الجمعة 29 من رجب 1437 هــ 6 مايو 2016 السنة 140 العدد 47268

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

دردشة فنية من مقاعد المتفرجين
رءوف توفيق‏:‏ أرفض سينما العنف والدم‏..‏ لأنها غير إنسانية

حوار يكتبه‏:‏ نـبـيـل عــمـــر

منتجون فى السينما الحالية يتعاملون مع الجمهور على انه جيوب تخر فلوس

الإيطالية هي الأجمل.. و الفرنسية الأكثر ثرثرة

 

طبيعي جدا أن يكون سؤالي الأول للأستاذ رءوف توفيق الكاتب السينمائي الرائع عن آخر فيلم شاهده من مقاعد المتفرجين..
أجاب ببساطة: فيلم نوارة من عشرة أيام.

إجابة مفاجئة تشي بأنه يتابع كل دقائق السينما المصرية أولا بأول, بالرغم من تحفظه عليها ووصفه لها بأنها تعيش أسوأ عصورها..
ورءوف توفيق واحد من كوكبة عظيمة عشقت السينما, وكتبت فيها ولها, وشقت دروبا للجمهور المصري والعربي في مشاهدة مختلفة للسينما, وظل يكتب بابه من مقاعد المتفرجين في مجلة صباح الخير أكثر من أربعين سنة, ناقش فيه مئات الأفلام: عربية وإيطالية وفرنسية وأمريكية وغيرها, وكتب سبعة كتب تحليلية, لا نظير لها في المكتبة العربية, بدأها بـ السينما عندما تقول لا في عام1975.
من العنوان نكتشف أننا أمام كاتب له رؤية متمردة ومحرضة لسينما مؤثرة لها وظيفة ودور في حركة الناس اليومية داخل مجتمعها, فالسينما عنده ليست مجرد تسلية فقط, وإنما موقف من الحياة, موقف رافض لكل ما هو رديء وفاسد ومستنبد ومستغل وقبيحة وظالم, وضد الإنسان عموما, ثم اتبع كتابه الأول بسلسة تعمق هذه الرؤية وهي سينما الحب, وسينما الزمن الصعب وسينما الحقيقة وسينما المرأة..الخ.
ولم يكتف بكشف مكنون الأفلام وملامحها الداخلية وما تحمله من قيم فقط, فكتب لها بهذه الرؤية المختلفة ثلاثة أفلام مدهشة هي: مشوار عمر وزوجة رجل مهم ومستر كاراتيه.. أبطالها يبحثون عن أنفسهم في خضم ظروف خاصة, بعضها من اختيارهم, وبعضها مفروض عليهم..عمر تاه في مشواره العبثي, والرجل المهم فقد نفسه حين فقد سلطته الباطشة, وصلاح الريفي عاد إلي نفسه وقريته حين تخلص من مستر كاراتيه الذي لبسه.
وحين سألته عن آخر فيلم شهده كنت أظن, وبعض الظن اثم, أنه هجر مقاعد المتفرجين, بعد أن حول كثرة من المنتجين صالات السينما إلي كباريهات وغرز, وأسرفوا في خلع الملابس والرقص الخليع والأغاني الصاخبة والمشاهد العارية بلا ضرورة فنية, فإذا به لا يتوقف عن الفرجة والمتابعة بنفس حماسه القديم..لعله يعثر بين الصخب علي ما يشده دوما إلي مقاعد المتفرجين.



> فسألته: وهل أعجبك نوارة؟
قال: فيلم يعيد لي التفاؤل بالسينما المصرية, نحن امام فن جميل لمخرجة مبدعة حقا هي هالة خليل, وممثلة موهبة جدا هي مني شلبي, وقد تحدثت مع المخرجة, لكن نقلت لها إحساسي بأن الفيلم ناقص, ولازم يكمل.. فقالت لي هالة إن الفيلم هو الأول في ثلاثية الثورة( ثورة المصريين في25 يناير).
سكت الأستاذ رءوف برهة ثم قال: كنا في حاجة إلي هذا الفيلم الآن, منذ أيام واعلانات أفلام الاجازة الصيفية تلاحقنا في الفضائيات كما يلاحق التلوث حياتنا, هذه ليست سينما, يمكن أن نسميها أي شيء إلا السينما, إنهم يبيعون هواء فاسدا للجمهور.
> قلت: الفن قرين المتعة قبل الفكر, والتسلية ليست عيبا ولا خطيئة.
قال: هذا حقيقي.. لكن مهم جدا أن تكون تسلية غير مؤذية, تسلية لا تخرب الوجدان وتفسد الذوق وتبث قيما منحرفة كما لو أنها امر واقع علينا قبوله والتعايش معه.
قلت: هذا النوع من الأفلام لم يختف أبدا من السينما المصرية منذ نشأتها ولا تخلو منه أي سينما في العالم, إنها موجات متتالية, سينما ما بعد الحرب العالمية الثانية التي غزاها أغنياء الحرب من تجار الخيش والخردة,, وكتب النقاد عن سيئاتها كثيرا, وسينما أواخر السبعينيات والثمانينيات التي عرفت انتجت ما عرف بأفلام المقاولات, ثم سينما السبكيات الحالية..
قال: إلي حد كبير كلامك صحيح, لكن السينما القديمة التي نالت هجوما لاذعا وقاسيا من النقاد لم يكن بها كل هذا القبح الحالي والبذاءة والبلطجة, والجمهور يتفرج عليها الآن في الفضائيات ويراها أفضل في وجوه كثيرة من السينما الحالية.. وكما قلت التسلية ليست عيبا لكن دون إيذاء.. يتصور منتجو أفلام النهاردة أنهم يصنعونها لجمهور مغمي عليه, جمهور مجهد ومتعب ومكتئب ومتخم بالمشكلات, وعاوز شوية فرفشة, جمهور مجرد جيوب تخر ثمن التذاكر, وهم يصورون الفيلم ويدفعون به للسوق كما لو انهم يتخلصون من مهمة سريعة, ليجمعوا فلوسها بأسرع وقت ممكن.
> قلت: لكن الجمهور عاوز كدة ويقبل عليها.
قال: جمهور كبير لا يدخل الفيلم من أجل السينما والفرجة, لكن ليري نجمه المفضل, يرقص ويغني مع راقصة ويدغدغ مشاعره بإفيهاته الساخنة.. لكن أيضا فيه نجوم انتبهت إلي موهبتها ومنهم النجم محمد رمضان وهو موهبة كبيرة, واعتبره امتدادا لأحمد زكي, وقرر أن يبتعد عن المنتجين بتوع تقليب جيوب الجمهور, ليعمل في أفلام جادة وممتعة في نفس الوقت.
> قلت:بمناسبة أحمد زكي, هل أنت الذي اخترته في تجربتيك: زوجة رجل مهم ومستر كاراتيه..
قال: لا.. علي الإطلاق.. المخرج محمد خان هو الذي اختاره في زوجة رجل مهم وفي مستر كاراتيه خيري بشارة.. أنا كتبت فقط.
> سألته: تبدو شخصية الضابط في زوجة رجل مهم واقعية للغاية, كما لو أنها تمت بصلة لشخص تعرفه..هل ما اظنه صحيحا؟
ضحك وأجاب: بالطبع هي خليط من ضابط كان جارا لنا سنوات وشخصية أبي, كان جارنا الضابط, ويركن سيارته تحت بيتنا, في أي مساحة فراغ يجدها سواء تعمل ازمة أو تسد مدخلا لا يهم, وأبي كان ضابطا كبيرا, وحين كان مأمور المركز في جرجا, محافظة سوهاح, كنا نسكن بجوار المركز تماما, وكنت اسمع صوته الجهوري وهو يشخط في المتهمين ويحقق معهم, فدخل في روعي منذ نعومة أظافري أن السلطة دائما صوتها عال ولا تقبل أي تنازلات مهما كانت بسيطة.. ومن هنا رسمت شخصية الضابط هشام الذي لعبه احمد زكي, واستعنت بكتاب جيد صادر من جريدة الأهالي عن مظاهرات يناير1977 والتحقيقات التي جرت فيها.
قلت: احمد زكي ممثل استثنائي له ملامح خاصة وليس هو النجم الحليوة, وممكن يطلب بعض تعديلات في السيناريو.. فماذا فعلت معه؟
نسيت أن اقول لكم إننا كنا جلوسا في حجرة الصالون في بيت الأستاذ رءوف توفيق في مصر الجديدة, بابها مفتوح علي صالة بها ترابيزة سفرة دائرية..
نظر اليها وأجاب: أحمد زكي جلس علي هذه الترابيزة, وتكلمنا كثيرا وتحاورنا في تفصيلات لا أول لها ولا آخر حتي انتهيت من الكتابة, وكان عنده حلما أن يكون ضابطا من صغره, وكان تصوره أن هذا الضابط هشام يجب أن يكون وحيد ولديه ومدلع عليهم, ومعلوماته أن ضابط أمن الدولة لابد أن يمشي يدق علي الأرض بقدميه, دلالة علي القوة والغطرسة, وهو ما أداه فعلا في الفيلم.
> سألته: هل افهم من كلامك أن السيناريو لم يكن مكتوبا كاملا قبل أن تقدمه للمخرج محمد خان؟
اجاب: لا.. كان مجرد فكرة, بوحت بها لـخان, حثني علي كتابتها فورا, لحين البحث عن منتج جريء لا تستهويه أفلام الهيافة الرائجة, ويتحمل مسئولية المغامرة بفلوسه في فيلم عن ضابط مباحث أمن دولة يسئ استخدام السلطة, وممكن يعترض عليه الأمن ولا يخرج إلي النور بعد الانتهاء منه, وفعلا أنتجه حسين القلا, منتج مثقف فاهم دور السينما في المجتمع, ولم يوافق علي بياض, وقال لنا: أنا لست قاعدا علي خزينة ولن أبعزق فلوسي, لازم اقرأ الورق الأول..
تنهد الأستاذ رءوف وقال: نحن نفتقد هذا النوع من المنتجين الآن.
> سألته: هل هذا هو نفس ما حدث في تجربة مستر كاراتيه وقبلهما مشوار عمر؟
أجاب: ليس بالضبط فـمشوار عمر فكرة محمد خان في الأصل, حدثني عنها ثم طلب من كتابتها وتكوين شخصياتها, لكن مستر كاراتيه تأليفي كاملا, سائس الجراج اعرفه وعامل محل الفيديو اعرفه وهو جنبنا هنا, والمحل نفسه تحول إلي فرن أفرنجي.
> قلت: مشوار عمر يبدو فيه تأثير السينما الأوروبية عليك في الكتابة واضحا جدا.
قال: طبعا.. وخاصة السينما الإيطالية, وهي أعظم سينما في أوروبا إن لم يكن في العالم.. فهي تهتم جدا بالتفاصيل الإنسانية الصغيرة والبسيطة في حياة شخوصها وتنحاز دوما للإنسان في مواجهاته مع الحياة والظروف والقوة القاهرة أيا كانت.. وعموما لا أشاهد سينما العنف والدم وأرفضها مهما كان التبريرات.
> قلت: لكن السينما الفرنسية أيضا رائعة وغارقة في تفاصيل الإنسان.
قال: لكنها أقل جاذبية من الإيطالية, وعيبها الخطير في الثرثرة الزائدة في كل أفلامها.. الأفلام دائما مليئة بالرغي.
> سألت: هل الحب المشترك بينك وبين محمد خان للسينما الأوروبية هو دافع التعاون بينكما, فأفلامك الثلاثة له؟
أجاب: نعرف بعضا جيدا وتكلمنا كثيرا واكتشفنا أن سكتنا واحدة.. مهم جدا الفهم المشترك لما يمكن أن تصنعه السينما للمجتمع, الفن لا يكون علي جثة اي أحد, الفن منتج جميل ليس فيه إيذاء نفسي أو عقلي للمتفرجين.
> قلت: لكن فيه مخرجين كبارا صنعوا سينما جيدة لم يشاهدها إلا جمهور قليل, لأنهم اهتموا بالفكرة قبل المتعة, بالعقل قبل التسلية, مثل فيلم الاختيار أو العصفور ليوسف شاهين.. والفيلمان جيدان فعلا.
قال: يوسف شاهين من أول يوم وصف نفسه بأنه ليس مسلياتي, وكل مخرج واختياره, فالمخرج يختار جمهوره سواء الحالي أو المستقبلي, ويصنع تاريخه وفق اختياراته, فالسينما حركة مع الزمن, والفيلم له قيمة مستمرة معه, وتوجد أفلام لم تلق رواجا تجاريا عند عرضها الأول وهي الآن من كلاسيكيات السينما الرائعة( باب الحديد, درب المهابيل مثالا).
> قلت: ثمة مخرجون نالوا صيتا وسمعة مع انهم لم يقدموا سوي عدد قليل جدا مثل الأستاذ توفيق صالح وله خمسة أفلام فقط, قد لا يعرفها الجمهور.. كيف تفسر ذلك من متابعتك للسينما لأكثر من خمسين سنة.
قال: توفيق صالح مخرج كبير, له رؤية خاصة به للسينما وقدرتها علي النهوض سياسيا واجتماعيا بمجتمعها, لكنه نمكي للغاية وعطل نفسه, إذا لم يعجبه دور العرض لسوء في الصوت أو المقاعد لا يعرض فيها, لو الاستديو فيه عيب ما لا يدخله, كان يرفض التعامل مع الواقع كما هو, فهرب منه المنتجون.. وربما لأن توفيق صالح بدأ مشواره في وقت كان الشغل التجاري علي ودنه, فتمسك بشروط عمل لم يقبلها المنتجون.
> قلت: في الوقت نفسه لم ينل مخرج رائع مثل كمال الشيخ من تقدير كتاب السينما ما يستحق.
قال: فعلا هذا حدث, وكمال الشيخ مؤسس سينما الترقب المثير والتوتر, لكنه كانت له أفكار سينمائية جديدة وبعيدة عن ذهن المتفرج مثل المنزل رقم13, وغيره من أفلام الحركة, وقيمة الشيخ أنه صنع ذلك بحس إنساني جميل دون تنازلات لإرضاء الجمهور.
> سألته: وحسن الإمام؟
اجاب باختصار: أحب أفلامه عن ثلاثية نجيب محفوظ( بين القصرين وقصر الشوق والسكرية).
> قلت: أتصور أنه مخرج فاهم الصنعة جيدا ولو راجعنا أفلامه دون آراء مسبقة سنجد كادرات في غاية الجمال تكوينا وحركة..
قال: طبعا هو حرفي من الطراز الأول, ربما يكون الاختلاف في الأفكار التي صنع منها أفلامه.
> سألته: ومن أعجبك من المخرجين الجدد؟
أجاب بسرعة: عمرو سلامة في فيلم لا مؤاخذة, ياه علي الجمال والمتعة, عن طفل أمه تطلعه من مدرسة خاصة بسبب ظروف اقتصادية صعبة ألمت بهم وتدخله مدرسة عامة عشوائية في كل شئ.. الفكرة والتمثيل والإخراج.. كل حاجة جديدة وجميلة.
لكن أحسن فيلم شفته في السنوات الأخيرة هو عسل أسود لمخرجه خالد مرعي وبطولة أحمد حلمي, تفرجت عليه ثلاث أو أربع أو خمس مرات لا أذكر, كلما يعرض في الفضائيات أتابعه كما لو أنني أراه لأول مرة..
الجيل الجديد فيه مخرجون وممثلون وكتاب قادرون علي إنقاذ السينما من عثرتها, عندنا مواهب رائعة, هذه قوة مصر الناعمة التي يجب أن تستثمرها الدولة وتقف إلي جانبها, السينما ليست فرجة فقط, هي أيضا صناعة وتأثير وقوة معنوية ومادية هائلة..
> سألته: أستاذ رءوف.. أنت بدأت عملك محققا صحفيا.. كيف دخلت السينما إلي حياتك بهذه الدرجة..
أجاب: في الأول لم يخطر علي بالي ذلك, ذهبت إلي مجلة صباح الخير وقابلت رئيس تحريرها الأستاذ الكبير أحمد بهاء الدين, انتظرته في الطرقة وكلمته, كنت أحرر وقتها صفحة الجامعات بجريدة القاهرة, اخبار وتحقيقات وحوارات, فقال لي: لست مهتما بما فعلت, المهم ما سوف تفعله, ووافق علي أفكاري فورا, واشتغلت في التحقيقات, كان رائعا ومتفتحا ومستقلا..لكن الاستاذ لويس جريس هو الذي شجعني علي الكتابة للسينما, وسهل لي سفري إلي مهرجان كان كل سنة, وكان يفرد لي صفحات ومساحات في التغطية لم تعرفها الصحافة الفنية من قبل.
> سألته: لم افهم من أين أتي عشقك السينما؟
أجاب: كنت صغيرا ونحن في جرجا, وبالقرب من مركز الشرطة الذي كان ابي مأمورا له توجد دار عرض, كنت أتردد عليها دائما, وأحيانا اخذ من عامل العرض شرائط فيلم, وطبعا لم يكن يرفض طلبي بسبب مكانة ابي, واعرضها بالضوء علي حائط بيتنا, صورا بلا حركة ولا صوت, ومن هنا عشقت السينما.
> قلت: اعرف أن كتاباتك تسبب احيانا غضب البعض منك.
قال: بالطبع حدث كثيرا, لكن الأصعب حين كنت في حفل وقابلت الأستاذ إحسان عبد القدوس, وسألني: كيف تكتب عن فيلم لي بأنه سافل وفي مجلتي؟, فلم أرد, مع أنه قالها بلطف ودون غضب, وفعلا كتبت نقدا لاذعا عن أرجوك أعطني هذا الدواء ووصفته هذا فيلم سافل حتي من عنوانه. للأسف كتبت ذلك في وقت كان فيه هجوم شديد في مجلس الشعب علي أفلام مأخوذة من قصص الأستاذ إحسان.
كان الحوار مع الأستاذ رءوف توفيق قد امتدت ساعتين, أجهدت فيهما ذاكرته, وقبل أن أغادر قال: بالرغم من الحال السيئ للسينما الآن, لكنها تومض كل فترة بنجوم وتطل علينا أفلام تهزنا من الداخل وتملؤنا بالأمل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق