الجمعة 17 من محرم 1437 هــ 30 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47079

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

جوني ديب قدم واحدا من أفضل أدواره في فيلم افتقد الشخصية الفنية
القداس الأسود‏..حينما تتحالف الشرطة مع المجرمين

بهاء الدين يوسف
أول صدمة يتلقاها المشاهد لفيلم القداس الأسود أو‏BlackMass‏ الذي يلعب بطولته النجم الشهير جوني ديب‏,‏ هو بدء الأحداث بطريقة الفلاش باك‏,‏ أو ما يصطلح علي تسميته بالعربية طريقة الاسترجاع‏,‏ حيث تبدأ أحداثه من نهايتها ثم يجري استعراضها مجزأة علي ألسنة أبطال العمل‏.‏

ورغم أن ذلك النمط من المعالجة الدرامية الذي ابتكره في السينما العالمية دي جي جريفيث في فيلمه شوارع المدينة عام1931, قد يكون ناجحا في بعض الأحوال, لكنه في القداس الأسود غلب الشعور بالوثائقية علي الجانب الدرامي للفيلم الذي يحكي قصة واحد من أشهر زعماء المافيا الايرلندية في أمريكا وهو جيمس وايتي بولجر الذي يجسد دوره جوني ديب.
الفيلم يرصد واحدا من أهم أشكال الفساد المبرر حينما يتحالف جهاز أمني هو مكتب التحقيقات الفيدرالي أف بي آي مع مجرم معروف هو بولجر بدعوي مكافحة الجريمة في المدينة عبر الاستفادة من خدمات المجرم وعلاقاته في عالم الجريمة للإيقاع بمجرمين آخرين مقابل التغاضي عن نشاطه, لكن مقابل الخدمات الزهيدة التي يقدمها يستفيد المجرم من التغطية الأمنية للتوحش والتحول إلي زعيم مافيا حقيقي, ولهذا حملت أفيشاته جملة مصاحبة للعنوان تقول إنه قصة تحالف غير مقدس بين مكتب التحقيقات الفيدرالي وزعيم مافيا ايرلندي.
القصة كما يبدو من ملامحها العامة قماشة درامية بالغة الثراء, حيث تصلح في العديد من الأماكن والأزمنة وتتكرر بشكل خاص في العديد من دول العالم الثالث, حيث يمكن أن يكون المجرم في شكله التقليدي أو في شكل رجل أعمال يتغول علي حقوق دافعي الضرائب مستفيدا من علاقته بجهاز أمني ما.
لكن سيناريو القداس الأسود الذي كتبه مارك مالوك وجيس بتروورث لم يسع للاستفادة بهذه الدلالة الرمزية ليقدم فيلما خالدا, وإنما اكتفيا بتحويل القصة التي كتبها ديك ليهر وجيرارد أونيل وتحمل نفس الاسم من الورق إلي الشاشة.
تحالف غير مقدس
الفيلم يعتمد علي قصة حقيقية جرت أحداثها في سبعينات القرن الماضي بطلها رجل العصابات جيمس وايتي بولجر الذي تحول من العمل في شوارع المنطقة التي يقطنها في جنوب بوسطن التي يشتهر أهلها بوفائهم لبعضهم البعض إلي زعيم أكبر مافيا ايرلندية في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفاء أهل المنطقة لبعضهم سيفسر لاحقا التحالف بين بولجر وجون كونولي( يجسد دوره جويل اجيرتون) المحقق في مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي عاد للعمل في جنوب بوسطن, ويرتبط بعلاقة صداقة منذ أيام الطفولة مع جيمس وشقيقه بيللي عضو الكونجرس.
ويعرض كونولي علي جيمس أن يتعاونا معا للقضاء علي الجريمة في بوسطن, بحيث يمده الأخير بمعلومات عن العصابات المنتشرة في المدينة مقابل أن يغض كونولي الطرف عن نشاطه الإجرامي, وهو ما يحدث بالفعل ليصبح مكتب التحقيقات الفيدرالي في خدمة المجرم بولجر, الذي يستفيد من الفرصة لتوسيع نشاطه وتنصيب نفسه زعيما للجريمة في بوسطن.
اعتراض زملاء ورؤساء كونولي في مكتب التحقيقات الفيدرالي علي هذه العلاقة يخفق في إيقافها خصوصا بعدما نجح الأخير بمساعدة بولجر, في الإيقاع بعصابة انجوليوس وهي واحدة من أخطر عائلات المافيا الايطالية في بوسطن, لكن الخناق يضيق علي المحقق نتيجة الإحراج المستمر الذي يسببه له المجرم, الذي يتورط في توريد أسلحة للجيش الأحمر الايرلندي المعادي للحكومة البريطانية وتعتبره واشنطن منظمة إرهابية.
مع تزايد الضغوط علي مكتب التحقيقات والمدعي العام في بوسطن لإيجاد أدلة تدين بولجر, يلجأوون إلي حيلة لإيقاعه عبر تسريب معلومات لصحيفة بوسطن جلوب أنه واش, ليفقد بولجر هيبته الإجرامية, ويبدأ أعضاء عصابته في الشهادة علي جرائمه بعد سقوطهم تباعا في قبضة الشرطة, التي تلقي القبض أيضا علي المحقق كونولي لكنه يرفض الشهادة ضد صديقه القديم الذي هرب لمدة20 عاما قبل أن يتم القبض عليه عام2011 ويحكم عليه بالسجن مدي الحياة.
سيناريو سطحي
ورغم الإشادة الني نالها فيلم القداس الأسود من النقاد الأمريكيين إلا أن مقارنته بفيلم يتناول حياة المافيا مثل الأب الروحي لفرانسيس كوبولا( أنتج جزئه الأول عام1972), أو فيلم يعتمد نفس طريقة السرد ألاسترجاعي مثل المواطن كين لأورسون ويلز(1941) يظهر تواضع قيمته الفنية.
ففيلم الأب الروحي أو العراب تناول عالم الجريمة والمافيا الايطالية بعمق شديد وعرض أدق التفاصيل والمشاعر الإنسانية عند قادة المافيا ما جعله يصنف كثاني أفضل فيلم في تاريخ السينما الأمريكية بحسب معهد الفيلم الأمريكي, أما المواطن كين فقدم أفضل سيناريو لطريقة السرد الاسترجاعي في وقته دون أن يتسرب الملل لدي المشاهد منذ بداية الفيلم بمشهد البطل أورسون ويلز أيضا وهو يلفظ كلمة براعم قبل أن يموت مرورا بمراحل بحث مراسل صحفي عن سر الكلمة حتي يكتشف في نهاية الفيلم عجزه عن حل اللغز.
لكن القداس الأسود لم يغص دراميا في عالم جيمس بولجر ويفسر اندفاعه في عالم الجريمة رغم انتمائه لعائلة طبيعية, فضلا عن أن شقيقه بيللي سيناتور في الكونجرس الأمريكي, كما لم يقدم لنا السيناريو تفسيرا لانحياز المحقق جون كونولي إلي بولجر طوال الأحداث سوي أن الأخير أنقذه مرة حينما كانا طفلين بعدما كاد بضعة أطفال يفتكون به, وهو جميل مقدر لكنه لا يمكن أن يدفع إنسانا عاقلا للتضحية بوظيفته المرموقة وحياته العائلية المستقرة, ويغامر بتوريط نفسه في مشاكل قانونية يدخل علي أثرها السجن وفاء لهذا الجميل.
كذلك لم يكن المخرج سكوت كوبر ولا السيناريو موفقين في اختيار نقطة بدء السرد الاسترجاعي وهي التحقيق مع أفراد عصابة جيمس بولجر, ما أفقد الأحداث التالية إثارتها وجعل الفيلم أقرب للشكل الوثائقي, خصوصا أنه لم يقدم أي مفاجآت درامية من أي نوع خلال المشاهد الاسترجاعية, ولا استطاع ربطها بأحداث حالية حتي يجبر المشاهد علي التفاعل معها.
الناجح الوحيد
في المقابل نجح جوني ديب في تقديم دور من أفضل أدواره خلال مسيرته السينمائية الطويلة التي بدأت عام1984, حيث نجح في تقمص شخصية جيمس بولجر لدرجة تجعل من الصعب عليك تصور أن المجرم الحقيقي شخص مختلف عنه, وأظن أن أداء ديب هو السبب الرئيسي في إشادة النقاد بالفيلم بعدما نجح في تعويض الضعف النسبي للسيناريو والإخراج, وهو ما يمكن ملاحظته في الكتابات النقدية للفيلم في مختلف الصحف الأمريكية, حيث كتب تود مكارثي في هوليوود ريبورتر واصفا أداء جوني ديب بقوله إنه كان مقنعا ومخيفا معتبرا أن الممثل الذي اشتهر بتقديم الأدوار الغريبة قدم واحدا من أفضل أدواره السينمائية علي الإطلاق, وهو نفس المعني الذي عبر عنه كل من ايريك كون في إندي وايرز وسكوت فونداس في فارايتي والونسو دولاردوا في ذي راب.
لكن شباك التذاكر وهو المؤشر الذي قد يكون أكثر وضوحا علي مدي الترحيب بالفيلم الذي بلغت ميزانيته53 مليون دولار, سجل عوائد وصلت إلي71 مليون دولار تقريبا في أمريكا والعالم منذ بدء عرضه نهاية سبتمبر الماضي وحتي يوم22 أكتوبر الحالي, ليحتل المركز الثاني عشر في قائمة الأعلي إيرادات بين أفلام هوليوود المعروضة حاليا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق