الأربعاء 24 من رمضان 1437 هــ 29 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47322

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الطوطمية فى أفريقيا

علاعبداللطيف
الطوطمية هى تقديس حيوان أو نبات أو ظاهرة طبيعية كالماء والمطر باعتباره الأصل الذى إنحدرت منه القبيلة. فالطوطم هو الأب والروح الحامية للعشيرة, والرمز المقدس لها, لذلك يمنع على العشيرة قتل طوطمها أو أكله إلا فى بعض المناسبات وذلك لإكتساب صفاته وخصائصه, والطوطم لا يمثله حيوان معين.

وقرابة الطوطم أقوى من قرابة الدم والأسرة بمفهومنا الحالي, فلا يسمح بالزواج بين أبناء الطوطم الواحد، وإذا حدث ذلك يكون الموت عقوبة الطرفين, والزواج عادة يكون من أتباع الطواطم الأخري.

والطوطم لا يرتبط بمكان ولا بأرض، حيث يمكن لأبناء الطوطم الواحد أن يعيشوا فى سلام مع أتباع الطواطم الأخري.

ومما يسترعى الإنتباه إنه على البنت فى فترة ما بين المراهقة والزواج أن تبعد عن أبيها وتختبئ منه إذا صادفته فى الطريق، ولا تجلس بجانبه إلى أن تتزوج, وبموجب زواجها يمكنها أن تتعامل مع أبيها بكل حرية كما هو الحال لدى قبائل «الأكامبا» فى شرق أفريقيا, ونجد أيضا تجنب الإتصال بين الرجل وحماته لدى قبائل «البازوغا» التى تقيم عند منابع النيل، فلا يسمح للرجل أن يكلم حماته إلا إذا كانت فى غرفة ثانية من المنزل ويجب ألا يراها.

وكلمة طوطم مأخوذة عن «الأوجيبوا»، وهى لغة «الغونكية» التى يتكلم بها هنود البحيرات الكبرى فى أمريكا الشمالية، ويستخدم «الأوجيبوا» لفظ طوطم للدلالة على علاقة اجتماعية قائمة بين شخصين , كان الرحالة «ج لونغ» أول من أدخل لفظ طوطم إلى الغرب عام 1791 م فى كتابه «رحلات مترجم هندى وأسفاره», لكن استخدامها فى الأنثروبولوجى يرجع إلى «ج . مالكلينان» عام 1970م عند كتابته مقالا بعنوان الطوطمية. وتنتشر الطوطمية فى ماليزيا وغينيا وجنوب أفريقيا وبين سكان استراليا الأصليين.

ويذكر «فرويد» فى كتابه «الطوطم والتابو» إنه كان هناك أب ذكر قوى يحكم مجموعة من البدائيين, وقام بجمع نساء القبيلة جميعهن حوله, وحرمهم على أبنائه وعلى أفراد عشيرته, وتولد لدى الابناء غضب شديد وكراهية لأبيهم لكبته ميولهم الجنسية, وفى الوقت ذاته يدينون لأبيهم بالحب والتقدير فالأب يمثل قدوة لهم, مما أدى ذلك أنهم ثاروا على أبيهم وقتلوه ثم قاموا بأكله, فبالتالى وقع صراع بين الابناء بسبب الأرث, فدبت الفوضي, وشعروا بالندم والحزن الشديد لما فعلوه بأبيهم وحينها سمعوا صوت حيوان فهيأ لهم أن روح أبيهم سكنت جسد ذلك الحيوان, فأقاموا طقوسا طوطمية فى محاولة منهم تهدئة وطأة الشعور بالذنب وتكريما لروح أبيهم, وعلى هذا ظهر القانون, والعادات والتقاليد التى بموجبها حرموا على أنفسهم ما كان الأب قد حرمه فى السابق, وبنى فرويد ذلك التصور من خلال أسطورة «الوليمة الطوطمية» وسميت بذلك الاسم لأن الأضحية كانت تقدم على هيئة أشياء تؤكل وتشرب كاللحم والنبيذ والحبوب والثمار وغيرهم فالقربان الحيوانى كان يأكله الإله مع معبوديه أما القربان النباتى يأكله لوحده. ولا يجوز قتل أو أكل حيوان الطوطم وإذا صادف ومات يدفن كأنه أحد أفراد القبيلة, ويمنع أكل جزء معينة من جسم الطوطم, وإذا كان على الرجل قتله عليه أن يستغفر منه, ويحاول التخفيف من جرم إنتهاك القتل بقراءة تعاويذ مختلفة, وإذا اقتضت الشعائر الدينية التضحية بالطوطم, يتم البكاء علية بشكل إحتفالي, وفى الطقوس الدينية فى بعض المناسبات يرتدى الناس جلود حيوانات الطوطم, كما يسمى القبائل والأشخاص أنفسهم باسم حيوان الطوطم, كما إنهم يستخدمون صور الحيوانات كرايات لهم، كما يقوم الرجال بوشم صور الحيوانات الطوطمية على جلودهم, وإذا كان الطوطم من الحيوانات المخيفة فإن أفراد القبيلة يعتقدون إنه سوف يرحمهم , كما يقوم حيوان الطوطم بحماية قبيلته من المخاطر ويرشدهم إلى المستقبل. ويذكر «جيمس فريزر» فى كتابه «الغصن الذهبي»، وأن الأصنام والمنحوتات الخشبية الأفريقية تعد من الطوطم، لذلك يمكننا الربط بين الطوطمية وعبادة الأوثان والأصنام فى الجاهلية لدى العرب, حيث إنه كان لكل قبيلة تمثال خاص بها على هيئة إنسان سواء رجل أم إمرأة, أو على هيئة حيوان وقد استخدم الطوطم فى المجتمعات الأفريقية (أفريقيا الإستوائية, جنوب حوضى نهرى الكنغو والزامبيزي), والأمريكية.

وذكر الدكتور «الطاهر عبد الجليل» فى كتابه «أصنام المجتمع» أن الشعوب الأفريقية لا تزال تمارس هذه العبادة, فهى نوع من عبادة الأوثان أو التقرب إليها نجدهم يتقربون إلى الطوطم بتقديم القرابين كالطيور أو الحلي، وغيرها, وقد يصل الأمر فى بعض الأحيان إلى تقديم دماء بشرية تراق أمام الطوطم ليرضى عنهم, والمسئول عن إرضاء الطوطم وإبعاد الشر بعيدا عن القبيلة هو ساحر القبيلة، ويسمح له فقط بلمس الطوطم والإقتراب منه, بينما يحرم هذذا على أى شخص آخر، وقد تصل عقوبة لمس الطوطم إلى الموت. واختلف العلماء فى تفسير وفهم الطوطمية، حيث نجد أن الطوطمية فى نظر «فريزر» ليست بطقوس دينية، لأنها لا تتعلق بالكائنات الروحية، والغرض من هذه الطقوس هو تقوية الروابط والعلاقات التى تربط بينهم البعض إذا فهى طقوس سحرية لاستكثار المواد لسد حاجه القبيلة.

أما «دوركايم» فيعتبرها طقوسا دينية لانها تتعلق بالكائنات المقدسة التى تتمثل فى الطوطم بالإضافة إلى أن الشعائر تمارس على مستوى جماعى ولصالح الجماعة إذا فهى دين.

ــــــــــــــــــــ

المصادر: سيجموند فرويد «الطوطم والتابو» ترجمة بو على ياسين.

الطاهر عبدالجليل «أصنام المجتمع.. بحث فى التحيز والتعصب والنفاق الاجتماعي».

سيجموند فرويد «الطوطم والحرام» ترجمة جورج طرابيشي.

د. أحمد خالد توفيق «أسطورة الطوطم».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق