الجمعة 20 من شعبان 1437 هــ 27 مايو 2016 السنة 140 العدد 47289

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كيف تحلم برضوى عاشور ؟!
قراءة «مَحَبة» فى قصيدة «مُحِبة»

د.كــرمة ســـامى
«شاعر حداد» حباه الله تعالى بالموهبة وبالمحبة، بجينات موهبة الشعر الفريدة التى ورثها عن والده العظيم فؤاد حداد وبمحبة رضوى عاشور له صديقا وابنا وأخا وتلميذا...

ولأن ‹الشعر بالشعر› و›البادى أشعر›.. يطرح أمين حداد مشكلة كونية عن أبجديات الحزن والفقد وخسارة المحبوب، فيخرج حزنه على رحيل رضوى عاشور نصا نبيلا فريدا يكتبه على حافة جرح الفراق.. يغالب الحزن النبيل ولا يغلبه (اعترافا بفضله). تتسع الرؤية رويدا فيكتشف عبر الشعر كنه هذا الحزن وهذا الرحيل، فيتعلم مما سطره كتَّاب الميثولوجيا على اختلاف ثقافاتهم عن مسار رحلة البحث عن البطل وتحديدا مرحلة «العودة» ليكتب نصا عبر الأجناس الأدبية والثقافية احتفالا واحتفاء بعودة البطلة إلى وطنها (الذاكرة).




تستهل القصيدة بآيتين من القرآن الكريم ثم تنقسم إلى مقاطع شعرية بالعامية المصرية وفقرات نثرية بالفصحى تتناوب فى نقلات يسيرة فى التعبير عن موضوع القصيدة حتى نهايتها. تتمتع الفقرات النثرية بموسيقى شعرية مسموعة النبرات بما يؤكد أن الفرق بين الشعر والنثر فى النص شكلى. وتظهر دلالات بنية تقطيع النص وتقسيمه تنظيما فى هيكلته وجريانه حيث تتدفق المقاطع الشعرية فى مسار رأسى تتقاطع مع مسار الفقرات النثرية الأفقى. وفيما تتخلل المقاطع الشعرية وقفات واضحة تتخللها ومضات صمت، تحتشد الفقرات النثرية فى موسيقى معانيها بما يضفى على النص تنوعا فى الالقاء والاستقبال يماثل فى بعض مقاطع القصيدة طبيعة المناجاة الفردية حينا وما يشبه الحوار حينا آخر.

النص قراءة أسطورية معاصرة مركبة من الشعر والنثر لسيرة رضوى كما رآها أمين من زاويته. مرثية تخلع عن كيانها ثوب الرثاء التقليدى فلا تنكفىء على حزنها فتدفن نفسها داخله بل تصحبه معها فى رحلتها الجنائزية التى تتحول إلى ‘قصيدة محبة’ تبعث إيزيس هذه المرة (وليس أوزوريس)، فى دلتا الوادى الطيب وشماله وجنوبه، على الجبل مع الثوار، فى جزيرة غرة بحر العرب، وفى العالم الجديد، فى عين الدمع والبيازين، فى الطنطورية وغرة بحر العرب، والليسيه وهارفارد، وعلى كوبرى عباس وأمام نُصُب الشهداء، فى الجهنمية والنخلة والأكاسيا والماجنوليا، فى سوار رقيق يحتضن معصمها، وزينة تكاد لا ترى على وجهها العربى الجميل.

...

اجتمع مريدو رضوى عاشور فى ديسمبر موعد ذكراها الأولى وتشابهت حكاياتهم عنها، اهتمامها بهم، حنوها عليهم، شجاعتها فى الدفاع عنهم، رقتها فى حديثها إليهم، والأخطر ترددها على كل منهم فى الأحلام!! من يزور من؟!! هل يستحضرها أحباؤها؟ أم هى التى تزورهم؟ على الأغلب هذا وذاك، لما تركته رضوى من أثر على مريديها. هى تزورهم تطمئن عليهم وتطمئنهم عليها... «أنا بخير! فهل أنتم بخير؟!»

...

جلس أمين وسط المريدين يلقى عليهم القصيدة فى سكينة فكانت بردا وسلاما، نقلتهم من قاعة الندوات المثلثة بالدور الأول فى كلية الآداب جامعة عين شمس وخرجت بهم إلى فضاء رحب وصولا إلى «بيت قديم وجديد فى شارع الفلكى» حيث تجلس رضوى على أريكتها السوداء الأنيقة المزينة بزخارف عربية وصدف فى انتظارهم بابتسامتها وذراعيها المفتوحين لاستقبالهم فى حضنها الكبير. جلسة نتحلق فيها حول الراوى يحكى لنا «حكاية بنت اسمها رضوى»، ويستحضر الراوى بالكلمة وبموسيقاها تراثا عربيا فى القص يصل رحمه السردى ويذكرنا أول ما نتذكر بسيّر فؤاد حداد «ليمونة المحاياة» و«ثلاث سنين وثلاث ساعات» وغزله ‘المجهرى’ بين الشعر والنثر.

كتابة ‘قصيدة استحضارية’ عن رضوى عاشور لها قواعد وأصول، تحتفظ لنفسها بمخاطبة ‘سيدة القصيدة’ مباشرة تارة ثم الحديث عنها تارة أخرى. لكنها لا يمكن أن تبدأ وتستمر وتتحقق إلا عبر الوعى بالمشاركة والعشم بـ ‘العيش والملح والوعى’ بين الحكاية والذاكرة، لتجميع شذرات قصصية من حياة رضوى وحكاياها وتركيبها واحدة واحدة.. جنبا إلى جنب.. تحقيقا لبنية فعل التذكر فى اللغة العربية من حفظ واستحضار، وفى اللغة الإنجليزية تذكر (remember) بمفهوم بنيته التركيبية المكونة من إعادة (re) والبناء/الجمع (member).

بين شعر ‘أمين’ ونثر ‘رضوى’ يختار أمين حداد –أو أختار له النص- أن ‘يلعب’ فى صياغة القصيدة لعبة «التناص» التى تستحضر عُمدة ما كتبته رضوى فتقدم لقرائها/محبيها أحجية غير معجزة, يسيرة التوصل إلى شفرتها التى تمثلت فى رسائل مشفرة ذكية يفك لأحباء رضوى رموزها من عناوين أعمالها وسماتها الشخصية المميزة ببساطة ودون جهد. وتتحول الإشارة المشفرة إلى أعمالها وشخصها إلى سيميائية موسيقية رمزية مكثفة تتلون بتتابع مقاصد القصيدة من رثاء ومحبة وفخر.

تشكل مفردات القصيدة فى بنيتها المتحدة متاهة بللورية أسطورية، جدرانها ملونة شفافة، يعرف المريد طريقه داخلها فتشحذ همته وتنشط ذاكرته وكأنه حلم بها من قبل!! يتنبأ بدوران ممراتها والتفافاتها واستقاماتها. ويحدث نفسه فيما يقرأ القصيدة السحرية العجيبة وتقرأه:» لقد كنت هنا من قبل!!» حالة من رؤية سابقة الـ Deja vu وتوارد الخواطر الـ telepathyتحتويه فيقدم المشيئة ويحث الخطى داخل الممرات حتى يضىء شروق القصيدة وجهه تدريجيا فيما يقترب من بوابة النهاية أو ربما لنقل: البداية.

هذا نص يليق برضوى.. أغلب نثره شعر، وشعره كينونة سردية موسيقية. كتبه شاعر/قارىء مخلص لأعمالها ولحياتها ينظم منها صورة فسيفساء من الذكريات والحكايا الملونة! يجدل الشعر فى النثر ويضبط التحول المحسوب بينهما فلا يفقد النص إيقاعه وإنما يلون سريانه ويوجه تدفقه، ويحاكى أسلوبها فى الكتابة حين تعلى عاشور من موروثها الثقافى العربى وتقتفى أثر الساردين العرب فيكمل لها مسيرتها فى إنشاء «نسغ تواصل واستمرارية». (صيادو الذاكرة 224) وكذلك يحذو حذو رضوى الإنسانى والثقافى حين تصبح الكاتبة موضوع القصيدة هى ‘تمام المعنى’.. الذاكرة، والضمير، والحنان، والمعرفة.

.....................

يبدأ الحلم بسم الله الرحمن الرحيم وتشكل الآيتان 13 و14 من سورة الاسراء مقدمة قرآنية تؤطر النص وتلخصه وتضعه فى نصابه وتشكل نهايته، ويستمر صداها حتى كلمته الأخيرة. تتصدر المقدمة صورة الـ‘طائر فى العنق’ التى تعكس الارتباط الوثيق بين الإنسان وعمله بما لكلمتى «ألزمناه» و«عنق» من خصوصية وتفرد فى الوجوب والقُرْبَة، وتحول ذلك الارتباط إلى تجربة روحية تراثية ترتبط بعادة العرب الأقدمين فى «التطير» واعتبار أحوال الطير فى اتخاذ الميمنة أو الميسرة وجهة له والاستدلال بها على طريقى الخير والشر، وكذلك تحمل الصورة مدلولاتها فى النص القرآنى التى ترتبط بيوم القيامة حينما يرمز الطائر لعمل الإنسان من خير أو شر ووقوف الإنسان أمام كتاب مفتوح دونت عليه كل أعماله صغيرة كانت أم كبيرة.

يضاف إلى الصورة ما يؤكد طبيعتها ‘المتراكبة’ شرح رضوى لمفهوم «طيران الهامة» منقلا عن كتاب الدميرى «حياة الحيوان الكبرى» إذ «تزعم العرب أن الإنسان إذا مات أو قتل تتصور نفسه فى صورة طائر تصرخ على قبره مستوحشة لجسدها.» (أطياف 185)، كذلك تضيف رضوى مفهوم الـ ‘با’ أى روح الإنسان التى صورها قدماء المصريين على شكل طائر يرافق الإنسان إلى قبره ثم يتنقل بحرية بين عالم الموتى وعالم الأحياء. (أطياف 186) وكذلك ‘الطائر فى العنق يشبه «قبضة تاريخ قاتل لا فكاك للـ(بشر) منه.» (أطياف 227) أخيرا يضاف إلى الصورة المتراكبة ملاح كولريدج القديم الذى يحمل جثة طائر القطرس على عنقه فى شكل عقاب ذاتى تكفيرا عن جرمه، وتبقى جثة الطائر رمزا دالا على تناقض بشرى منذ بدء الخليقة يتمثل فى ارتكاب واقعة الخطيئة والرغبة فى التطهر من دنسها فى آن واحد.

لا ينصب الشاعر نفسه راويا منفردا بما يملكه من حق السيطرة الشعرية، بل هو شاهد مثل الآخرين يصف حالة حزن يشاركه فيها آخرون وربما يعتمد أحيانا على شهادتهم كىيعرض قضيته. هو معك، يقف إلى جوارك، ويبعث فى ذاكرتك لحظات ظننت أنك بطلها الأوحد وعندما ارتدت الكاميرا إلى الوراء رأيت العشرات معك فى نفس المشهد ومن بينهم الشاعر!! لكنك عندما تأنس له وتتبعه عبر تحولاته من أبياته الشعرية بالعامية المصرية إلى فقراته النثرية بالفصحى تفاجأ بخصوصية الخاتمة فى الكلمة الأخيرة فى النص التى يحتفظ لنفسه بها وحده وكأنها ‘الختم الملكى’ الذى يسجل به النص شرعيته وأحقيته فى أن يحلم برضوى عاشور ويتذكرها حلما وشعرا ونثرا!!

عندما تسمع هذا النص يلح عليك السؤال الذى طرحه الشاعر والناقد ماثيو آرنولد على صديقه آرثر هيلم: «ماذا فعلت بك القصيدة؟» وتسأل نفسك بالضرورة:«ماذا فعلت بىّ قصيدة أمين عن رضوى؟» ثم تبدأ سعيا تتلمس فيه كيف رأى أمين حداد رضوى عاشور عبر «العين الداخلية» التى ذكرها ويليام وردزورث فى قصيدته عن ‘النرجس الذهبى’؟ كيف يحكى أمين حداد «حكاية البنت اللى اسمها رضوى»؟ أين كانت تقطن؟ كيف كانت فى صباها؟ كيف كانت تعمل؟ تتعلم؟ تحكى؟ تتكلم؟ تصمت؟ تحب؟ توجه؟ تحنو؟ وتقسو؟ رضوى كما نعرفها أو التى كنا نحب أن نعرفها أكثر، قبل أن تدخل حياتنا أو نقتحم حياتها!!

فى القصيدة توثيق لحقيقة تجمع المحبين فى زيارتها لهم فى الحلم، وجمال نطقها لأسمائهم، والحلم علاج للحزن، وفى الحلم رضوى ‘قمرية’، و‘طاقة’ نور وسعى معرفى كما نعرفها: «لا شىء يعيق حماس المرأة الصغيرة تتدثر بالمعطف الثقيل وغطاء الرأس والشال الصوفى وتنزل...» (الرحلة 106) «طفلة وشابة محبوبة وحابة». وهكذا ننتقل بيسر عبر ممرات المتاهة السحرية البللورية مثلما تتنقل رضوى عبر أزمنة القاهرة ومصر، والوطن العربى، والعالم الثالث، تلهم «أبناء وبنات العالم المجلود بالسوط الامبريالى» (الرحلة 116) كما شاءت وتشاء.

تنساب القصيدة شعرا ونثرا على رسلها هادئة ومحافظة لها على إيقاع خاص يعلو حينا ويخفت حينا آخر وفق دفقاتها الشعورية وتنقلاتها الزمنية والمكانية. تلتقط القصيدة اسم المسجد الذى صلينا فيه يوم الاثنين 1 ديسمبر عام 2014 على فقيدتنا.. «صلاح الدين»، هل هنا مجال للمصادفة؟ أم أن التاريخ يكتب سيرة رضوى ويكملها لها حتى يومنا هذا بما تحبه إجلالا لها وتقديرا ؟!

يترجم الشاعر ‘النعش’ الذى نرهبه إلى جزء من حكاية من حكايات رضوى فيصبح صندوقا مثل صندوق مريمة فى ثلاثية غرناطة. لا نراه يسرقها منا ويحجبها عنا بل يحافظ لنا عليها بعد أن أصبح جزءا من متن حكاياها الواعية الدافئة. يراه أمين منقوشا عليه «حبيبان ينتحبان» (مريد وتميم)، وكذلك يرى منقوشا عليه سائر مفردات عالم رضوى عاشور من أبناء وبنات وطلاب وطبيعة وعِلم وعَلَم وأرض ووطن وقضية ونبات وطير. وتستمر عين الشاعر الداخلية فى اتباع المونتاج السينمائى السريع لالتقاط التفاصيل الدقيقة النابضة ونقشها على الصندوق، ودائما هناك المزيد من التفاصيل التى تبعث فيها رضوى، البنات اللاتى كبرن وأنجبن وحملن الأنجال كى لا تفوتهن المشاركة فى الصلاة عليها، والتكبيرات والدعاء .

وتظهر بين سطور النص مسارب أخرى تصل بنا إلى صندوق مريمة الذى ينتظر تحت الأرض عودة حفيدها ‘على’. ما بين ‘صندوق مريمة’ و‘صندوق رضوى’ آلاف الأميال ما بين مشرق ومغرب، ونقوش حية، وكتب تهرب من قاتلها لتعيش فى زمن آخر، وعوالم خيالية وافتراضية وحقيقية، وأميرة ليست تنتظر كسائر الأميرات أميرا يوقظها من سباتها بقبلة بل هى أميرة ذات همة ويقظة تبحث عن الأمير، بل عن أمته لتوقظهما.

تحمل القصيدة فى قلبها تحية دفينة تحملها جينات الشاعر الشعرية من زمن فؤاد حداد إلى زمن رضوى عاشور:«شايفك يا رضوى خيال/ بيحضن الأجيال»، فيضم رضوى إلى صفوف أبناء الوطن الذين خلدهم فؤاد حداد بأشعاره. وتتخذ القصيدة بعدا صوفيا روحانيا فى مفارقات صلاة الجنازة وإفساح رضوى المكان لمتوفى آخر، ونرى فى «محاضرة زى الحضرة» رضوى الصوفية تختار الاستمرار فى عملها بالجامعة ليمتد تأثيرها على الطلاب حتى بعد رحيلها و‘تنتصر للمعرفة فى قاعات مكدسة، ومعامل ناقصة التجهيز، ومكتبات شعثاء.’

مع احتشاد التفاصيل التناصية فى تصاعد موسيقى متباين الوتيرة بين إيقاعى الشعر ونثره ينمو البورتريه ليتحول إلى جدارية من الفسيفساء تستعيد لنا سيرة التماثيل واللوحات والجداريات التى حرصت رضوى على وصفها لنا عبر رحلتها مع الكتابة منذ «الرحلة: أيام طالبة مصرية فى أمريكا»، إلى «أثقل من رضوى» و«الصرخة»، حكت لنا من بين ما حكت عبرها عن المصرى محمود مختار، والاسبانى بابلو بيكاسو، والمكسيكى ديفيد ألفارو سيكييروس، وإدفارت مونش، وتمثال نهضة مصر، ونسجية صيد وحيد القرن النبيل، والجورنيكا، ومشروع نهضة وطن، ومذبحة فى قرية، وجدارية فى لوس أنجيلس تمثل صفعة على وجه نظام استعمارى رأسمالى، وصيد محرم، وصرخة فى وجه الإنسانية.. هكذا لأن «ذاكرة الجدارية تلح كوجع الأسنان.» (أثقل من رضوى 312)

تتعدد نقاط الذروة فى النص ولأنك داخل متاهة بللورية فإن النص يتمتع بقدر عالٍ وصافٍ من الشفافية تتيح لك أن ترى النص وتتابع صوره المجازية والإدراكية فى مجملها فى لقطة واحدة متضمنا كل نقاط الذروة ومابينها من نقلات صعودا وهبوطا. ولهذا فإن القصيدة يغمرها النور فلا توجد بها مساحات من الظلام والإبهام. لذلك تتماثل القصيدة فى جوهرها مع شخصية رضوى عاشور فى وضوحها وصدقها وذائقتها.

لا تفلت القصيدة زمامين تذكرنا بهما دوما: أنها كتابة على حافة الجرح، وتجميع لشذرات مختارة من الذاكرة (Re/member ). تُبعث رضوى فى قصيدة/ بورتريه جداري من الفسيفساء لا تخجل أن تتحدث عن موتها، لكنها فى نفس الوقت تناقش طرح الموت وتعيد النظر فيه، فمن كانت تعلمنا وتتقاسم معنا بل و«تزققنا» حب الوطن والعلم والأدب والفن لا تفنى هكذا وبكل ببساطة! فى القصيدة خوف مستتر على مستقبل الوطن: «عندما تموتين لا يكون الوطن كما كان»! وتتغير خريطته!! وفى جوف هذا الحزن إعلاء للوطن وقيمه. مما ينقلنا إلى الواقع البديل نحتمى به خوفا على سلامتنا العقلية وحفاظا على أنفسنا من الانكسار! وهل مات عبد الله النديم؟ أو فؤاد حداد؟ أو يحيى حقى؟ بل ما حقيقة/كينونة موت ‘كل ابن آدم’؟ وكل روح كبيرة بل أكبر من الحياة البشرية تستوعب الأحباء الأحياء وتحتضنهم حتى بعد رحيلها؟

رضوى جزء من الوطن، وسقف وغطاء وسند، وكلمة وقفت على اللسان، وتنهيدة خنقت فى الصدر. رضوى.. تاريخ يبحث عن أمته فيما هى تبحث عنه!! لهذا تسكن رضوى - وغيرها من رموز مصر- «فى وطن اسمه الذاكرة» ترسم حدوده وتشكله وتغير هيئته وتجسد فيه مفهوم الحرية وتنطلق مثل الـ ‘با’ بين العالمين تطمئن على الأحباء ونتنظر أن يصيبنا الدور فتزورنا فى أحلامنا وتكتمل عندئذ المعانى وتتم.

وختاما أقول مرة أخرى إعجابا بالقصيدة/المتاهة البللورية/البورتريه الجداري الفسيفسائي: هذا نص يليق برضوى ويماثلها فى الملامح. بل هو ‘قبلة على جبينها’. رضوى كما نعرفها، بل كما يجب أن نعرفها، وكما يجب أن نتذكرها، ونبقيها حية داخلنا. وأكاد أحلم بها- رضوى- تمسك النص بين يديها، تقرأه بعناية حتى الكلمة الأخيرة «آمين»، وتبتسم ثم تمسك بالهاتف لتطلب الشاعر وتشكره بصوتها الحنون المرهق: « سلمت يداك يا ‘أمين’!» فتحضر أمين فرحتان.. فرحة أولى أن حلمه برضوى قد تحقق.. وفرحة ثانية أن نادته باسمه.. وهنا يطوى الكتاب بعد أن قُرأ وينتهى الحلم ونحن نردد خلفه: «آمين»!!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق