الجمعة 10 من محرم 1437 هــ 23 أكتوبر 2015 السنة 140 العدد 47072

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

منتهى السعادة

أنيس منصور
من بين مئات الكتب والقصص وآلاف المقالات التي كتبها أنيس منصور تبقي قصة منتهي السعادة‏,‏ التي تنتمي إلي واقعية الستينيات ذات معني خاص لأنها تعبر عن فلسفته أن كل شيء في الدنيا كائن حي‏..‏ وإذا نطق روي حقيقة مؤلمة بلورات من الفن والحقيقة والمتعة هديتنا إلي القارئ في ذكري رحيل كاتب مصر الأوسع انشارا لسنوات طويلة قادمة‏.‏

من بين مئات الكتب والقصص وآلاف المقالات التى كتبها أنيس منصور تبقى قصة "منتهى السعادة"، التى تنتمى إلى "واقعية" الستينيات ذات معنى خاص لأنها تعبر عن فلسفته" أن كل شىء في الدنيا كائن حى. وإذا نطق روى حقيقة مؤلمة بلورات من الفن والحقيقة والمتعة هديتنا إلى القارئ فى ذكري رحيل كاتب مصر الأوسع انشارا لسنوات طويلة قادمة.
(نحن الآن في سنة 1980. في بيت على النيل. وأنا أجلس على مكتبي وحولي عدد من الكتب. بعضها على الأرض وبعضها على المقاعد. وفي المكتب يوجد سرير صغير وإلى جواره راديو. وقد مضى على زواجي شهران. أو ثلاثة أو أكثر. وزوجتي فتاة في العشرين. من عمرها. بيضاء وشعرها أسود. وعيناها خضراوان. وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة. ولا أعرف عادة ماذا تفعل. وفجأة تدخل مكتبي وتفسح لها مكاناً بين الكتب. وتجلس على المقعد. ثم تقلب في الكتب بعدم اكتراث.).
هي: كتاب في الحشرات. وهذا كتاب في الموسيقى. وهذه مسرحية عن الزنوج. وأول مسافر إلى القمر. ما هذا كله. ما أخرة القراءة. وشراء الكتب. طبعاً مش معقول تكون قرأت كل هذه الكتب. ومتى تقرأ هذه الكتب. ونظرك لا يسمح لك بالقراءة ليلاً ونهاراً. أنا عندي أسمع الراديو أحسن. وأجلس إلى جوار التليفزيون ألذ. آخر لذاذة.
أنا: (في قرف فقد تعودت على هذا النوع من الكلام). أقفلي الراديو وحياتك. (تنهض وتقفل الراديو).
هي: أديني قفلت لك الراديو.
أنا: لسه في دوشة.
هي: الراديو الموجود في غرفتي. سأقفله حالاً.
(تنهض وتقفل الراديو).
أنا: ما تزال هناك دوشة.
هي: هذا هو التليفزيون الموجود في الصالة.
أنا: أنت تحبين الدوشة. أنت لا تصبرين على الصمت. على الهدوء. لابد أن تكون هناك دوشة وهيصة إلى جوارك. هذه هي الطريقة التي تخرسين بها عقلك. وتبطلين بها كل مشاعرك. الله غريبة. ما يزال هناك راديو مفتوح. أين هذا الراديو؟
هي: أقولك بس ما تزعلش مني.
أنا:
هي: بس ما تزعلش. فيه بنات صحابي في الشقة اللي جنبنا. بس ما تزعلش عرفوا إنك أنت كل يوم العصر تجلس في مكتبك وتطلب مني أن أجلس معك. ثم تحاضرني في موضوعات فلسفية وأدبية. وتاريخية. وتتحدث عن رحلاتك وعن ذكرياتك وأيام شبابك. ويظهر أنهم لاحظوا أني أنا أتضايق من الحكايات دي. مش عارفة مين قال لهم. وعلشان كده بيفتحوا الراديو على الآخر. في الساعة دي. بس ما تزعلش.
أنا: طيب ومين بقى اللي قال لهم. طبعاً أنت.
هي: أقول لك كمان حاجة بس ما تزعلش. قول والله العظيم.
أنا: والله العظيم.
هي: أنت تعرف إن البنات أصحابي طلبوا مني إمبارح أني أربط لك الشبشب بأستك. علشان لما تيجي تلبسه يقوم الشبشب يجري منك ما تزعلش.
أنا: لا مش حازعل.
هي: أقولك لك كمان حاجة بس ما تزعلش.
أنا: ايه تاني. ؟
هي: مش أنا امبارح بالليل قلت لك شوية نكت قبيحة. صحابي همه اللي قالوا لي النكت دي.
أنا: وهمه اللي قالوا لك تحكي لي النكت دي بالليل؟
هي: أيوة.
أنا: أيه السبب؟
هي: لا يمكن أقول لك السبب.
أنا: (أهرش في رأسي واشد الحزام حول كرشي. وأتراجع في مقعدي وأمسك القلم. وأهرش به في رأسي ويتساقط الحبر من القلم. وتنهض هي لتمسح الحبر من فوق جبهتي. ولكني أبعدها عني.
وأستغرق في تأملات غير محددة. وتنهض هي مرة أخرى وتأتي إلي ببعض الورق. وتضعه أمامي. وتضع القلم في يدي كأنه مسدس. وتنظر إليَّ نظرة ساخرة. وتهز كتفيها كأنها تقول: وأيه يعني القلم ده يعمل ايه. ولا حاجة. القلم. القلم. يعني حتموتني بالقلم بتاعك. دي المقشة أحسن من القلم. الفأس أقوى من القلم. البلاط أنظف من الورق الأبيض. اسم الله يا قلم. وتحاول زوجتي أن تخرج من الغرفة فأناديها وأطلب منها أن تجلس إلى جواري. تعالى اقعدي.
هي: أديني قعدت. ايه بقى تاني؟
أنا: اسمعي.
هي: سمعنا.
أنا: شوفي.
هي: شوفنا.
أنا: مش عارف.
هي: اجوزتني ليه. عارفة إنك حتقولي كده. تعرف إن البنات أصحابي بيسألوني كل يوم. ايه اللي خلاك اتجوزت الراجل ده. بقى ما فيش في الدنيا غيره.
أنا: وبتقولي لهم ايه. ؟
هي: بقول إنه راجل طيب. قلبه زي اللبن.
أنا: اللبن. ؟ اللبن الحليب ولا اللبن الرايب. ولا اللبن الشايط. قلبه زي أي لبن.
هي: يا أخي أي حاجة بقى.
أنا: لا أنا عاوز أكمل كلامي. أنا كنت عاوز أقول. مش عارف انتي حتتجوزي مين بعدي. فعلاً أنا مشغول بالراجل اللي أنت حتتجوزيه بعدي. لأني أعتقد أن زواجنا هذا مش نافع. ولا يمكن ينفع. وأنا كنت في حيرة. إذا عشت من غير زواج فليست هناك مشاكل. إلا مشكلة واحدة هي مشكلة وجود واحدة. أي واحدة إلى جواري. مش مهم من هي هذه الواحدة. بتعمل ايه. بتسوي ايه. بتساوي ايه. مش مهم. واحدة تعطيني فرصة دائمة لأن أتجاهلها. فأنا أجلس مع أي فتاة لكي أتمكن من تجاهلها. لكي أتمكن من السرحان في حضورها. يعني أغرقها في سحاب وضباب. وانشغل عنها. يمكن هواية عندي. أو لذة خاصة. ربما كان هذا أحد الأسباب التي تغريني. بالجلوس إلى فتاة. وإذا تزوجت فتاة مثقفة. فهذه المثقفة ستوجع قلبي. ستجعلني أدخل معها في نقاشات. عقلية لذيذة. ليلاً ونهاراً. ولكن لن أجد فيها الأنثى. المرأة. وإذا تزوجت نصف مثقفة ستوجع عقلي لأني مضطر أن أقول لها الحكاية الواحدة عشرين مرة. لكي تفهمها ولن تفهمها. سأشعر دائماً أنني في حاجة إلى ترجمان. وإذا تزوجت جاهلة فستوجع قلبي وعقلي. معاً. فكل تصرفاتي. ليس لها أي معنى خاص. ولا أي دلالة. كل شيء تافه بالنسبة لها. الذهب كالصفيح والحب والجنون بمعنى واحد. والزوج والمجرم بمعنى واحد. ولكن زواج الجاهلة جداً أحسن فليس لها رأي. وليس لها فكر. والحياة معها، حياة مع خادمة مخلصة. وعيب الحياة معها أن الرجل يشعر بأنه يعيش وحده. يتكلم مع نفسه طوال الوقت.
(وهنا تدخل زوجتي فقد خرجت وأنا أتحدث ولم أنتبه لخروجها).
هي: أنت لسه بتكلم نفسك؟
أنا: إنني لم أشعر بخروجك. لم أشعر بوجودك. والحياة معك هي كلام مع النفس. كلامي معك هو كلامي مع نفسي. لأنك أنت نفسي.
هي: تعيش ربنا يخليك.
أنا: لا يا شيخة مش قصدي كده. قصدي إنني عندما أتحدث إليك فإنني أحس إنني أتكلم مع نفسي. أنني أفكر بصوت مرتفع. فلا أحد معي لا أحد يسمعنى. لا أحد فهمني. وعندما أجلس إلى مكتبي فأنا أقرأ. ومعنى ذلك أنني أتكلم مع نفسي أو مع إنسان آخر لا أراه. وعندما أكتب فأنا أحدث نفسي أيضاً.
هي: يعني أنت عاوز تقول إنك قاعد لوحدك وما فيش حد معاك. وإن أنا مش موجودة. ما أنا عارفة إن وجودي هنا مالوش أي ضرورة. وأنا اللي مش عارفة أنت اتجوزتني ليه. ؟
أنا: ما أنا قلت. الكلام ده ومش عارف إن كنت سمعتيه ولم تفهيمه ولا كنت خرجت من الأوضة مش عارف لكن أقدر أقولك تاني.
هي: تقول تاني ايه؟
أنا: ليه أنا اتجوزتك؟
هي: عارفة حتقول إنك أنت كنت في حيرة بين العزوبية وبين الجواز.
أنا: يعني.
هي: ابداً وحياتك بس أنا سمعت الكلام ده عشرين مرة قبل كده.
أنا: مني أنا؟
هي: طبعاً منك. وما يحلاش الكلام في الحكاية دي إلا بالليل.
أنا: غريبة.
هي: أمال أنا باحكي لك نكت بالليل ليه؟ علشان تبطل تقول لي الكلام ده.
أنا: على كل حال أنت مش عارفة السبب اللي خلاني أفكر لك في عريس.
هي: إيه يعني؟
أنا: أنا عاوز أساعدك. عاوزك تتركي البيت ده.
هي: عاوز تطلقني يعني. عاوز تطلع العيب فيَّ. أنا عملت ايه.
أنا: أنت ولا حاجة ولكن أنا شايف إن الحياة لا يجب أن تستمر كفاية كده.
هي: يظهر إن كلام البنات أصحابي مضبوط. قالوا لي. إنك مش نافع. وإنك مش قادر على الحياة الزوجية ولا قادر على القعدة في البيت. وأنت إتعودت على ناس تانية. إحنا مش قد المقام. طيب لما أنت عارف كده ليه بتتجوز؟ أنت واخدني تجربة. واخدني تتفرج علي. تعرف إني باخاف منك بالليل. كام مرة أقوم من النوم ألاقيك فاتح النور. وبتبحلق في عيني وفي مناخيري. مش فاهمة. أنا مش فاهماك. فعلاً أنا مش فاهماك.
أنا: شوفي.
هي: على فكرة انت بتخاف من كلام الناس. يعني انت بتعمل الكلام ده وبتخاف منه.
أنا: والله دي جملة حلوة. باعمل الكلام وأخاف منه. آه ما هو كمان اللي بيعمل القنابل بيخاف منها. واحنا كلنا بنخاف من منظر الدم وهو يسيل. مع إن الدم موجود في عروقنا.
هي: آدي اللي بناخده منك. الجملة دي حلوة. الفكرة دي مش بطالة. قولي تاني الحكاية دي. ما عندكيش حاجة كويسة. قولي لي نكتة. مش عارفة باشتغل ايه عندك. وصيفة. ولا خدامة. ولا دادة وبرضه مش عاجبة. بقى مش فاكر إنني عملت لك أي حاجة. نسيت إن أنا فضلت سهرانة ليالي جنبك وأنت تصرخ من كبدك. ومن مصارينك. نسيت إن حطيت رأسك على دراعي من الساعة ثمانية بالليل لحد الصبح. تعرف إن ذراعي قعدت مش حاسة بيه يومين ورا بعض.
أنا: عارف كل ده. أنا متشكر وأنا أعتقد لو كنت متجوزة واحد تاني كان عبر لك عن امتنانه أحسن مني. وده اللي شاغلني. أنا بافكر لك فعلاً في طريقة للخلاص مني. والزواج من واحد تاني. أنا كنت فاكر أنني استطيع أن ألوي أفكاري وأجعلها صغيرة تدخل في رأسك. الصغير. كنت أتصور أنني استطيع أن أكون شاباً يجري معك. ويشدك إلى رجولته ثم يردك بعد ذلك إلى طفولتك. ولكن يظهر أن هذا مجرد كلام. مجرد خيال. كنت أتصور أن قلمي هذا هو الحقنة السحرية. المملوءة بعصارة الشباب. وأن حبرها الأسود ليس إلا عصير فحم تتوهج بأنفاسك. كل هذا خيال. أوهام. ولكن الليل الذي أقطعه في قراءة الكلام المكتوب بالحبر، والليل الذي أقطعه في كتابة أفكاري بالحبر، كل هذا جعل أفكاري سوداء والسواد في داخل رأسي وفي خارجها أيضاً. لقد توهمت أني رأيتك قبل ذلك. في خيالي. في قصة. في فيلم عندما رأيتك عرفتك. أحببت الدور الذي كنت تقومين به. فذهبت واشتريت تذكرة لأشاهدك. على مسرح الحياة ووجدت نفسي المتفرج الوحيد. فاشتريت السينما. اشتريتك. واليوم. أريد أن أرجع في كلامي. أن أعيدك إلى المسرح. لكي يراك متفرج آخر. ونصيحتي ألا تتزوجي رجلاً يقرأ أو يكتب أبداً. نصيحة أخرى كلما زادت الكتب في بيت إنسان. إزدادت حياته تعاسة. لا كتب ولا أقلام.
هي: القلم معناه الألم.
أنا: أيوة عبارة حلوة دي.
هي: متشكرة. من جاور الحداد ينكوي بناره.
أنا: أنا لا أريدك أن تنكوي بناره. ولذلك أريد أن أفسح لك طريق الخلاص.
هي: ليه مش فاهمة؟
أنا: مش فاهمة. أعمل ايه؟ كلما حاولت أن أقول كل حاجة تقولي لي سمعتيها قبل كده. وإذا حاولت أن أقول لك أي شيء جديد. تخرجي وتقفلي الباب. تقفلي الحنفية. تشوفي القطة فين. تلعبي في الراديو.
هي: والله أنا مش زعلانة ولا متضايقة منك. أنا في منتهى السعادة. ربنا اداني حاجة كويسة. أنا لا أحمل أي هم. أنسى بسرعة. أقول لك نكتة.
أنا: حلوة قوي.
هي: إيه دي.
أنا: عبارة في منتهى السعادة. "منتهى" السعاة يعني نهاية السعادة. نهاية الحياة الزوجية. منتهى الجبل يعني نهاية الجبل. يعني القمة. وبعد القمة يبدأ السفح.
هي: أنا مش فاهمة أبداً مش فاهمة. أبداً. مش فاهمة حاجة أنت عاوز تجنني.
أنا: مش عاوزة تفهمي؟
هي: طبعاً.
أنا: قولي لصحباتك يقفلوا الراديو.
(زوجتي تضع أصبعها في فهما وتصفر. مرة. ومرتين. وثلاثة. ولكن صاحباتها لا يسمعن الصفير لأن الراديو مرتفع جداً. وتتركني وتذهب إلى الشقة المجاورة لتطلب من صاحباتها أن يقفلن الراديو. وتمضي عشر دقائق. عشرون. ثلاثون. وتعود زوجتي وقد تغيرت ملامح وجهها. أشرقت. عيناها لمعت).
أنا: انظري إلى وجهك في المرآة. إنه جميل. هل تعرفين السب. لأنك خرجت من هذا البيت لمدة نصف ساعة.
هي: ثلث ساعة بس.
أنا: آسف ثلث ساعة. فما بالك إذا خرجت كل ساعات حياتك من هذا البيت.
هي: أخوها جاء من السفر. جاء من غزة. مش أخوها حسني لا مجدي. طول عرض بس قص شنبه. شكله مش عاجبني. أديني جيت. قولي لي بقى.
أنا أقول لك تعالي اقعدي هنا شوفي.
هي: هه.
أنا: شوفي أنا حاقول لك.
وهنا انفتح راديو بصوت مرتفع. وراديو آخر ودق جرس التليفون ونهضت زوجتي لم أر وجهها، ونهضت أنا أيضاً. ووقفت وأنا أقول: حاقول لك ايه ولا ايه. ولم أكد أضع قدمي في الشبشب. حتى سحبه الأستك اللي تحت المكتب. أما فردة الشبشب الأخرى فكانت مربوطة في أحد كتبي التي ألفتها وصدر أخيراً. بعنوان. الحياة تبدأ بعد الستين).

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق