن المتشددين الاسلاميين لاتزال قبضتهم قوية على السلطة ويرفضون الرأى الآخر ، فالكاتبة تؤكد أنه لامفر فى المستقبل القريب من الحوار بين أصحاب التيار المتشدد وبين المعتدلين من شباب النشطاء أو الثوار الجدد .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق