الثلاثاء 21 من شوال 1437 هــ 26 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47349

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«دموع حريم السلطان».. والعثمانلى الغشيم!

ذرفت حريم السلطان دموعا غزيرة على الأمير “مصطفي”، ولى عهد السلطان “سليمان القانوني”، فنجح المسلسل الشهير “حريم السلطان” فى خلق نمط إنسانى شديد الثراء للأمير “مصطفي” كبطل تراجيدى يجمع كل الصفات النبيلة، من أخلاق راقية وقوة عقلية وحربية، فحاز ثقة السلطان والعلماء وقادة الجيش وعامة الشعب، إلا أن كل هذا لم يصمد أمام الوشايات والدسائس والوقيعة، التى تحيط برأس السلطة، خاصة لو كان حكما فرديا، فأقنعوا السلطان بنية”مصطفي” بالتمرد عليه والانضمام للفرس ضده، ومع أنها جريمة ضد العقل، إلا أن المكائد والدسائس تمكنت من إيغار صدر السلطان، ليغتال ابنه الغالى خنقا، ثم بكى عليه بكاء حارا، حتى مات كمدا حزنا عليه.. ولكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، فلا يسألنى أحد عن حقوق الإنسان، حتى لو كان ابنى ونور عيني!!!

أعتقد أن المادة التاريخية للخلافة العثمانية غنية وغزيرة، وكانت تحتاج لموهبة “شكسبير”، لتخرج لنا أعمالا خالدة، يتم تناولها من عصر لآخر لاصطياد المعانى والأفكار، التى تحل ألغاز الحياة المتجددة، لكن يكفى أن شكسبير قد أشار للسلطان (سليمان القانوني) فى مسرحية (تاجر البندقية) كحاكم عظيم، أما التاريخ فهو مفتوح أمام كل الناس ومنهم الأدباء والفنانين الدراميين لإعادة إنتاجه، وفق الأفكار المراد تمريرها.

إذا كان هذا من حق الفنان، فإنه ليس من حق السياسي، ولا هو بقادر أن “يستكرد” الناس ويوهمهم أنه قادر على إعادة إحياء التاريخ، مستثمرا الحنين إليه، فنو ستالجيا الماضى تتحكم فى الأمم صاحبة التراث التاريخى الطويل، فالسياسى الذى يتطاول على الواقع المتغير، وبنيته وأنماطه الإنتاجية، وحركة قواه الفكرية المشكلة لنظمه السياسية والاقتصادية والثقافية، ليس إلا دجالا سيفضحه الأمر الواقع إن آجلا أو عاجلا حسب مقتضيات العصر السريع جدا.

حال حاكم تركيا الآن هو ما ينطق بهذا الدجل التاريخي، فمنذ تربعه على العرش أراد أن يستثمر الدين والتاريخ- معا - سياسيا، بتقمص نمط الأمير (مصطفي)، الأمل المفقود فى الحكم الإسلامى العثمانى الرشيد، فصدر نفسه كالحريص على الوحدة الوطنية بين الترك والأكراد، والمحارب للفساد، والحريص على التنمية، ومد جسور التعاون مع الجيران بحدوتة (صفر مشاكل)، والمدافع عن القضية الفلسطينية، وعروبة القدس، والمدافع عن الحريات فى الدول العربية والإسلامية، فتم الترويج له على أنه الحلم الذى تحقق بإدخال الدول الإسلامية إلى عصر الحداثة، والتوفيق بين قيم العصر الحديث والتراث القديم!

انكشف الغطاء الوهمى والقناع المصنوع (للعثمانلى الجديد)، فإذا به، بعد ثورات الخراب العربي، ما هو إلا واهم يرتدى قبعة السلطان العثمانى المستبد، فبدأ غشيما أكثر منه غاشما، فيسعى فى زماننا المفضوح، الذى تلتقط فيه كل كبيرة وصغيرة، أن يحول النظام البرلمانى إلى رئاسى بصلاحيات سلطانية، ويعمق الشرخ مع الأكراد فى انقسام داخلى غير مسبوق، أما الفساد فهو غارق فيه مع حواريه وابنيه براق وبلال، فى أزمة اقتصادية عنيفة، أما المسرحيات الهزلية التى يؤديها لمناهضة إسرائيل، انتهت إلى فوزه بجائزة الشجاعة اليهودية بأمريكا، فالعلاقات التجارية التركية الإسرائيلية فى أزهى عصورها!، وغزة مازالت تتوقع الزيارة المنتظرة من السلطان العثماني! الذى تبرأ من واقعة مؤتمر (دافوس) التى هللوا لها، باعتبارها ضد (بيريز) الرئيس الإسرائيلي، وأعلن بنفسه أنها كانت اعتراضا على رئيس الجلسه ليس إلا، مثلما تبرأ من شعار رابعة، وقال أنها تعنى لغة واحدة + علم واحد + أمة واحدة + دين واحد!!

ما يستحق البكاء - من الجميع – ما آل إليه الخلط بين الدين والسياسة، عندما يستخدم علماء السلطان الغشيم الآيات القرآنية للدفاع عن الفساد والرشوة، وفوق هذا ما أعلنه أحدهم أن: أردوغان جمع فى ذاته كل صفات الله (جل جلاله)، ولا يعارضه على التورط فى إهدار دماء المسلمين بالمستنقع السورى إلا المعارضة العلمانية!، والجيش الذى يقوم بتفكيكه الآن!

جمود الفكر وقلة الوعى بمعطيات الزمن والواقع معا، هما عنوان تخلف الدول الإسلامية، فلا يجب أن تدهشنا نتائج هزلية لها مبرراتها، فعندما يقود الأوطان السفهاء وهرتلة الشعارات الشعبوية، تكثر الدموع، خاصة من حريم العثمانلى، عندما تتخلى عنه القوى الدولية التى “تلصمه” وتحميه لتمرر أغراضها، ثم ترميه للكلاب، كما فعلت مع الرئيس العراقى (صدام حسين) من قبل!

لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: