الجمعة 17 من جمادي الاولى 1437 هــ 26 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47198

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

في وصف سلوك المصريين
مطلوب كود أخلاقى موحد فى مجتمع (الأنومى)

دعاء خليفة - عدسة‏:‏ مصطفي عميرة
ألف أرسطو كتابا في كل علم لكنه ألف ثلاثة كتب في علم الأخلاق وقد ضاع ثلثا مؤلفات أرسطو مثلما ضاعت الأخلاق‏,‏ فآخر واحد سمعناه يقول عيب كان عماد حمدي في فيلم قديم‏(‏ من أيام الأبيض والأسود‏)..‏ وصار المهم الآن والملح هو عودة أخلاقنا الضائعة‏,‏ قبل عودة اموالنا الضائعة فلا يهدم الدولة انهيار مؤسساتها ولكن انهيار أخلاقنا‏, لأن الانفلات الأخلاقي أخطر من الانفلات الأمني‏..‏ هكذا وصف الكاتب الراحل جلال عامر خطورة التراجع القيمي والانفلات الأخلاقي في مصر في أحد مقالاته نهاية عام‏2011,‏ عام الثورة‏.‏

تراجع قيمي وانهيار أخلاقي تبدو ملامحه واضحة جلية في الشارع المصري, فوضي وانحراف سلوكي, انحسار لصفات الجدعنة والشهامة وانتشار لمظاهر الفساد والرشوة والتجرأ علي الفتيات والتحرش الفج, مواطنون يضربون عرض الحائط بكل قواعد السير وقوانين المرور, وآخرون يتصرفون بعدوانية مجانية غير مبررة حتي أصبحنا كما يقول الخبير الاجتماعي د.علي ليلة, مجتمعا منعدم القيم والمعايير.
وفي المقال نفسه يرجع الراحل جلال عامر بدايات التدهور الأخلاقي إلي اصدار السادات قانون العيب, لأن المسئولية الأخلاقية أشمل واوسع من المسئولية القانونية, والأولي ثابتة وتخضع لسلطة داخلية الضمير, والثانية متغيرة وتخضع لسلطة خارجية الشرطة.. مضيفا: ومن يومها طغت الطشت قال لي علي قال لي البحر وارتدينا طاقية الإخفاء لإرتكاب الموبقات وانشغلنا عن تربية الأولاد بتربية الذقون, وأرضينا السلطة الخارجية وأهملنا السلطة الداخلية, وركب الأراذل ظهور الأفاضل واعتلي الجهلاء أكتاف العلماء, وأصبح الظاهر أهم من الباطن وأصبحت مكارم الاخلاق بتغيير الثياب وليس بتغيير السلوك..وجاء الانفتاح لنصدر أخلاقنا ونستورد أخلاق الغير.







النظام في مصر لم يستثمر في الشعب منذ أكثر من40 عاما, لا تعليميا ولا دينيا ولا ثقافيا, فماذا ننتظر من شعب لم نحافظ أو نرع منظومة قيمه. كما يري الباحث والكاتب الاسلامي الشاب محمد الدويك, موضحا أن الانسان همجي بطبعه, والقرآن يذكرنا ولقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين, لذا كانت رحلة الحياة هدفها الترقي والارتقاء عن هذا السفل المجبول عليه.
فلا يوجد مجتمع ـ كما يقول ـ يستطيع الحياة بدون كود أخلاقي وقيمي متفق عليه. ويشرح دويك أن أوروبا لم تطبق الديمقراطية إلا بعد أن اقرها الشعب في تعاملاته, اعتنقوا حرية الفكر والعقيدة فكان من السهل بعدها علي الدولة أن تطبق مبادئها.و حين واجهت الدولة رجال الدين المتشددين والكنيسة لم تلغ الدين من المجتمع لكنها أجبرتهم علي نشر مباديء التسامح والتعاون والتراحم فتحول الدين إلي قوة أخلاقية في عقائد الناس.








غابت القيم.. فانطلقت الغرائز


أما في مجتمعنا, فأصبح الدين مظاهر شكلية ووسيلة لتكريس التعصب ومؤخرا استخدم في المتاجرة السياسية.. فغياب الدين كقوة ارتقاء وتهذيب وغياب التعليم والعدالة تجعل الانسان يرتد إلي الكائن الهمجي حتي لو كان يقود سيارة دفع رباعي من أحدث الماركات.
لكن هل زيادة التراجع القيمي والانهيار السلوكي له علاقة بالثورة ؟ يجيب د. علي ليلة, الخبير الإجتماعي قائلا إن أي ثورة من الثورات تعقبها مرحلة من الفوضي واختلال المعايير. وفي أثناء ذلك تسترخي القوانين ويكون البعد الأمني هشا. لكنه يعود ليؤكد أن الصفات السلبية كانت كامنة منذ سنوات في الشخصية المصرية. فمنذ ثورة1952 مر المجتمع المصري بمراحل متباينة ولم تنل ثقافته وقيمه أي دعم أو تقوية حتي وصلنا للألفية الثالثة, لنصبح شعبا بلا قيم, ولا تحكمه أي معايير. وهو ما يطلق عليه نظرية الأنومي, فضعفت الأسرة, ومؤسسات التنمية الاجتماعية وانتهكت المدرسة كل قداسة. ضعفت القيم, فانطلقت الغرائز
ويفسر ظاهرة العدوانية المجانية في المجتمع قائلا: لأننا شعب يعاني من الغلاء ومحاصر من كل القوي الكبري التي تريد إفشاله بالإضافة إلي تنامي أعداد الشباب, لتنافسها زيادة نسب البطالة وتعاطي المخدرات..لذا من الطبيعي أن يتحول الانسان الي مخزون توترات يتحرك علي الأرض, فهو علي استعداد للانفجار في أي لحظة..







أما د. منال عمر, استشاري طب نفسي الأطفال فتري أن حالة الانهيار القيمي نتيجة تعاقب أجيال مختلفة تنازل كل منها عن جزء من منظومة القيم.
قائلة إن الطفل في عمر التسع سنوات يستطيع التمييز بين الحق والباطل وحين يجد أن المدرس قد خفض درجاته في الامتحان لأنه لم يجتهد ويستذكر جيدا, يمكنه أن يعرف فيما بعد أنه كان يريد مصلحته, لكن بعض المدرسين يتصرفون بطريقة مختلفة لأنهم سعداء بأنه سوف يلجأ للمجموعات الدراسية, ثم يتطور الأمر بمرور الزمن ليدفع الطالب دفعا إلي المجموعة ثم الدروس الخصوصية, ليتساءل وقتها هل استحق العقاب فعلا إذا تعمد المدرس تخفيض درجاته؟ وهل المدرس لا يستطيع إفهامي, اذن لماذا يستطيع القيام بذلك خارج الفصل؟






الانحطاط علي الشيوع


ثم يأتي التدهور الاكبر حين يعطي المدرس التلميذ الدرجة مقابل المكسب مرسخا مبدأ أن المكسب ليس مرتبطا بالمجهود ولكن ببذل الثمن. إذن فالسلطة الأبوية المتمثلة في المدرس والأهل تسمح بأخذ مكاسب لا يستحقها, فكل ذلك يحدث تحت رعاية الاهل. تنازل عن بعض الشرف تمهيدا للتنازل عن أي شرف فيما بعد. أما في المدارس الحكومية, ومن اجل الحصول علي نسب نجاح, يكتب المدرس إجابات الإمتحان علي السبورة. ليتحول الأمر إلي غش علني ويصبح المدرس الذي لا يكتب علي السبورة هو المخطيء.
أصبحنا متفقين علي الجهر بالبلاء وصار الانحطاط علي الشيوع.








ومن يحاسب ويراقب إذن والجميع كان ينقل من السبورة!
فأي محاولات لتطهير الذات لا يمتلك القدرة عليها الكثيرون, كما تؤكد آسفة علي ما وصلت إليه الأحوال, فالجميع تقريبا تورط يوما في دفع رشوة لتخليص أوراق أو تدخل بواسطة لتزكية أحدهم, لكننا ليس أمامنا كما تقول سوي إنقاذ الأجيال الجديدة من ممارسات الفساد الذي لا ندرك حجمه فينا. بناء أجيال جديدة سليمة, لم تتلوث بعد, بمنظومة قيم ومعايير منضبطة.


استرتيجية قومية للقيم


في حين يطالب د. علي ليلة باستراتيجية قومية لإعادة منظومة القيم للمجتمع وهو ما لا يقل أهمية عن المشروعات القومية. مشيرا إلي ضرورة أن تقوم الوزارات المختلفة بتأسيس ميثاق شرف لبناء الأخلاق والقيم والمعايير التي يلتزم بها الجميع.
مؤكدا علي ضرورة تحسين ظروف الأسرة و ضبط الإعلام, قائلا:
يمكننا أن ننشر منظومة معايير معينة عن طريق الإعلام, صحيح أنه قد مر زمن الإعلام الموجه, لكن في بعض الفترات التاريخية يجب أن توجه الدولة الإعلام لغرس قيم معينة. لكن ما يحدث الآن من انهيار للقيم علي السنة المذيعين ومقدمي البرامج يجب أن يتم ضبطه و تنظيمه عن طريق قانون الإعلام.






ولا ينسي أهمية تطوير منظومة التعليم وزيادة دخل المدرسين والضرب بيد من حديد علي منظومة الدروس الخصوصية.
وضرورة استخدام كل عناصر الرقابة والمحاسبة الشديدة حتي نضع منظومة القيم الموحدة قائلا: مع كل الاحترام لتضحيات الشرطة لكنه من غير مقبول دخول أمناء علي أطباء مستشفي و الاعتداء عليهم..لا يجب فقط إيقافهم لكن أيضا محاكمتهم عسكريا, كذلك يجب حساب الطبيب الذي أغلق المستشفي ومنع دخول المرضي.
مضيفا: يجب تفعيل كل عناصر ضبط السلوك.. وهذا ما يحدث الآن في دول الخليج...لا أحد يستطيع السير خارج حارته أثناء القيادة.. أما نحن فلدينا من يعبر الرصيف عكس الاتجاه.. لابد من تطبيق القانون بقوة وعدل, فالحياة في مجتمع ليست فوضي...كل يفعل ما يريد دون رقيب أو حسيب.
الحد من عدد الاطفال في الأسرة الواحدة, ضرورة كما يقول الباحث محمد دويك مشيرا إلي زيادة تصل إلي11 مليون طفل منذ الثورة حتي الآن, متسائلا كيف نعلمهم ونربيهم.
أفكر في كل ذلك حين أشاهد يوميا مراهقين لا تتعدي أعمارهم الخمسة عشر عاما عيال سرسجية يتحدثون بطريقة غربية ولديهم درجة عالية من الاجتراء علي الفتيات في الشارع يخترقون خصوصياتهن ويخدشون حياءهن بألفاظ جنسية صريحة, بدون أي حرمات.
حان وقت بناء الإنسان وهو ما يجب أن تعتبره الدولة أهم مشروعاتها في هذه المرحلة وعليها أن تظهر بوضوح انحيازات ثقافية بعينها كما يقول الدويك. مشيرا إلي ضرورة عودة الدور التنويري الديني والمجتمعي للمفكرين المستقلين من رجال القضاء والصحفيين لأن المؤسسة الرسمية أصبحت مكبلة ومعبأة بالهموم الإدارية, ولم تعد تقوم بدور الاجتهاد في الدين لكنها تجتر في الأغلب أحكاما فقهية قديمة لم تعد مناسبة لأيامنا. قائلا: نريد رشيد رضا و محمد عبده..محمد سعيد عشماوي وحتي أحمد كمال ابو المجد وسليم العوا- رغم الاختلاف معهم- لماذا لا نري من تقوم بدور بنت الشاطيء, الدكتورة عائشة عبد الرحمن التنويري؟
فالمهم هو أن تعود أخلاقنا كما يقول الراحل جلال عامر, فالأخلاق قبل الأموال, وقبل السياسة و الدستور, كما ذكر في مقاله, لأن انهيار الأخلاق, هو انهيار للدولة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق