الجمعة 12 من رمضان 1437 هــ 17 يونيو 2016 السنة 140 العدد 47310

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أعاد فن الخزف بعد 400 سنة من موته على يد العثمانيين
الصدر.. ساحر الأوانى الذى لا يعرفه المصريون

نبيل عمــر
التقيته قبل ست وثلاثين سنة فى ورشته بين أطلال الفساط، كان قد بلغ السبعين من عمره، لكن ولعه بفنه وشغفه به وحرصه عليه تشى بأننا أمام قلب عاشق فى العشرين، عاشق فى أوج عواطفه، لم يهدأ أوارها ولم تخب أحلامها، رأيته يمسك الطين ويحوله إلى فن يداعبه بين أصابعه كما لو كان يعزف عليه، فيتشكل منه مقطوعات خزفية تزغلل العين بجمالها وتريح الروح بفتنتها..

...........................................................................

كان «واخدا» على خاطره، فمصر لها عادات سيئة فى التعامل مع مبدعيها، تهملهم أحيانا، تنساهم أحيانا، ثم تتذكرهم فجأة، وتمنحهم جائزة الدولة التقديرية كما فعلت معه فى عام ١٩٧٩.

ومصر ليست النيل والأشجار والقمر والشمس والحقول والمعابد والشواطئ، مصر هى البشر، ويبدو أن بشرها مأزومون جريا وراء لقمة العيش المراوغة، المتعلمين منهم والأميين، المثقفين والذين على باب الله، الحاصلين على درجة الدكتوراه، والذين لا يفرقون بين الألف وكوز الذرة.

وأغلب هؤلاء لم يدركوا قيمة الفنان سعيد الصدر ساحر الأوانى العالمي، الذى بعث فن الآنية بعد موات دام ما يقرب من أربعة قرون تحت سنابك خَيل العثمانيين الغزاة وعقولهم المغلقة، وفاز على كل فنانى العالم مرتين بالجائزة الأولى والميدالية الذهبية فى «كان» بفرنسا عام ١٩٥٦، وفى براغ بـ»تشيكوسلوفاكيا» ١٩٦٢، قبل أن تصيبها لعنة التقسيم التى ضربت العالم فى نهاية القرن العشرين، فصارت تشيكيا وسلوفاكيا.

كان وقتها سعيد الصدر قد خرج على المعاش من عمادة كلية الفنون التطبيقية فى أوائل يناير ١٩٦٩، وغاب عنه تلاميذه كثيرا، وعثر بالمصادفة على تمثال فلاحة مصرية ودوابها مع بائع روبابكيا وهو يتجول فى شوارع القاهرة، وكان من مقتنيات وزارة الزراعة ونحته لها خصيصا، ولم يدرك موظفو الوزارة قيمته فحبسوه فى مخازن الكهنة، التى بيعت فى مزاد علني، ولم يفهم تجار الكهنة ما عثروا عليه، فألقوه إلى البائع الجوال، واشتراه منه بخمسة جنيهات!

رحل سعيد الصدر عن عالمنا فى السادس عشر من شهر يونيو فى عام ١٩٨٦، فهل يمكن أن نحيى ذكراه ونحتفل به كما نحتفل بمن هم أقل منه قيمة؟، هل يمكن لكلية الفنون التطبيقية التى منحها حياته وتخرج منها مئات التلاميذ على يديه أن ينظموا له احتفالية كبيرة؟، هل تستطيع وزارة الثقافة أن ترد بعض دين هذا العبقرى بأن تعيد تعريفه لأهل وطنه وتشرح لهم عبقريته واسهاماته فى بث روح التقدم والنهضة فى جسد أمته؟

نحن أمام فنان فريد، قدوة عظيمة يجب أن نتمثلها ونمشى على خطاها، ونعلم شبابنا الذى أدمنوا الغش فى الثانوية العامة، كيف لشباب مثلهم كانوا روادا فى بداية القرن العشرين حملوا وطنهم فى قلوبهم وقرروا أن يصعدوا به الجبل الشاق، لتقف عليه مصر تناطح الدنيا كما كانت فى غابر العصور.

فنان اخرجت عنه دور النشر العالمية أكثر من كتاب، آخرها ( سعيد الصدر.. ١٩٠٩ - ١٩٨٦ )، بقلم آلان كيجر سميث، خزاف شهير ورسام ونحات ..ومدرس فن ايضا ، وينتهى الكتاب بفصل منفصل كتبه البروفيسور آلان بيسكود، الأستاذ بكلية الفنون فى كانبرا، عن أعمال الصدر ما بين عامى ١٩٧٢ و١٩٧٥. والكتاب سيرة حياة للفنان المصرى العبقري.

-١-

مصر فى أوائل القرن العشرين ولاية عثمانية أسما، ودولة محتلة فعلا، لكن كعادتها لا تستسلم ولا تستكين، ونمت فيها حركة وطنية فى نهاية القرن التاسع عشر تبث الحماس وتحرض الناس على الاستقلال وطرد الإنجليز من مصر.. وهذا الحركة أشعلت وجدان المصريين بالعمل والثورة.

فى هذا الجو ولد «سعيد الصدر» بحى الجمالية، تحديدا فى عام ١٩٠٩، كان مصطفى كامل رحل عن دنيانا، لكن خطبه النارية ودعاواته كانت تسعى بين الناس.

والجمالية ليس مجرد حى قاهري، بل هو قلب القاهرة الإسلامية، الأزهر والحسين والزوايا والزخارف وصحون البيوت القديمة وأبواب المدينة والبخور والشموع والمكاحل والنراجيل.. وحكايات الليل أمام المسجد الكبير.

كان التصوير الفوتوغرافى فنا جديدا مستحدثا، اهواه الأب «حامد الصدر»، وكان موظفا لوزارة الأوقاف، فخصص لعمله غرفة للتحميض، وكان يصاحبه فيها الطفل سعيد أحيانا بجوها المظلم الذى يثير الخيال.

الأب يصادق أيضا شابا أنيقا فارغ طول، أسمر الوجه، داكن العينين، يزور بيت العائلة، يتصفح الصور الفوتغرافية التى أخذها الأب لمشاهد الطبيعة، وينتقى منها ما يروق له، ويعيدها فنا يغازل ألوان الباستيل على أوراق خشنة، وكان الطفل سعيد يتابعها بشغف.

كان هذا الشاب هو رائد الفن التشكيلى يوسف كامل.. زميل النحات العبقرى محمود مختار، وراغب عياد رائد التعبيرية فى الرسم، وأحمد صبرى مؤسس المدرسة الأكاديمية فى مصر، ومحمود سعيد ومحمد ناجى وغيرهم.

وذات مرة اكتشف يوسف كامل أن الصغير سعيد الصدر ذا الأعوام الثمانية قد قلد واحدة من لوحاته، بنفس ألوان الباستيل.. فاهتم بالصغير، وشعر الأب بالسعادة فعلق اللوحة على الحائط، ولم يثنه أن ضيفا قدم إلى بيته وسخر من لوحة ابنه ووصفها: هذا عبث وشخبطة.

فرد الأب : هذا فن المستقبل.

ولم ينس سعيد عبارة أبيه أبدا.

والأب أيضا كان هاويا للأدب والمسرح، فكان يترجم المسرحيات عن الفرنسية ويعربها، ويضيف لها أشعارا من تأليفه، ويستقبل فى بيته جورج أبيض، أول عنوان كبير للمسرح المصري.. بالطبع كان يلتقيه الصبى الصغير.

وذات مساء وبعد أن انتقلت العائلة إلى حى السكاكينى فى سنة ١٩١٧، استقبل الأب زائرا جديدا لم يره سعيد من قبل، كان يلف عنقه بوشاح اسود كبير يتدلى على صدره، مثل كل خريجى مدرسة الفنون الجميلة فى ذلك الزمان، ويحمل حقيبة بيده، ما كاد يجلس حتى فتحةالحقيبة واخرج منها أدوات ولفائف وكتلة من الصلصال، وضعها على منضدة وثبتها على المنضدة بعصى خشبية وأسلاك، وراح الضيف يشكل الطين تمثالا، وبعد أن انتهى لف التمثال فى لفافة من قماش مبلول، ليبقى الطين رطبا لليوم التالي، لكن فى اليوم التالى لم يكن التمثال على حاله، إذ راح سعيد وأخوه الأكبر بديع يقلدان الفنان الضيف فى عمله، فيعود هذا الضيف ويعيد الكرة دون أن يغضب.

وفكر الأب حامد أن يرسل الولدين إلى ستديو الضيف فى شارع إبراهيم باشا، ولم يكن هذا الضيف سوى توفيق عبادة النحات والمصور الفوتغرافى زميل محمود مختار، وصديق الفنان أحمد صبرى الذى رسمه فى لوحة شهيرة.

وواظب الأخوان الصدر على الذهاب إلى ستديو توفيق فى فصل الصيف، فيوزع عليهما أوراق الكرتون المضغوط وعليها وجوه رومانية وشخصيات أسطورية، ويطلب منهما نقلها وتلوينها، استمرأ سعيد اللعبة الفنية، لكن أخيه بديع فضل لعب الكرة، ومنها إلى الجندية حتى صار لواء.

فى نفس الوقت تعلم سعيد حرفة الكراسى الخيزران، التى تعلمها الحساسية فى العمل، وهى الحساسية الضرورية فى عمل التشكيل الخزفي.

ونمت مواهب سعيد وبدأت تتجلى وهو فى المدرسة الثانوية..

كان مدرس الرسم فى مدرسة فاروق الأول الثانوية يتفقد أعمال طلابه، حتى تسمر أمام لوحة مدهشة التلوين دقيقة الخطوط جميلة التكوين، وقال بسعادة: رائعة يا سعيد.

اخذ المدرس اللوحة منه وعلقها بجدار الفصل..

وكان يوما فاصلا فى حياة سعيد..

قرر سعيد أن يهجر المدرسة الثانوية ويلتحق بمدرسة الفنون الجميلة، ولم يجد حلا إلا بإهمال دراسته والرسوب المتعمد، فيجبر أباه على رغبته، بدلا من أن يكمل تعليمه الجامعى أسوة بأخوته الأكبر.

واستشار الأب صديقه يوسف كامل، واستقرا على الفكرة..

كانت مدرسة الفنون التطبيقية تمر بأزمة عاطفية، كانت فى الجماميز، وأحبت بنت من بنات أصحاب النفوذ طالبا فيها، فقررت الوزارة إغلاقها ونقلها إلى شارع خلاط بشبرا بعيدا عن « البنت العاشقة» ونفوذ ابيها.

وهذه المدرسة هى التى أصبحت بعد ذلك كلية الفنون التطبيقية..

امضى سعيد بالمدرسة أربع سنوات، تخصص فى الزخرفة العربية والإسلامية، وتتلمذ فيها على يد أستاذين ، الأول: الحاج عثمان وكان يصاحب تلاميذه إلى المساجد والجوامع العريقة، ليرسموا المنابر والمقاعد القديمة والزخارف الجصية، والمقرنصات، والمساقط المعمارية من الداخل والخارج.. والثاني: الأستاذ جان بونتيلا الرومانى ويصاحب تلاميذه إلى المتحف الإسلامى لنقل النماذج الرفيعة من مختلف الآثار العربية.

تفوق سعيد على أقرانه تفوقا ملحوظا، وقبل تخرجه بعام اشترك فى صالون القاهرة بثمانى لوحات للمناظر الطبيعية، بيعت كلها بالرغم من ارتفاع أثمانها النسبي، ثلاثة جنيهات للوحة، فزدادت ثقة سعيد فى نفسه.

فى نفس العام حل الناظر الانجليزى «جون ادني» محل قرينه السابق، جاء ومعه فكرة تطوير عظيمة، بارسال بعثات إلى أوروبا، وكان سعيد الأول على دفعته، فقال له جون: أنت ولد رائع.

صحيح أن سعيد الصدر عين مدرسا فى أسوان، وشحنته طبيعتها بطاقة تلوينية رائعة، لكن جون أدنى كانت يرتب للشاب بعثة إلى إنجلترا، وفعلا جاءته الفرصة، ونزل سعيد إلى القاهرة وكان على رأس التعليم الصناعى بيروقراطى قح، يوم أطول من اليوم الحكومة الذى بسنة، لكن سعيد بصبره وحسن فطنته تجاوز محنة القطان وإجراءاته الكونية..

وغادر الصدر بورسعيد فى عام ١٩٢٨، وعاد فى ٢٢ يوليو ١٩٣١ بعد تخرجه من مدرسة كمبرويل فى لندن، وتتلمذه على يد « برنارد ليتش» الملقب بـ» ابو الخزف الإنجليزي»، وواحد من أهم الخزافين فى العالم.

-٢-

كانت مصر منذ أوائل القرن العشرين فى محاولة لإعادة الولادة على حقائق العصر، بعد أن غابت فترة طويلة منذ رحيل إبراهيم باشا، لم يتخللها سوى أعمال الخديوى سعيد وحلمه الذى أوقع مصر فى حفرة الديون الأوروبية..باختصار كانت مصر تجدد جلدها.. وتتمرد على تخلفها وتراجعها وتشرأب برأسها تستطلع نور الشمس فى كل مجالات الحياة ومنها الفنون التشكيلية.

قبل أن يعود سعيد الصدر من لندن، كان محمود مختار ينصب تمثال نهضة مصر فى باب الحديد، بعد أن فاز بالجائزة الأولى فى صالون باريس، وعاد يوسف كامل من روما مؤسسا فن التصوير الحديث.. باختصار كان سعيد الصدر عضوا مهما فى الجيل الأول للتشكيليين المصريين، بالرغم من أنه من مواليد ١٩٠٩ وليس فى نهايات القرن التاسع عشر مثلهم، دوره هو الذى وضعه فى هذه الرتبة الفنية، فمكانه كان شاغرا على مسرح الفن المصرى لم يسبقه إليه أحد.

ولكى نعرف قيمة فن الخزف، يكفينا قول المؤرخين إن تاريخ البشرية مسطور على شظايا الخزف وبقايا الفخار.

وقد نقل العرب فى زمن العباسيين فن الخزف من بلاد الصين، حين وردت لبلاد خليفة البلاد أوان من طراز «تانج» الشهيرة، فأسالت لعاب الأمراء والولاة وجنحت قلوبهم إلى هذا الجمال وطلبت المزيد منه، وبدأ رحلة الخزف الإسلامى بتقليد الزخارف الصينية، وتطورا تدريجيا حتى صار فنا إسلاميا بحتا فى غاية الجمال والروعة.

وانتقل إلى مصر التى كعادتها تمتص رحيق الزهور الأجنبية وتفرزه عسلا مصريا خالصا..

لكن العثمانيين، وما أدراك ما العثمانيين، حضارة عسكرية بحتة، لم تستوعب الفنون ولا تعرف الفلسفة وليس لها إبداعات فكرية يحفظها العالم أو حتى يذكرها، فتراجع فن الخزف او اختفى ما يقرب من أربعمائة سنة..الفن وليس الصناعة التجارية.

ثم عاد به سعيد الصدر إلى سابق مجده وأضاف إليه من عندياته الكثير الجديد المبتكر، فى زخارفه وألوانه وبريقه وأساليبه التنفيذية التى تجاوزت مائة وخمسين أسلوبا مازال معظمها سرا، يحتاج إلى عشرات الباحثين والفنانين ليفسروا تكويناته.

-٣-

يقول مخاطر العطار فى كتابه شيخ الخزافين ساحر الأواني: إذا جلس سعيد الصدر إلى الطلاب فى ورشته بين أطلال الفسطاط، فهو ساحر الأواني، ملك الصلصال، الخبير العالم بين أكياس النايلون التى يحتفظ فيها بأنماط من خلطات الطين، فالطين بين يديه له معنى ومغزى مختلف، باختلاف درجة الليونة، ونسبة إضافة الخامات بعضها إلى البعض الآخر، فهو أحيانا يضيف أشياء لا يعرفها غيره فى مصر، وفى بقاع كثيرة من العالم.

وحين يسحب الصدر كتلة الطين من كيس النايلون يعرف من مجرد اللمس والضغط درجة جفافها، ومدى صلاحيتها للإبداع، كل خلطة ولها أشكال، ولا تصلح كل الخلطات لإبداع الأشكال، هذه هو «فن الفن»، أو صناعة الفن أو سحر الفن.

-4

يقول آلان كيجر سميث فى كتابة « سعيد الصدر.. ١٩٠٩ - ١٩٨٦»: لم أكن اعرف سعيد الصدر، وزّرت المتحف الإسلامى بالقاهرة فى مايو ١٩٦٩، المتحف الذى يضم كنوز الفن الإسلامى فى العصور الوسطي، كانت تجربة لا تنسي، اكتشفت فيها أوانى خزافية تشع بالضوء والخيال المبهج، لم أر مثيلا لها من قبل، وأمضيت اليوم مع السيدة وفية عز ، ومساعدها عبد الرءوف الذى خلفها فى إدارة المتحف، وشرحوا لى ما خلفيات ما أراه من جمال، وعلمونى أشياء لم أكن أعرفها من قبل، وقالوا لي: لا بد أن تقابل سعيد الصدر.

قابلته ورأيته كيف يعمل فى الاستديو الخاص به، وأدركت الدور العظيم الذى لعبه فى فن الأنية الخزفية.

-5

حين رحل سعيد الصدر عن علمنا فى ١٦ يونيو ١٩٨٦ ترك تراثا فنيا، لا يكاد متحف فى العالم يخلو من بعضه، لكن تركه أيضا أبحاثا ودراسات وتجارب عن العملية الأبداعية، لم يتعرف عليه احد وظل مع أسرته حتى الآن، هذا كنز يجب أن نراه وننشره ونذيعه..

هذه فرصة فى مناسبة ذكرى وفاته العشرين أن نفتح كنز أسراره ونعرف أساليب إبداعاته لتتعلم منها الأجيال القديمة كيف تبدع، ونتعلم نحن أيضا كيف نحب مصر، ونعلم شبابنا قصة حياة عبقرى عشق تراب هذا الوطن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق