الثلاثاء 26 من صفر 1437 هــ 8 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47118

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رهـان الثقـة.. مستقبل العلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية

كتب:د.عمرو هاشم ربيع
بعد أن تكشفت تركيبة العضوية فى البرلمان، أصبح من الملائم الآن الحديث عن التحديات التى تواجه هذه المؤسسة التشريعية العريقة المنشأة عام 1866 فى إطار عملها مع سلطات الدولة الأخرى خاصة السلطة التنفيذية ممثلة فى الرئيس والحكومة. والمعروف أن العلاقة بين البرلمان وبين السلطة التنفيذية، علاقة محدد إطارها بعدة أمور.

أولها، دستور 2014 الذى ينقل مستوى العمل من دستور 1971 إلى هذا الدستور مباشرة، لاسيما وأن دستور 2012 لم يعمل به على أرض الواقع لعدم وجود برلمان. ثانيها، شكل البرلمان الحالى بعد الانتخابات التى جرت مؤخرًا. ثالثها، تصور كل من الأعضاء والسلطة للعلاقة بين الطرفين، ولرؤية كل منهما تجاه الآخر.

 ثلاثة أصناف

بداية، يجب القول إن العديد من الأدبيات البرلمانية وهى تتحدث عن مكانة المؤسسة التشريعية فى النظم السياسية، علقت ذلك على شكل البرلمان، فقسمته إلى ثلاثة أصناف، على النحو التالي:

برلمان إيجابي، وهو المؤلف من أغلبية مريحة تتراوح ما بين 60-80%، وهنا يعتبر هذا البرلمان منجزًا وديمقراطيًا ويقوم بدوره التشريعى والرقابى على أكمل وجه، مثله مثل مجلس العموم البريطانى والبوندستاج الألمانى والجمعية الوطنية الفرنسية.

وبرلمان سلبى تتألف فيه الأغلبية من أكثر من 80% وتصل إلى 100%، وهذا البرلمان يعمل فى نظام استبدادى يتسم بحكم الفرد وأغلبية آلية مؤيدة للحكم، وهو أداة لتكريس وليس لتداول السلطة، ومثله كبرلمانات مصر وتونس والعراق تحت حكم مبارك وبورقيبة وصدام حسين مع وجود بعض الفوارق.

أما البرلمان الثالث فهو برلمان مهتز، لا تتضح فيه الأغلبية من الأقلية، له ظهير شعبي، لكنه غير منجز بسبب تشرزم القوى داخله، وهذا البرلمان مثله كالبرلمان الإيطالى الذى عادة ما ينتهى أمره لانتخابات كل عدة أشهر. أخشى ما يخشى أن يكون برلماننا من النوع الثالث. لذلك فإن الأمر يحتاج إلى رؤية ثاقبة وعقول منفتحة للتعامل داخله من قبل أعضائه ومن قبل السلطة، وذلك حتى لا ينتهى به الأمر إلى مآل أقرانه.

ضمان الاستقلالية

وكما سبق القول أن التمسك بالدستور أمر مهم، لاسيما فى إطار رغبة البعض فى تغييره محاباة للسلطة، أو حتى ازدلافها دون تغييره حتى لا يقوم البرلمان بمهامه الموكلة له فى تلك الفترة العصيبة. بعبارة أخرى، أن ضمان استقلالية البرلمان هى المحك الرئيس فى التعامل مع السلطة وضمان احترامها له. هنا من المهم للغاية عدم التنازل عن تلك السلطات سواء بتعديل الدستور، أو بالاستغناء بحكم الأمر الواقع عن تلك السلطات.

فهذا البرلمان له صلاحية تعديل الموازنة، والرقابة على السلطة بأسس مغايرة بالكلية لما كان عليه دستور 1971، خاصة وأن هناك حدودا زمنية قصوى لمناقشة الاستجوابات، وله حق طرح الثقة بالرئيس (بشروط صعبة)، وتقديم مقترحات قوانين لا تمر وفق شروط على لجنة الاقتراحات والشكاوى، ولعشر الأعضاء طلب اجتماع غير عادى للمجلس، وينعقد البرلمان لـ9 أشهر فى الدورة الواحدة. وله سلطات غير مسبوقة فى الثقة بالحكومة بعد طرح برنامجها، وله الكلمة فى قرار إعفاء الرئيس للحكومة، وكذلك تعديل التشكيل الحكومي، وإقرار حالتى الطوارئ والحرب.

مقابل كل ما سبق للسلطة التنفيذية صلاحيات تشريعية جديدة، فالرئيس يعين 5% من أعضاء المجلس (بشروط) ويكلف ما يريد فى تولى منصب رئيس الحكومة كخيار أول قبل أن يلجأ الرئيس لأعضاء البرلمان فى ذلك إذا لم يوافقوا على خياره الأول. وله حق حل البرلمان (بشروط أقل من شروط طرح البرلمان الثقة فيه).

أما من الناحية العملية، فإن البعض من أعضاء البرلمان والسلطة يبدو لهم تصور مغاير عن كل ما سبق. ففى إطار القيود الآنية المفروضة على الدولة والمجتمع من قبل جماعات العنف وتنظيمات الإرهاب، يظن الكثيرون أن تأييد الرئيس بشكل آلى هو أمر مفروغ منه، وأن المعارضة (خاصة فى هذا الوقت) هى فى مرتبة الخيانة، وهو أمر لا يبدو أنه سيسير بالمجتمع والدولة للأمام، بل سيفضى بعد فترة من الوقت لاستنساخ نظام حسنى مبارك من جديد. أما بالنسبة للسلطة فمن المهم أن تدرك أن وجود البرلمان هو أمر يحقق مصالحها، فى وجود رأى آخر، وأطروحات بديلة.

تجنب الصدام

والأهم من الناحية الإجرائية ألا تتعجل النتائج أو مخرجات البرلمان، فهى اعتادت أن تفكر فى أمر ما فى الصباح وتصدر بشأنه قرار بقانون فى المساء، وهذا الأمر يستحيل أن يتكرر بعد تأليف البرلمان، حتى لو كانت نسبة تأييد الأعضاء للسلطة فيه كبيرة. لذلك من المهم بالمقابل ألا يصل البرلمان فى علاقته بالسلطة إلى حافة الهاوية، ليس من قبيل المعارضة الجامحة، وهو أمر مستبعد أن توجد تلك المعارضة، لأن كل من هم بالبرلمان هم أبناء 30 يونيو و3 يوليو 2013، ولكن من قبيل الأعمال البيروقراطية البرلمانية التى ستراها السلطة معطلة للوقت ومعيقة للأداء، مما قد يجعلها تجد تبريرًا لرفع الغطاء البيروقراطى عن الطعون الانتخابية فى حق قوانين الانتخاب، مما سيعجل من الحكم بعدم دستورية البرلمان.

إن مسألة الوقت والإنجاز تبدو هى الأهم فى نفاد صبر السلطة التنفيذية من البرلمان من عدمه، وهو ما يجب أن يدركه نواب البرلمان، لاسيما وأن الاستحقاقات التى جاء بها الدستور تفرض قيودًا كبيرة على سرعة الإنجاز. خذ على سبيل الحصر، البرلمان لن ينعقد إلا بوجود 298 عضوًا ومثلهم للتصويت على أى قرار سلبًا أو إيجابًا، وللموافقة على أى قرار مطروح بالمجلس يستلزم ذلك موافقة 149 عضوًا. وإذا كان المطروح قانونا فيستلزم ذلك موافقة 199 عضوًا. وإذا كان المطروح قانونا مكملا للدستور فيستلزم ذلك موافقة 398 عضوًا، وهو ذات الأمر بالنسبة للموافقة على إرسال قوات للخارج، أو سحب الثقة من الرئيس، أو الموافقة على فرض حالة الطوارئ لثالثة أشهر جديدة.

محطات الاختبار

المؤكد أن الأيام الأولى للبرلمان ستكشف لنا طبيعة العلاقة بين هذا المجلس وبين السلطة مستقبلًا. ولعل أولى هذا الأمر هو اختيار رئيس المجلس. بعبارة أخرى، هل سيختار المجلس رئيسًا له من أعضائه، بل سيستجيب لما قد تفرضه السلطة عليه من رئيس للمجلس ضمن المعينين الـ 28. هنا ستبدأ الإشارة هل سيتغاضى الأعضاء عن سلطاتهم ويخنعون للخارج أم سيثبتون استقلال مؤسستهم.

هناك إدراك يبدو حقيقيا لدى الكثيرين، وهو أن البرلمان ونتيجة القانون المنتخب على أساسه، وتركيبة العضوية فيه الناتجة بدورها عن ضعف المشاركة فى التصويت، أسفر عن عضوية مجرفة من الخبرات النيابية والنوابغ القيادية، لكن وفى ذات الوقت لا يمكن بأى حال أن يختار شخص خلافى عصبى المزاج كرئيس للبرلمان لمجرد أنه كاره للإخوان المسلمين، لاسيما وأن البرلمان ليس به إخوان!! أو اختيار شخص آخر لمجرد أن الشعب أحبه فى منصب سابق، لاسيما وأنه كان على رأس جهاز قضائى كبير، ما يجعله عمليًا قد مر على رئاسة الثلاث سلطات بالدولة بالتوالي!!

الأمر الثانى هو لائحة البرلمان، فكيف ستتعامل السلطة مع لائحة البرلمان، هل تفرض لائحة جديدة تصدرها بقرار بقانون، ومن ثم تقوم بلى ذراع المجلس وتفرض عليه نظام العمل فيه، أم أنها ستنتظر أن يعمل المجلس لائحته الخاصة، ويقوم بإعمال اللائحة الحالية إلى أن يقوم بذلك. الأرجح أنها قد تلعب دورًا أو تسعى للعب دور فى هذا الشأن. وهنا تبدو السوابق ماثلة للعيان، فقد استبقت السلطة انعقاد البرلمان، وقامت منذ عدة أيام بعزل الأمين العام للبرلمان، وهو الشخصية التى التف حولها الجميع بغرض تجديد شباب البرلمان، ولم يعدم وزير العدالة الانتقالية الحجج فى هذا الصدد، بأن الرجل ليس من خريج الحقوق، وكأن الأمر اكتشف حديثًا رغم أن الرجل معين فى منصبه منذ شهور.

الأمر الثالث هو الموقف من القرارات بقوانين التى صدرت فى الأشهر السابقة، والتى يختلف على عددها. وهنا يبدو وإنقاذا للموقف أن يتعامل البرلمان مع السلطة بمنطق الموافقة فى المدة المقررة بالدستور، إلى أن يعيد النظر فى بعض تلك القوانين من خلال تقديم اقتراحات بقوانين حولها.

الأمر الرابع هو ما يفرضه الدستور على العلاقة بين السلطة والبرلمان بشأن تمرير الحكومة، بنيل برنامجها الثقة. هنا يبدو أن النية عاقدة على عدم إحداث تغيير حكومي، وقيام الحكومة بطرح برنامجها على المجلس بذات تشكيلها. الأرجح أن الحكومة ستحصل على ثقة البرلمان بأغلبية كبيرة، ليس بسبب نجاحها، أو بسبب عدم وجود ائتلاف أغلبية، قدر ما هو بسبب تأييد الرئيس السيسى لها. لكن هذا الأمر على الأرجح غير سليم. فالسلطة إن كانت تريد نوعا من الوئام بين الحكم والبرلمان مستقبلًا، وتنجح فى تمرير ما تطرحه الحكومة أمام البرلمان بأقل الخسائر، عليها أن تغير ولو ثلث عدد مقاعد الحكومة، بحيث تجعل من الانتخابات البرلمانية ظهيرا داخل الحكومة. هنا من المفيد أن يمثل بالحكومة الأحزاب الأربعة الأولى صاحبة الأكثرية فى البرلمان. فيكون هناك 3 وزراء من المصريين الأحرار وأثنان من مستقبل وطن ومثلهم من الوفد وربما شخص من النور.

برلمان مستنسخ

المؤكد أن تكرار الأوضاع التى كانت قائمة فى نهاية حقبة مبارك بين السلطة والبرلمان سيفضى لفقد ثقة المواطن فى السلطة والبرلمان على السواء. فكلنا يعلم أن السلطة كانت تتغاضى عن مآس كثيرة لنفر من النواب تحت القبة لمجرد تمرير ما تريد، وبالمقابل كانت تفضح كل نائب تحسبه متمردا، بمجرد أن تمسك عليه أى شاردة أو واردة، حتى يكون عبرة لغيره، وحتى يتعلم الدرس مستقبلًا. لذلك على النائب واجب مهم فى سلوكه تحت القبة وخارجها، فهو ظل الشفافية والنزاهة وليس فقط خادمًا للدستور. وكذلك هو عنصر فاعل فى معالجة مشاكل دائرته بقوانين تمس أوضاع الدائرة فى إطار مصرى عام، بدلا من اعتباره نائب محليات يحمل فى جعبته طلبات مشروعة وغير مشروعة، يزدلف الحكومة من أجلها.

وعلى السلطة أيضًا واجب مهم وهو إصلاح ما فعلته عبر قوانين الانتخاب. فتلك القوانين أسفرت عن عضوية متشرذمة، وهى تركيبة متعمد إخراجها من قبل فرق تسد، وهو أمر لن ينجز شيئا. فالإنجاز أن تتعامل مع تكتلات حزبية، ففى قضية تأتى بهذا وتستبعد ذاك، وفى قضية أخرى تستبدل السلطة الذكية المواقف، ما لم تحصل على إجماع، وهكذا.

وئام متبادل

أما الآن وإنقاذًا للموقف، وإصلاحًا لما حدث، على السلطة التنفيذية أن تفتح الطريق أمام تأسيس تكتلات تساعدها فى الوئام مع السلطة التشريعية، هنا يبدو الرهان على المستقلين المشكلين لنحو 55% من أعضاء المجلس كبيرًا، فمن خلالهم يمكن إنجاز الكثير، وعلى العكس فإن إهمالهم، والتعويل على الأحزاب الذى هدفت السلطة من قانون الانتخاب لبعثرتها على بعثرتها، فإذ بها تحصد نحو 45% من المقاعد، هذا التعويل وحده لن يجد ولن يؤدى لنجاح على المدى البعيد، لا سيما ونحن نأمل أن يكمل هذا البرلمان مدته الدستورية، وهى خمس سنوات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق