الجمعة 28 من ربيع الأول 1437 هــ 8 يناير 2016 السنة 140 العدد 47149

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الأم المثالية

أنا رجل فى الخمسين من عمري،عشت حياة حافلة بالأحداث والمآسي‏,‏

ولا أذكر يوما نمت فيه بعد عناء طويل إلا وتخيلت لحظة الموت ومفارقة الحياة، وأظل أسبّح باسم الله الرحمن الرحيم وأبتهل اليه فى علاه أن ينجينى فى الدنيا والآخرة، ودعنى أروى لك قصتى منذ البداية فلقد نشأت لأب درس فى كلية الهندسة، وأم اكتفت بالثانوية العامة، ولم تكمل تعليمها كعادة بنات الأرياف فى ذلك الزمان، وتفرغت لرعاية أسرتها, إذ تزوجها أبى قبل أن يكمل تعليمه، لأن أباه كان يريد أن يفرح به كما يقولون, ورزقه الله بي، وبشقيقىّ اللذين يصغرانى بعامين، وأربعة أعوام على الترتيب، لكن القدر لم يمهله كثيرا, إذ صار قعيدا بعد اصابته بمرض غامض فى الأعصاب وحار الأطباء فى علاجه, فساءت حالته النفسية ورحل عن الحياة قبل أن يكمل الثلاثين من عمره, أما والدتى وقتها فكانت فى الخامسة والعشرين، ولك أن تتخيل حال الأسرة المنكوبة، فلقد تسارعت الأحداث ورحل جدى ثم جدتى حزنا وكمدا عليه.. أما نحن فقد كنا اطفالا لا نعى شيئا من حولنا، سوى أن هناك احداثا عصيبة ألمت بنا، فلم ندرك اننا فقدنا أبانا إلى الأبد، حيث قالوا لنا حينذاك إنه سافر، لكن السفر طال, فإذا خرجنا إلى الشارع سمعنا مصمصة الشفاه شفقة لحالنا، وكنا تسمع عبارة «الله يرحم أبوكم» فنشعر بزلزال داخلنا، ولكن ما بيدنا حيلة، وفى كل أزمة كان الأهل والجيران يتجمعون حولنا لبضعة أيام أو قل أسابيع، ثم ينصرفون إلى أحوالهم، فألمح الدموع فى عينى والدتى التى لم تعد لديها حيلة, ولا تعرف كيف تربينا, فوالدى مات قبل أن يلتحق بوظيفة وبالتالى لم يكن له معاش, وكل ما ورثناه عنه بضعة قراريط من الأرض الزراعية لا يكفى إيجارها السنوى قوتنا الضرورى لعدة أسابيع.
والتحقت بالمدرسة الابتدائية بالبلدة, فشجعتنى والدتى على المذاكرة وبأنها تريدنى أن اكون ذا شأن مثل أبى الذى كان الوحيد المتعلم فى قريتنا, فأقبلت على الدراسة بشغف ودبرت أمى مصروف البيت بأقل القليل, واجتمع كبار العائلة وبحثوا أمرنا، ومنهم من رأى أن نتجه إلى العمل فى الأرض الزراعية, ولا داعى للتعليم فهذه هى حياة أقاربنا، ولماذا لا نكون مثلهم؟
وبرغم صغر سنى فى ذلك الوقت مازلت أذكر انتفاضة والدتى عندما سمعت هذا الكلام, إذ قالت انها سوف تبيع هذه الأرض قيراطا وراء الآخر وسوف تربينا لنكون أحسن من كل ابناء الأحياء, وجاء المجلس الحسبى وأقر بيع أربعة قراريط, ووضع ثمنها فى البنك وحدد لنا مبلغا نسحبه كل شهر.
وتنفسنا الصعداء, فها نحن قد أصبح لنا دخل ثابت نعيش منه وتفوقت فى دراستى فكنت الأول على المنطقة التعليمية كل عام، وفرحت بى والدتى فرحة عارمة.
وبمرور السنين اقترب منا أحد شباب القرية المعروف عنه دماثة الخلق, وعرض عليها المساعدة فى إتمام كل الأوراق الخاصة بنا وكان يتابعنا فى مراحل الدراسة، وحرص على زيارتنا فى المدرسة بانتظام، وأصبح من حين إلى آخر يصطحب أسرته لقضاء بعض الوقت معنا للتسرية عنا, ودبت الحياة من جديد فى بيتنا بعد سنوات من المرارة.
ولمست فى هذا الشاب حبا صامتا لنا ولوالدتي, ولم يخيب إحساسي، فلقد ذهب إلى خالى طالبا يد والدتي, وبأنه يتمنى ألا يرفض طلبه وأن يستشيرنا فى أمره فهو لنا بمثابة الأب وسوف يكون سعيدا لو تحقق حلمه، لكن خالى رفض بإصرار قائلا له: إن والدتى رفضت عشرات الشباب الذين تقدموا لها، فرد عليه بأنه لن يتخلى عنا أبدا فنحن جزء منه فلماذا يريد أن يحرمنا من بعضنا؟.. قال له ذلك وانصرف، وشد خالى رحاله إلى والدتي، وقال لها إنه يلمس الجدية فى موقف هذا الشاب وأنه حريص أكثر من غيره على مصلحتنا، وأن الأمر فى يدها، فلها الحق فى أن توافق أو ترفض.
فطلبت إمهالها بعض الوقت، وعرضت علىّ الأمر باعتبارى أكبر أخوتي, فثرت عليها ثورة عارمة, وكنت وقتها فى المرحلة الاعدادية، وبعد أن استوعبت الموقف ابديت لها اعتذاري، وأبلغتها بموافقتى ما دامت هى ترتاح إليه.
واشترطت والدتى عليه أن يوفر لنا منزلا مستقلا بعيدا عن بيت أبينا، فامتثل لكل الشروط، وانتقلنا إلى الحياة الجديدة، وأصبح لنا أخان منه، ولم يمر عامان حتى رحل عن الحياة فى حادث سيارة، مكررا مأساة أبي.
ولكم أن تتخيلوا حالنا.. أرملة وخمسة أولاد, بلا عائل ولا مورد رزق إلا معاشا بسيطا من زوجها الثانى الذى لم يستمر فى عمله إلا أربع سنوات.
لكن هذه السيدة العظيمة تجاوزت بإرادتها الحديدية كل المصاعب والآلام، وكررت على مسامعنا انها تريدنا فى أفضل المواقع, وأن سعادتها الحقيقية ستكون بعد تخرجنا جميعا من كليات مرموقة ويصبح لنا شأن فى المجتمع.
وبرغم بساطة حالنا حرصت على أن نظهر بمستوى يفوق كل من حولنا.. إنها البركة التى أدركت معناها من حياتنا البسيطة بقروش قليلة، ومرت السنوات والتحقت بكلية عريقة دخلتها برغبتى لأن مجموعى فى الثانوية العامة كان يؤهلنى للالتحاق بأى كلية, ودخل أخى بعدى كلية عملية, والتحق الثالث بكلية من كليات القمة، وتخرجنا جميعا فى الجامعة، وعملنا فى وظائف كبيرة, ورقيت فى المؤسسة التى أعمل بها إلى رتبة المدير وتفتحت أمامنا الدنيا وتزوجنا, وصارت لنا بيوت صغيرة.. اما البيت الكبير فهو بيت والدتى الذى يجمعنا يوميا ولا أستطيع أن أصف لك مدى سعادتها ونحن حولها وأولادنا يلاعبونها وقد حجت بيت الله الحرام مرتين وادت العمرة مرتين.
وطوال هذه السنوات لم تشك يوما، وكانت كلما مرضت تذهب إلى الطبيب بمفردها دون أن تشعرنا بشىء, وإذا أحسست بتعبها، وسألتها عما بها تقول.. لا شىء لكنى لاحظت أخيرا أن شيئا ما تعانيه، فألححت عليها بالذهاب إلى الطبيب فوافقت على مضض، وما إن دخلت حجرة الكشف حتى ثار علينا واتهمنا بالتقصير فى حقها لأنها تحتاج إلى جراحة قلب مفتوح، وهى لا تدرى فرجوته ألا يخبرها بذلك وبأن يجرى لها الفحوص اللازمة حتى لو اقتضى الأمر سفرها إلى الخارج، وتتابعت الأحداث وأجريت لها الجراحة، وتعافت منها بفضل الله.
وقد مر بخيالى وأنا جالس إلى جوارها شريط الذكريات بكل المآسى والأهوال التى عانتها، وأدعو الله أن يتم شفاءها على خير, وأن يعوضها خيرا عن متاعبها وآلامها طوال نصف قرن من الزمان. وأرجو أن تشاركونى الدعاء.



ولكاتب هذه الرسالة أقول:

هنيئا لوالدتك صنيعها, فلقد تمكنت بإرادتها الصلبة أن تتغلب على المآسى التى واجهتها وهى فى ريعان الشباب بعد رحيل أبيكم المفاجئ, ولم تهتز أمام العواصف العاتية، وإصرار أهلكم على أن تتفرغوا لفلاحة الأرض, والخروج من التعليم شأن معظم أفراد العائلة.
وقد فعلت ذلك وهى لا تعرف كيف ستسير الأمور, ولا كيف ستدير حياتكم بقروش قليلة, وجاءت الحلول تباعا بمشيئة ربك سبحانه وتعالي, فخطرت لها فكرة المجلس الحسبى الذى أعتقد أنه كان العامل الفاصل فى علاقتكم بأهلكم، إذ انسحبوا من حياتكم, واستطعتم بفضل أمكم العظيمة أن تتفوقوا على كل أقرانكم، وأن تحتلوا المراكز الأولى فى التعليم بالمنطقة التى تعيشون فيها, وكان الحل الثانى بموافقتها بعد سنوات طويلة من رحيل أبيكم، على الزواج من شاب توسمت فيه الإخلاص والصدق, ووضعت عليه الآمال فى أن يخفف الأحمال الملقاة على عاتقها, وكان عند حسن ظنها به, فتولى مسئوليتكم خلال فترة قصيرة أنجب خلالها أخويكم.
ولأن الرياح تأتى دائما بما لا تشتهى السفن فقد رحل هو الآخر فى سن مبكرة لتجتروا الأحزان من جديد, ولتتضاعف المسئولية على أمكم الرائعة، لكنها كانت كالعادة قوية متماسكة, فأوكلت أمرها إلى خالقها, وواصلت المشوار بدأب, فى الوقت الذى تباعد فيه أقاربكم حتى أوصلتكم جميعا إلى بر الأمان، وصارت لكم مواقعكم المرموقة فى الجهات التى تعملون بها.
إنها نموذج للأم المثالية التى آثرت أولادها على أى شيء آخر, وقد كان بإمكانها كما تفعل الكثيرات أن تترككم لأهلكم وتتزوج بمن تشاء وتعيش حياتها بالطول والعرض, لكنها أدت رسالتها على أكمل وجه, وسوف تثاب جزاء ما فعلت موفورا عند ربها عز وجل, وإذا كانت قد ألمت بها بعض الآلام أخيرا فإن مسئوليتكم تجاهها تصبح مضاعفة, فكونوا دائما إلى جوارها, وتذكروا صنيعها معكم, واطلبوا لها الشفاء والرحمة, وأرجو أن تحذوا حذوها فى كل خطواتكم.
وأقول لها: أنت ياسيدتى أم عظيمة تستحقين أن تنالى التكريم اللائق بك، فحسبك أبناؤك الناجحون, وعطاؤك الذى لا ينضب, وليت كل الأمهات يتخذنك مثلا أعلى لهن فى الكفاح والنجاح.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 3
    باسم
    2016/01/08 04:02
    0-
    0+

    قصة كفاح رائعة
    الحمد لله حمد كثيرا سبحان من اعانكم وامكم على تجاوز هذه المحن الكبيرة جدا ...
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    shahbourmaklad
    2016/01/08 00:08
    0-
    2+

    الدعاء
    اللهم أشفيها وعافيها واشفي مرضي المسلمين آمييييييييييييين ياااااااااااااااااااااااااارب
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ^^HR
    2016/01/08 00:04
    0-
    1+

    حقا هى أم مثالية تعرضت لإختبارات عصيبة ونجحت فى اجتيازها بإمتياز
    عيشوا سعادة الحاضر وألقوا معاناة الماضى خلف ظهوركم وترحموا على الراحلين
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق