الجمعة 20 من شعبان 1437 هــ 27 مايو 2016 السنة 140 العدد 47289

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الناصرى المدير الإقليمى للأمم المتحدة لدعم المرأة والمساواة فى حوار خاص لـ «الأهرام» :
المساواة بين الرجل والمرأة فى العمل يرفع الدخل القومى 30٪

حوار : سوسن مراد عز العرب تصوير: فـــــوزى مصرللى
في الوقت الذي يدرك فيه العالم أنه على شفا مواجهة أزمة اقتصادية كبرى، وجد ان جزء من الحل يقع بين يدي المرأة، فحواء قادرة على تغيير عائدات الاقتصاد إذا ما تم إفساح المجال أمامها للمساهمة بشكل أكبر في سوق العمل،

لكنها لا تزال مثقلة بأعباء تقليدية تعوق تقدمها لا لسبب إلا لكونها امرأة، وفي حين تتصاعد مؤخرا مبادرات لتكريم المرأة بمناسبة وبدون مناسبة ممثلة في شخصيات منتقاة، يبرز التساؤل إن كان تحقق فارقا ملموسا في حياة النساء على أرض الواقع ودعمهن في مواجهة القضايا والتحديات المزمنة، حوار الأهرام مع محمد الناصرى المدير الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين الذي كشف عن تفاصيل المبادرات الحقيقية لدعم المرأة في مصر وتمكينها إقتصاديا وسياسيا لتمتلك حق اختيار مساراتها في الحياة بنفسها، كما وضح الكثير عن آلية العمل في منظمات دعم المرأة ودور الأمم المتحدة المحورى وأهمية اتخاذها لمصر لمقر رئيسي تنطلق منه جميع البرامج والاتفاقيات لتمتد بعد ذلك إلى الإقليم العربي والإفريقي، ومن ناحية أخرى رصد وحشا جديدا خرج من رحم الأحداث السياسية في المنطقة العربية ليواجه المرأة بعقلية القرون الوسطى المتخلفة متمثلا في الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تتخذ من التنكيل بالنساء والفتيات هدفا استراتيجيا لقهر المجتمعات التي تغزوها.



> ما المحاور الرئيسية التى تعمل من خلالها هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة؟

هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين هي إحدى الهيئات الممثلة لمنظمة الأمم المتحدة، لذلك فهي تعمل من خلال السياسات العامة التي تتبعها منظومة الأمم المتحدة، المحور الرئيسي هو دعم المرأة وتمكينها علي جميع الأصعدة: اقتصاديا وسياسياً واجتماعياً،مع التركيز على مجالات ذات أولوية كدفع المرأة لمواقع قيادية وتفعيل نسبة أكبر للمشاركة السياسية والاقتصادية ، وإنهاء العنف ضد النساء والفتيات، ومحاربة التمييز.. وتتلخص رؤيتنا في أن دعم المرأة والمساواة بين الجنسين هي بداية الحل لكثير من مشاكل المنطقة، لا جزء من الأزمة كما يعتقد الكثيرون.

> هل تستفيد مصر من اتخاذ القاهرة مقرا إقليميا رئيسيا لهيئة الأمم المتحدة لدعم المرأة ؟

لمصر أولوية كبري وإستراتيجية بالنسبة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة وهي مستفيد أساسي من العديد من البرامج سواءً على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي. فغالباً ما تنطلق المبادرات والمشروعات الهامة من القاهرة في بدايتها ثم تنتقل إلى الدول المحيطة بعد ذلك. ومن هنا كان تأسيس المكتب الإقليمي في القاهرة خياراً طبيعياً، فمصر بموقعها الجغرافي وثقلها التاريخي تمثل رابطاً رائداً بين الإقليم العربي والأفريقي والإقليمي، وهي مقر لجامعة الدول العربية و منظمة المرأة العربية، وهي منظمات نهتم كثيراً بشراكتنا الإستراتيجية معها، ووجودنا هنا يسهل من امتداد تلك الشراكات في الكثير من مشروعاتنا وبرامجنا.

> من بين الاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها خلال زيارة الرئيس الفرنسي لمصر مؤخرا كان لك دور فعال بتوقيع اتفاقية هامة بين الجانبين المصري والفرنسي برعاية هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة، ما هي تفاصيل هذه الاتفاقية؟

هذه الاتفاقية الجديدة خطوة مهمة لدعم المرأة وتمكينها اقتصادياً. البرنامج تحت عنوان «المرأة المصرية: رائدة المستقبل» ويهدف إلى معالجة المعدلات المرتفعة للبطالة بين الشابات ومكافحة تهميشهن ومساعدتهن للوصول إلى سوق العمل من خلال برامج التدريب المهني رفيعة المستوى. وقد أسست الاتفاقية للشراكة مع العديد من شركات القطاع الخاص الفرنسية الكبرى، حيث تلتزم الشركات بمراجعة نسبة العاملين من الجنسين بهدف تحقيق التوازن بينهما، بل وتلتزم تلك الشركات أيضاً بتوفير فرص عمل حقيقية للشابات المستفيدات من برامج التدريب بعد تطوير مهاراتهن المهنية. وتكمن أهمية الاتفاقية المصرية الفرنسية في أنها تخلق منصة تعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص للمشاركة في دعم التمكين الاقتصادي للمرأة وتسهيل إزالة الحواجز والتحديات غير المنصفة التي تواجهها في حياتها العملية خاصة في مرحلة البداية.

> ما هي الخطوة القادمة لتفعيل الاتفاقية على ارض الواقع؟

لقد تم إطلاق البرنامج في مصر تحت رعاية السيد وزير التربية والتعليم الدكتور الهلالي الشربيني و بالتنسيق مع المجلس القومي للمرأة بقيادة د. مايا مرسي. ومثلت الاتفاقية الخطوة الأولى فيما أتصور أن يتحول في المستقبل القريب إلى برنامجٍ إقليميٍ واسع النطاق، يشمل تعاونا بين حكومات وشركات متعددة الجنسيات في جميع أنحاء الدول العربية.

> هل أنت راضٍ عما حققته جهود دعم المرأة المصرية اقتصاديا؟

لا أعتقد أن الرضا عن الإنجاز هو التعبير المناسب هنا. أنا أقدر كثيراً الجهود الحثيثة التي تبذلها منظمات العمل الأهلي، والحكومة المصرية والمجلس القومي للمرأة ومكتب هيئة الأمم المتحدة للمرأة في هذا المجال. ولا يستطيع أحد إنكار التقدم الذي حققته تلك الجهود والمساحات الجديدة التي اقتحمتها المرأة في مجال العمل والمشاركة الاقتصادية. ولكن الرضا يرتبط بتحقيق المساواة وهو الأمر الذي نستمر في السعي من أجله بصبرٍ يليق بحجم المهمة وصعوبة تحقيقها. فقضية المساواة بشكل عام ترتبط عواملها ببعض ارتباطا وثيقاً حيث لا يمكن تحقيق أحد عناصرها دون إحراز تقدم في العناصر الأخرى. فلا مساواة في مجال العمال دون تمكين سياسي ودفع حثيث لإنهاء وباء العنف ضد النساء والفتيات والدفع بتغيير اجتماعي يبرز فكرة المساواة علي السطح باعتبارها حقا أساسيا للنساء بدلاً من التعامل معها كقضية علي هامش الرأي العام.

> هل يتأثر الاقتصاد المصري بمشاركة المرأة بنسبة متزايدة في دائرة العمل؟

التمكين الاقتصادي للمرأة هو مفتاح الحل الحقيقي للعديد من المشكلات، فجميع الإحصائيات والدراسات تؤكد ان دعم مشاركتها في بناء الوطن الذي يمر بمرحلة من أهم المراحل في تاريخه و تمكينها اقتصادياً سوف يسرع بتنشيط عجلة الاقتصاد على أرض الواقع، حيث أشارت دراسة من منظمة المرأة الحديثة أن عمل المرأة المصرية علي قدم المساواة مع الرجل سوف يرفع عائدات الدخل القومي بنسبة لا تقل عن 30% وهي نسبة مدهشة بالفعل إذا فكرنا فيما يمكن ان يحققه استثمار تلك الطاقة المهدرة في دولة بحجم مصر إذا ما استغلت كل الطاقة البشرية الهائلة الكامنة ممثلة في المرأة وتفعيل مشاركتها في سوق العمل والإنتاج، العائد ايجابي بالتأكيد، ويمكنه تحقيق الكثير، وهو ما نسعى لتفعيله من خلال برامج واتفاقيات متنوعة لتظهر النتائج في المستقبل القريب.

> كيف تقيم مشاركة المرأة في الساحة السياسية المصرية؟

لا شك أن هناك قفزة واضحة قد تحققت في هذا الصدد حيث وصل تمثيل المرأة في البرلمان على المستوى الإقليمي العربي الى 17.9٪ في عام 2015 بعد ان كان لا يتعدى نسبة 2.6٪ في عام 2000. وقد حققت مصر أعلى مستوى لتمثيل المرأة مؤخراً بعد أن وصل تمثيل النساء لنسبة 15٪ في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

> هل يمكن تحويل الدعم المعنوي والعيني إلى دعم نقدي في بعض الحالات؟

الأهداف التي تسعي لها هيئة الأمم المتحدة للمرأة هي أهداف تغيير إستراتيجي طويل المدى. وهذه هي الميزة لوجود التنوع في منظمات المجتمع المدني الوطنية، فبينما تركز بعض هيئات المجتمع المدني الوطنية علي المساعدة المباشرة للفئات المهمشة عن طريق الدعم النقدي، تركز هيئات أخري علي إنشاء مشروعات لها أهداف ذات مدي أطول تحقق التغيير علي مستوي أبعد من المساعدة الآنية، وهي التنمية المستدامة. ما نعني به نحن هو دمج التنمية المستدامة مع التغيير الهيكلي علي أساس حقوقي وهو الأمر الذي من شأنه خلق تحول كامل في الطريقة التي تمارس بها المرأة حقوقها. علي سبيل المثال، قد تستفيد 10 سيدات من الدعم النقدي المقدم من إحدي منظمات المجتمع المدني التي تتخصص في هذا المجال للتغلب علي ظروف مادية سيئة بشكل مؤقت ينتهي بانتهاء هذا الدعم النقدي، وقد تستفيد 10 أسر من تدريب نفس السيدات علي مهارات مهنية وربطهن بسوق العمل وإيجاد فرص عمل مستدامة سواء عن طريق برامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة أو برامج غيرها من منظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية التي تعني بالتنمية المستدامة، ولكن من الأكيد أن ملايين النساء ستعم استفادتهن من تغيير السياسات والقوانين التي قد تعوق اقتحام المرأة لسوق العمل، ومن تغيير المفاهيم المجتمعية والثقافية التي تمنع بعض النساء من العمل في مجالات بعينها مثلاً، وهذا هو دور هيئة الأمم المتحدة للمرأة الذي توليه الأولوية.

> أثيرت سابقا بعض الدعوات لتغيير بعض القوانين التي يتم استغلال ثغراتها في إيقاع الظلم على المرأة خاصة فيما يخص الأحوال الشخصية، هل هناك تقدم في هذا المجال؟

التقدم في مجال الإصلاح التشريعي بطىء بطبيعته، وهناك العديد من القوانين والنصوص الدستورية والدولية التي تحمي حقوق النساء في مصر وغيرها من البلدان العربية. وارى انه يجب التركيز علي مسارين متوازيين في هذه المسألة: المسار الأول هو دراسة ومعالجة الأسباب التي تعرقل تطبيق تلك النصوص في بلادنا العربية حيث إن الكثير من تلك الأسباب يتعلق في الأساس بالموروثات الثقافية التي تضعف من سلطة تلك القوانين والتي لا يمكن تغييرها بدون تعاون المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية، والمسار الثاني هو مساعدة الحكومات والمشرعين علي الوصول لنصوص بها ضمانات أكبر لحقوق النساء في مختلف المجالات، وهذا عن طريق الدعم الفني المتخصص، وتوفير منابر تبادل الخبرات والمعلومات، وتوفير القنوات المناسبة لصياغة تلك القوانين بصورة توافقية بين مختلف الأطراف لضمان استمراريتها. وفي الوقت الحالي، تقوم هيئة الأمم المتحدة بهذا الدور من حيث تقديم المساعدة لوضع تشريعات أقوي من خلال خلق شبكات إقليمية للمشرعات العربية، وتوفير تدريبات بخصوص مختلف قضايا حقوق النساء، ورفع الوعي فيما يتعلق بالحماية والضمانات التي ينص عليها القانون بالفعل وكيفية تفعيلها، هذا بالإضافة لحملات الدعوة التي تطلقها الهيئة علي المستويين الإقليمي والوطني لدعم قضية المساواة وزيادة مناصريها في المجتمع.

> تواجه جهود دعم المرأة اتهاماً بأنها قد ساعدت السيدات على التمرد وتسببت في ارتفاع نسبة الخلع والطلاق، ما رأيك؟

هذه عبارات بها الكثير من التعميم و لا تساندها الأرقام والإحصائيات. دعم المرأة هو دعم للمجتمع بأكمله، ولا يمكن أن نُطْلِق لفظة «تمرد» علي تمكين أصحاب الحق من ممارسة حقوقهن. الخطر الحقيقي الذي يجب أن نواجهه هو أن يجور الشخص علي حقوق غيره، لا أن يحصل علي حقوقه كاملة غير منقوصة.

> ما مدى دقة الأرقام التي تعلن عن نسب التحرش والاغتصاب والطلاق وغيرها من القضايا الشائكة التي تشكل هاجسا مجتمعيا؟

وجود تلك الأرقام في حد ذاته هو تقدم ملحوظ تتقدم فيه مصر علي وجه الخصوص بشكل رائد في المنطقة. ففي لقاء علي هامش أعمال لجنة أوضاع المرأة العالمية بالشهر الماضي، وفي فعالية خصصت لنقاش المشاركة السياسية للمرأة المصرية، حرصت الدكتورة مايا مرسي رئيس المجلس القومي للمرأة ومعها عضوات ممثلات للبرلمان، والسيد ماجد عثمان ممثلا عن مركز بصيرة لبحوث الرأي العام، علي التركيز علي أهمية جمع المعلومات بطريقة مراعية للنوع الاجتماعي. فكما نري في الدراسة العلمية لأي موضوع، لا يمكن الاقتراب من حل المشكلة دون فهمها بشكل كافٍ وهو ما لا يتأتي إلا بتوافر البيانات والشفافية في إعلانها. وعلي خلاف بعض الدول العربية التي لا تسمح ظروفها بتوفير تلك المعلومات، تهتم مصر بإنتاج هذه البيانات مما يتيح تصميم برامج ومشروعات تخدم المجتمع بالفعل وبطريقة مدروسة. ولهذا لا يجب أن نتوقف كثيراً عما تكشفه تلك البيانات من نتائج سلبية أحياناً ومقلقة في كثير من الأحيان، علي العكس، يجب علينا استخدام تلك البيانات للدفع من أجل التغيير الإيجابي بدلاً من ذلك، وأن نفخر بالشفافية التي تتيح لنا تصميم حلول أكثر فاعلية، والعمل علي جعل تلك البيانات أكثر دقة حتى لا تثير بلبلة أو تنقل صورة خاطئة قد تؤثر بالسلب علي التخطيط للحلول.

> ما الجديد في علاج مشكلة ختان الإناث في مصر، وهل حققت الحملات السابقة نتائجها المرجوة؟

بينما تظل نسبة تعرض الفتيات للختان مقلقة بشكل كبير في مصر، نري تقدماً، وإن كان بطيئاً في الأجيال الجديدة نتيجة لزيادة الوعي والجهود التي تبذلها مختلف الجهات لتغيير مفاهيم الجمهور بخصوص تلك العادة. فمنذ أعوام، انضمت المنظمات الدينية لحملات التوعية ضد ختان الإناث مما منح الجانب الحقوقي للمسألة دعماً كبيراً أكدت فيه القيادات الدينية المصرية علي حماية الأديان السماوية للمرأة من هذا النوع من العنف. كما رأينا تطوراً جديداً العام الماضي يبعث للتفاؤل حين تم الحكم علي طبيب قام بختان فتاة قاصر وهي السابقة الأولي من نوعها في مصر وتؤسس لسياسة تمنع الإفلات من العقاب وتردع مرتكبي هذا الانتهاك في حقوق الفتيات.

> كمدير إقليمي لهيئة الأمم المتحدة بالمنطقة العربية فأنت مسئول عن مشروعات دعم المرأة في 17 بلدا مختلفا،هل تؤمن بان الحل يكمن في إطلاق المشروعات الإقليمية الموسعة، ام ترى ان لكل بلد ظروفه الخاصة والتي تحدد طبيعة المشروعات التي يحتاجها؟

من خبرتي في المجال وخبرة من سبقوني وخبرة الأمم المتحدة التي كثيراً ما تعتمد علي المكاتب الإقليمية بجانب المكاتب المتخصصة في كل بلد، أستطيع أن أقول بثقة أن أهمية العمل علي المستوي الإقليمي لا تقل عن أهمية العمل علي المستوي الوطني، وهو ما يظهر بوضوح في وجود المنظمات الإقليمية المختلفة ومنها جامعة الدول العربية نفسها. ففي المنطقة العربية بالذات، بينما تظهر خصوصية كل دولة في تحديات وعوامل تختلف عن غيرها من الدول، تشترك الـ17 دولة في اللغة، والكثير من أوجه الثقافة، كما تتأثر ببعضها البعض كثيراً. فنشوب الصراع في سوريا والعراق علي سبيل المثال، خلق أكبر أزمة لجوء في التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية وهي الأزمة التي توسعت لتطال العديد من الدول العربية المضيفة للاجئين الذين يتوحدون في الكثير من احتياجاتهم ومعاناتهم وهو ما يبرز دور البرامج الإقليمية للتعامل مع تلك الأزمة في مختلف الدول المضيفة مثلاً. كما أن التنسيق وتوفير القنوات لتبادل الخبرات خاصة عندما تتماثل الثقافات إلي حدٍ كبير، هو من أهم العوامل المساعدة والدافعة للتغيير وهو ما يظهر في مشروعاتنا التي تنشئ شبكات إقليمية للبرلمانيات، أو للنساء الفاعلات في المجال الاقتصادي. في الوقت نفسه، ترتبط مصائر الدول العربية يبعضها كثيراً في ظل نشأة تحديات تطال الجميع ومنها تزايد العنف المسلح والتطرف والذي يصاحبه خطاب مزعج للغاية فيما يتعلق بحقوق المرأة ويهدد بالتأثير علي مكتسباتها، وهو التحدي الإقليمي الذي لا يستثني الكثير من الدول العربية ويستلزم حلولاً إقليمية منسقة لمواجهته. في الوقت ذاته تحتاج كل دولة لحلول تراعي خصوصيتها والعوامل الاقتصادية والسياسية التي تختلف فيها عن غيرها من الدول وهو الهدف من وجود مكاتب متخصصة لكل دولة عربية. ولذلك من المهم التركيز علي المستويين بنفس الدرجة.

> تعرضت المرأة للكثير من الظلم بسبب الأحداث السياسية الأخيرة بظهور داعش وعمليات اللجوء الاضطراري، كيف قمتم بمواجهة ذلك ؟

الوضع أكثر من سيئ في المناطق التي تسيطر عليها داعش. التقيت مؤخرا بزاد الخير. شابة سورية هربت إلى مخيم الزعتري في الأردن بعد مقتل أخيها و تركت خلفها أختا و أخا آخرين. بدأت زاد حياة جديدة في المخيم بدعم من برامج هيئة الأمم المتحدة للمرأة و أنشأت صداقات وطيدة. تعلمت الانجليزية وتسعى لأن تصبح مترجمة. الكثيرات من مثيلات زاد مازلن عالقات تحت سيطرة جماعات مسلحة ومتطرفة ويتعرضن لأبشع صور الانتهاك ومنها الاستعباد الجنسي والاغتصاب والزواج القسري. وفي تقرير لها العام الماضي، صرحت السيدة زينب حوا بنجورا، المساعدة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي في مناطق النزاع، أن تلك الحروب الدائرة في المنطقة هي حروب تدور علي أجساد النساء. وما نراه بأعيننا كل يوم في عملنا مع الهاربات من تلك المناطق ومن عملنا في العراق أيضاً يُظهر بوضوح أن النساء وحقوقهن من أكثر ما تستهدفه قوي التطرف لتغيير وجه المجتمع. وهذا ما نريد التشديد عليه، إذا كانت المجموعات المتطرفة تستهدف انتهاك النساء كوسيلة أساسية لتغيير المجتمع للأسوأ، فالأولي بنا في مجابهة هذا الخطاب المزعج هو التركيز علي استهداف النساء ودعمهن وتفعيل حقوقهن أيضاً للحفاظ علي المجتمع من التفكك ودفعه نحو الأفضل.

> ما أهم أسلحة مكافحة العنف الجنسي ؟

تختلف نسب ممارسة أنواع معينة من العنف في دول دون سواها، ولكن الأكيد هو أن العنف ضد النساء والفتيات هو وباء عالمي مستشر لم ينجح أحد في دحره كاملاً وهو من أكبر التحديات التي تواجه أي عمل جاد نحو تحقيق المساواة. وفي دولنا العربية، وبخصوص جرائم العنف الجنسي، يظهر دور المجتمع جلياً، فما نحتاجه بشدة هو تغيير للمفاهيم يكسر ثقافة الصمت المحيطة بالعنف الجنسي ضد النساء والفتيات، والذي يفضل الكثيرون الصمت عنه لتجنب الوصمة التي يلحقها المجتمع بالناجين من هذا النوع من العنف. والنتيجة هي إفلات المجرم من العقاب وربما تكرار جريمته، بالإضافة لأن هذا الصمت يحرم المجتمع من قيمة الردع التي قد تنتج عن عقاب هؤلاء المجرمين لغيرهم ممن قد يرتكب جرائم مماثلة. كما يحرم هذا الخوف والصمت الناجيات من العنف الجنسي من الحصول علي الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية التي يحتجنها للتغلب علي الأزمة.

> تزداد نسبة تقلد السيدات لمواقع قيادية في العالم على الصعيد السياسي والوزاري والإداري، هل تحقق المرأة العربية والمصرية تقدما مماثلا؟

لا يجب المقارنة بين مناطق العالم المختلفة دون النظر للعوامل المصاحبة لمسألة تمثيل النساء. فللمنطقة العربية ظروفها التي تختلف عن غيرها، وسياقها الاجتماعي والثقافي الذي يختلف عن غيره أيضاً. فبينما يحزننا كثيراً أن تقع المنطقة العربية في المركز قبل الأخير بالنسبة لتمثيل النساء في البرلمانات مثلاً، ونري بوضوح ضعف تمثيل المرأة في الحكومات والأحزاب ومنصات القضاء في مختلف دول المنطقة، تدفعنا التغييرات الأخيرة للتفاؤل. ففي العام الماضي، وللمرة الأولي في تاريخها، أصبحت جميع دول المنطقة العربية تسمح بتصويت وترشح النساء في الانتخابات بانضمام المملكة العربية السعودية للدول التي منحت النساء هذا الحق في الانتخابات البلدية الأخيرة. كما شهد العام نفسه صعود أول امرأة لتولي منصب رئاسة هيئة برلمانية بتولي الدكتورة أمل القبيسي منصب رئيسة المجلس الوطني الاتحادي بدولة الإمارات العربية المتحدة. كما رأينا أيضاً في نفس العام زيادة نسبة تمثيل البرلمانيات المصريات لتكون الأعلى في المنطقة وفي التاريخ المصري. وأخيراً سعدنا جميعاً بانضمام دكتورة وداد بوشماوي لركب الفائزات بجائزة نوبل للسلام كواحدة من الرباعي التونسي الراعي للحوار الذي حصد الجائزة العام الماضي. كل تلك التغييرات تبعث علي التفاؤل الذي نحتاجه بشدة في الطريق الطويل الذي يمتد أمامنا حتى نحقق المساواة.

> في رأيك هل يلعب الإعلام دورا ايجابيا في إلقاء الضوء على الجهود المبذولة لدعم المرأة؟

هناك أمران لا يمكن اللجوء إليهما:الأول هو تجميل الصورة وعدم عرض الحقائق فيما يخص مشاكل المرأة الراسخة في المجتمع، والثاني هو استغلال الإعلام لخلق بالونات دعائية وهمية خالية من أي تأثير حقيقي على الأرض.أفضل ما يمكن عمله هو مواجهة الحقائق وإعلانها بموضوعية وشفافية ليعلم الجميع أهمية الجهود التي تبذل ليتم إفساح المجال لها ودعمها بكل السبل وتكرارها في حال نجاحها، والاستفادة من الأخطاء التي تقع في حال حدوثها، وهو ما أدعو الإعلام ليسانده بشكل أكبر في هذا الإطار.

> ما الهدف الذي تحلم بتحقيقه مستقبلا من خلال العمل في مجال المساواة ودعم المرأة؟

الهدف الأسمى الذي نكرس جهودنا من أجله هو أن نعيش جميعاً، رجالاً ونساءً، في عالم تكون فيه المساواة هي الأصل و ليست الاستثناء، وحتى يتحقق ذلك الحلم سأسعى دائماً من خلال عملي بهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومالها من مكانة في تخفيف معاناة السيدات على أرض الواقع، دورنا هو أن تنفتح الأبواب أمامهن لحياة كريمة أكثر أماناً، وان نشجعهن على حرية التعبير عن مخاوفهن وأحلامهن ورغباتهن، ومنحهن الدعم لمقاومة التمييز الذي يتعرضن له، وأتمنى العمل على مشروع لتجديد الخطاب الديني حول حقوق المرأة ودورها في المجتمع، وهو ما يمثل أهميه كبرى خاصة في الدول العربية التي تتأثر بمحتوى الخطاب الديني بشكل كبير،وما أتمناه بعد سنوات من الآن هو أن أكون احد المساهمين في تحقيق جزء من هذا الحلم الكبير، والذي تستحقه المرأة التي كافحت عبر كل العصور لنيل فرص وحقوق عادلة في الحياة على الرغم من أنه حقها الطبيعي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق