الجمعة 13 من ذي القعدة 1436 هــ 28 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 47016

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

سلماوى يفجر مفاجأة خطيرة حول تاريخ وفاة محفوظ :رئاسة الجمهورية أجلت إعلان الوفاة حتى عن أسرته لحين إبلاغ الرئيس

حوار: أنور عبد اللطيف
علاقة نجيب محفوظ أديب مصر الأكبر والروائى العالمى والحاصل على جائزة نوبل فى الأدب عام 1988، مع الكاتب الكبير والمؤلف المسرحى ورئيس اتحاد الكتاب العرب محمد سلماوى علاقة مهمة فى تاريخ مصر، بدأت فى مكتب عميد الكتابة المسرحية العربية توفيق الحكيم وانتهت بوفاة أديب مصر الأكبر فى مستشفى الشرطة بالعجوزة،

وكانت آخر كلماته هى: «أنا عايز أروّح بقى»..وبين مصافحة التلميذ للأستاذ وبين رجاء «العائش فى الحقيقة» أن «يروَّح بقى» إلى داره الآخرة والتى لا زال صداهها يتردد فى وجدان محمد سلماوى ، مرت 30 سنة من عمر الثقافة العربية، مشحونة بالمواقف والأحداث التى صال فيها عميد الرواية العربية وجال، ومرت بعدها 9 سنوات علي رحيله شعرنا خلالها بفقده والحاجة اليه أكثر من أى وقت مضى، ورغم وجود العديد من القامات الثقافية الكبيرة الذين أحترمهم وأقدر عطاءهم .الا أن الفراغ الذى تركه محفوظ ظل سؤالا بلا إجابة تروى عطش الأجيال الجديدة للأدب الجاد والصرح الشامخ الذى شغله محفوظ كما كان العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم .. الإجابة حاولت العثور عليها من «وزير خارجيته» محمد سلماوى كما أطلق عليه نجيب محفوظ نفسه، والذى .تطورت العلاقة بينهما من صداقة إلى ثقة، رشحت سلماوى لأن يختاره أديب نوبل العالمى ليكون ممثله الشخصى فى احتفالات استلام الجائزة بالسويد وإلقاء كلمته فى الأكاديمية السويدية العريقة، وهو تكريم يصفه سلماوى بأنه شرف عظيم أدين به لكاتبنا الأكبر نجيب محفوظ.. وفى مناسبة ذكرى رحيل أديب نوبل الكبير يصدر «الأهرام» لأول مرة «حوارات نجيب محفوظ» التى أجراها معه محمد سلماوى على مدى الـ12 عاما الأخيرة من حياة محفوظ.. فما هى أجواء هذه الجوارات؟

 

يجيب الأستاذ محمد سلماوى:

- كل سنة جديدة تمر على غياب نجيب محفوظ أشعر بفقده أكثر على المستوى المهنى والابداع الأدبى وعلى المستوى الشخصى، روح الدعابة وكبريائه ودماثة الخلق والاحترام للكبير والصغير والاعتزاز بالنفس، كما نفتقد الأدب الجم والخلق الرفيع والوطنية الحقة، فقد كان نجيب محفوظ باختصار تجسيدا حيا لكل مكونات الشخصية المصرية.

بدأ نجيب محفوظ من أعماق التاريخ المصرى القديم وانعكس ذلك على أعماله التى عبرت عن قدرة شاملة على الابحار والالمام الكامل بالتاريخ المصرى الذى بدأ برواياته عن مصر القديمة فى بداية الثلاثينيات فقدم لنا فى المرحلة الفرعونية «كفاح طيبة» و»عبث الأقدار» و»رادوبيس» والتى حملت فى طياتها نبوئة بأن ضمير الوطن يسكنه القائد العسكرى الذى يحافظ على وحدته ويجسد تلاحم الجيش مع الشعب ضد مؤامرات الغزاة الطامعين فى خيراته.

وبعد أن أحكم محفوظ إلمامه بالتاريخ المصرى دخل مرحلة جديدة أسماها البعض بالمرحلة الاجتماعية التى عاش فيها هموم المجتمع المصرى المعاصر وهو يغلى ويتفاعل متطلعا للاستقلال والتحديث،

وغاص خلالها في دروب وحارات وأعماق المجتمع المصرى، وشرح وكشف وفضح فساد السلطة المتمثلة فى الملك والحاشية، والرغبة فى التحرر والاستقلال، وسلط الضوء على كل سلبيات الشخصية المصرية، قبل أن يدخل مرحلة الصيام الطويلة التى استمرت حوالى ست سنوات بدأت فى أوائل الخمسينيات واستمرت حتى عام عام 1959، بعد المجهود الكبير الذى استنزفه فى «الثلاثية» حتى أنه تصور أن معينه الأدبى قد نضب وأنه لن يعود الى الكتابة الروائية، فاتجه الى كتابة السيناريو، وحين التحق بالنقابة سجل نفسه ككاتب سيناريو وليس ككاتب روائى.

> وبعد فترة الانقطاع .. كيف ومتى عاد؟

- عاد بالروايات الفلسفية مثل «اولاد حارتنا» و»السمان والخريف» و»الطريق» وقد فتحت «أولاد حارتنا» النار عليه بسبب سوء الفهم من كل اتجاه وأثارت غضب المؤسسات الدينية والسياسية معا لفترة طويلة الى أن تم الافراج عنها بعد أن تطورت النظرة الى الأدب كساحة للإبداع، فالبعض ادعى أن شخصية الرجل الكبير هى جمال عبد الناصر وأولاده هم مراكز القوى، والآخرون قالوا ان فيها تجسيدا للذات الالهية والرسل !

> لكن رغم حالة الشك .. هل تتفق مع مايزعمه البعض أنه هادن السلطة؟

- ليس صحيحا أن محفوظ هادن السلطة. هذا رأى سطحي ينم عن نظرة ساذجة. قلت لك إن محفوظ كان يجسد الشخصية المصرية بكل خصائصها ومن بينها الإيمان بالدولة واحترامها، لكن هناك فرق بين الدولة والسلطة، فالأولى ثابتة والثانية متغيرة، ولقد احترم محفوظ الدولة لكنه ثار على السلطة، ولك فى رواية «ثرثرة فوق النيل» المثل الحى على ذلك، حيث عرض فيها فساد الحلول الأمنية ومراكز القوى فثارت ثائرة عبد الحكيم عامر و أصدر قرارا بالقبض على نجيب محفوظ وتحركت القوة بالفعل وقد روى لى السيد سامى شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر آنذاك أنه كان الى جوار الرئيس وهو يتحدث الى عبد الحكيم عامر، ويطلب منه غاضبا أن يوقف فورا إجراءات القبض على محفوظ، فقال له عامر: ان القوة قد تحركت بالفعل وانها فى طريقها الى منزله الآن للقبض عليه فقال له عبد الناصر بالحرف الواحد: «زى ما طلعتها ترجعها..احنا عندنا كام نجيب محفوظ؟!».

المهم ان هذه القصة وصلت الى نجيب محفوظ، وأعتقد أن ذلك كان مقصودا بهدف ردعه، فماذا فعل؟ كتب «ميرامار» التى كانت أشد انتقادا لسلبيات السلطة وصور بطلها بشكل واضح بوصفه أحد القيادات الوصولية داخل الاتحاد الاشتراكى. فهل بعد هذا يقال إن محفوظ هادن السلطة؟! ثم بعد ذلك جاءت مرحلة الانفتاح الاقتصادى والفساد الاجتماعى فاخرج محفوظ اهل القمة والحب فوق هضبة الهرم ليجسد إفساد الطبقة الجديدة التى كانت بداية لزواج المال والسلطة وتدهور التعليم وإهمال الصحة وانتشار البطالة والتذمر بين قطاعات كبيرة من الشباب وحالة الاحباط التى تمثلت فى العنف وأفرزت التطرف الدينى والهجرة فى الداخل والخارج. وقد توجها بروايته العظيمة «يوم مقتل الزعيم».

> ماذا عن خلفيات نوبل وكلمته العظيمة التى قرأتها نيابة عنه فى الأكاديمية السويدية بإستوكهولم؟ هل شاركته فى صياغتها أو تحديد محاورها ؟

- على الإطلاق. فهو وحده من كتبها وقد سلمها لى مكتوبة بخط يده على ورق «فولسكاب» أبيض وقمت بترجمتها كما طلب منى لألقيها باللغة الانجليزية، لكنه اشترط ان ألقيها أولا بالعربية، رغم ادراكه ان الحضور لن يفهموها، لكنه كان أول كاتب عربى يفوز بنوبل لذلك أراد (كما أوضح لى) أن يسمع جرس اللغة العربية داخل القاعة الكبرى للأكاديمية السويدية العريقة.

> هل تتذكر الرسائل التى تضمنتها الكلمة؟

ـ كانت بها إشارات عديدة منها الاشارة لأول مرة الى الدولة الفلسطينية المستقلة بعد أن كانت الاشارات اليها تقتصر على الحكم الذاتى أو تقرير المصير

> هل نسقتم مع الخارجية المصرية فى ذلك؟

- كل ماأعرفه أن نجيب محفوظ كتب الكلمة بخط يده وأسلوبه، ولقد كنت واعيا لذلك وكنت اترقب ردة الفعل العالمية وأتحسب لها، فقد كانت هذه المرة الأولى التى يجرى فيها المطالبة رسميا ومن أحد أكبر المحافل الدولية بالدولة الفلسطينية. والطريف أننى عندما وصلت الى ستوكهولم وجدت رسالة فى الفندق من السكرتير الدائم للجنة نوبل، بأن أتصل به لأمر هام يخص كلمة محفوظ التى كانت ستطبع فى اليوم التالى فتخيلت أنه ربما يعترض على الاشارة الى الدولة الفلسطينية تحت ضغط اللوبى اليهودى ، فقررت عدم الاتصال بحجة تأخر الوقت وأخبرت بعض أعضاء الوفد الصحفى المرافق لى وكان يضم مفيد فوزى وحسن شاه ومحمود المراغى ومحمد الشاذلى، وغيرهم أننى لن أقبل بتقييم أى حرف فى كلمة محفوظ وأنه اذا اقتضى الأمر سأنسحب ولن ألقى الكلمة فتفهموا الموقف، وقالوا لى: ونحن سننسحب معك! لكنى فوجئت بمكتب السكرتارية الدائم يتصل بى فى منتصف الليل ليقول إن الأمر هام وقبل أن يكمل كلامه قلت له إن الكلمة إما أن تقرأ كما كتبها محفوظ أو لا تقرأ على الإطلاق فقال الرجل أن الأمر بسيط ذلك أن محفوظ يتوجه بالشكر فى الكلمة للجنة نوبل على اختياره والحقيقة أن الأكاديمية السويدية هى التى تختار الفائز فتمنحه لجنة نوبل الجائزة، فتنفست الصعداء وبعد أن كنت أرفض أى تعديل فى الكلمة قمت بتعديلها بنفسى ووجهت الشكر للجنة نوبل والأكاديمية معا.

ـ وكانت هذه الجائزة فاتحة بعض المواجع على أديبنا الكبير منها محاولة الاغتيال التى قام بها أحد أعضاء الجماعات الاسلامية المتطرفة، وقد قيل إن الغرض كان وقفه عن الكتابة وليس قتله.

ـ هذا غير صحيح. لقد قابلت القاتل نفسه وأكد لى أن توجيهات أمير الجماعة التى ينتمى اليها كانت بالقتل. كان القاتل هو محمد ناجى وهو شاب رياضى فى العشرينيات من عمره، وكان نجيب محفوظ قد أخبرنى أنه لا يكن له اى كراهية لأنه مغرر به ولا ذنب له، فسألت محفوظ: هل يعنى هذا انك تسامحه وتعفو عنه؟ فقال لى: التسامح هو ما أملكه، أما العفو فلا!.. لأن القانون لابد أن يأخذ مجراه، وعندما قابلت محمد ناجى قلت له: هل تعلم أن الاستاذ نجيب سامحك على جريمتك؟ فقال حتى لو تم العفو عنى واتيحت لى الفرصة مرة أخرى لقتله سوف أقتله، وعندما سألته عن السبب قال بسبب راويته الكافرة «أولاد حارتنا»، فقلت له: هل قرأتها؟ قال: لا ، لكن الأمير أفتى بقتله.

> ماذا كان تأثير ذلك الحادث على الأستاذ نجيب؟

- لم يكن له أى تأثير خلاف التأثير الجسماني الذى أعاق يده فقد استمر يكتب وأصدر بعض أجمل إبداعاته وهى «أحلام فترة النقاهة» التى لم تنشر كلها حتى الآن فمنها قصص كان قد قرأها على ولم تنشر حال حياته، كما أن الحادث لم يترك اى ندبة نفسية على شخصيته وطيبة قلبه وروح الدعابة التى تمتع بها طوال عمره.

> كيف تحول مقاله الأسبوعى فى «الأهرام»الى تلك الحوارات الهامة التى سترى النور فى كتاب يصدره مركز الأهرام ؟

- بعد الحادث كان الأستاذ حريصا على متابعة صلته بالقراء، وكان سؤاله الدائم بعد الحادث الذى أوقفه عن الكتابة لفترة: هل انتهت المقالات الاحتياطية التى تركتها قبل الحادث؟ فقلت له لدينا آخر مقال، ولا تزعج نفسك لابد ان تستريح ، فقال كيف أحصل على راتبى من الأهرام دون أن أعمل ؟ قلت: أنا واثق أن «الأهرام» على استعداد أن يدفع لك ضعف مرتبك لمجرد أن تنتسب اليه، لكنه لم يقتنع وكان أن وجه خطابا رسميا للأهرام عندى صورته أبدى فيه رغبته أن يتحول المقال الأسبوعى الى حوار أجريه معه ووافق رئيس التحرير على الفور، وكان أول سؤال لى هو: لماذا اخترتنى وقد شرفتنى من قبل باستلام جائزة نوبل قال: لأننا مختلفان فأنت تنتمى لجيل وانا لجيل آخر، وأنت من أبناء ثورة يوليو وأنا ابن ثورة 1919، وانت كاتب مسرحى فى الأساس وأنا روائى، وهذا ما يعطى حيوية للحوار لأنى أريدك إن تناقشنى، ولا تقول لى آمين على كل ما أقول، هكذا بدأت فكرة «الحوارات» التى نشرت لأول مرة يوم الاثنين 22 ديسمبر 1994 .

> ماذا كان موضوع اول حوار أجريته معه؟

حاورته حول الله وهل مازال للدين مكان وسط التقدم العلمى الذى يشهده عالمنا المعاصر؟ وكان رأى الأستاذ نجيب أنه بسبب هذا التقدم الذى سخر للانسان قوة هائلة صار للدين ضرورة أشد، لأن هذه القوة إما أن يراعى الانسان فى استخدامها المبادئ الانسانية والاخلاقية أو ستخضع لتقدير العقل والمصلحة وحدهما، وقد تنشأ عنهما الكثير من الكوارث مثل الحربين العالميتين اللتين وقعتا بسبب المصلحة والاحتكارات الأوروبية، وكل أعمال العنف والاغتصاب إنما هى بسبب انفصال العقل والمصلحة عن المبادئ، فوراء التضحية دائما إيمان ، وهناك فرق بين أن تكون المبادئ مستوحاه من الإله صاحب الكون وخالق الناس، وأن تكون المبادءئ مستوحاة من فعل بشر ،

الله هو الذى يعطى للقيم معناها ..الله هو الذى يعطى للوجود معنى، ودونه لا معنى للوجود ولا معنى للقيم وبديله هو العبث

> كيف كانت آلية كتابة هذه الحوارات ؟

- ظللت طوال هذه السنوات أقصد منزل الأستاذ نجيب بالعجوزة فى السادسة مساء كل يوم سبت، ومعى جهاز تسجيل صغير لتسجيل المقابلة التى قد تستمر مابين نصف ساعة الى الساعتين، حسب حالته الصحية، يتحدث محفوظ عن موضوعات كثيرة أطرحها عليه أو يقترحها ثم أختار منها فى النهاية ما يناسب رؤيته وأعرضه عليه قبل أن أسلمه للجريدة، وفى بعض الأحيان كان عدد من الصحفيين الأجانب والسفراء يطلبون لقاء محفوظ التى أصبحت زيارته مكملة لزيارة معالم مصر التاريخية، فيزور الضيف الأهرامات وأبو الهول ونجيب محفوظ، فكانوا يحضرون معى جانبا من اللقاء.. وهكذا تجمع لدى ما يقرب من 500 ساعة مسجلة بصوت أديب العربية الأكبر، يتحدث فيها عن الثقافة والسياسة والأدب، كما يتحدث عن حياته الشخصية والأدبية وخبراته وتجاربه ويجيب عن أسئلة ضيوفه، وهذه الحوارات بكل ثرائها هى موضوع الكتاب الذى يصدر عن مركز الأهرام ، وهذه الحوارات تجيب عن أسئلة كل العصور ، حتى يكاد القارئ يشعر أنها أجريت اليوم، لأن كاتبنا الأكبر كان يتطرق الى موضوعات لا تتقادم، قدمها من خلال جلسات حميمة، تأخذ القارئ فى رحلة ممتعة ومجلس علم مع أعظم وأمتع رجالات مصر فى عصرنا الحديث.

> من خلال هذه الحوارات ماذا كان موقف الاستاذ من شعارات الاسلام السياسى والفصل بين الدين والدولة؟

- الاستاذ نجيب كان يؤمن بالطبيعة السمحاء للدين التى لا تتعارض مع ايمانه بحرية التفكير والعقيدة والاختيار، وكان يرى أن الشعب المصرى فى جوهره متدينا، لكن نقص التجربة كان يحعل بعض فئاته عرضة للسقوط فى شرك الدعايات الاخوانية، وهذا هو سر التصويت للاخوان وليس بسبب الزيت والسكر فقط، لذلك كان الاستاذ نجيب يقول ان الشعب المصرى جرب الملكية والجمهورية والاشتراكية والانفتاح، وكان يقول إن الشعب يحتاج أن يختبر حكم الإخوان حتى يحسم هذا الموضوع تاريخيا، وقد حدث ما تنبأ به بعد وفاته بسنوات حين حسم الشعب قضية الإخوان ولفظهم بعد سنة واحده فقط من حكمهم.

> وكم استمرت هذه الجلسات الحوارية؟

- استمرت لمدة 12 عاما من بعد حادث محاولة الاغتيال حتى رحيله ..

> البيانات الرسمية وشهادة وفاته تقول إن الوفاة حدثت يوم 31 اغسطس.. كيف جرت ترتيبات الوفاة لشخصية فى حجم نجيب محفوظ؟

ـ الآن أستطيع أعطيك التفاصيل كاملة للتاريخ لأول مرة. فالذى حدث هو أنه بعد ظهر يوم 30 اغسطس 2006 غادرت الغرفة 216 بمستشفى الشرطة التى كان يرقد بها أديبنا الأكبر بعد ان حضرت أسرته لزيارته، وفى تمام السابعة مساء أصيب الأستاذ بأزمة طارئة نتيجة لمحاولة الأطباء رفع جهاز التنفس الصناعى ومحاولة إعادته الى التنفس الطبيعى مرة أخرى، لكنه تخطى الأزمة بعد أن أعادوا الجهاز من جديد، وفى تمام الثامنة والنصف غادرت أسرته المستشفى بعد الاطمئنان على استقرار حالته. وبعد مغادرتهم بحوالى ساعة تدهورت حالة الأستاذ مرة أخرى وشهدت غرفته حسب ما روى لى أفراد حرسه الشخصى حالة هرج ومرج، وكان الأطباء يتدافعون الى الغرفة بمختلف الأجهزة. وفى العاشرة مساء تلقيت مكالمة من احدهم قال لى وهو يبكى: «البقية فى حياتك!» فكاد التليفون يسقط من يدى وقلت: أنا قادم على الفور. لكن محدثى رجانى ألا أفعل الى أن يخطرونى رسميا بالوفاة وإلا تتعرض للأذى. وانتظرت هذا الاخطار لكنه لم يجيء وحاولت الاتصال بأطبائه لكن أحدا منهم لم يشأ أن يجيب على مكالمتى. والسبب فى ذلك هو قلادة النيل التى حصل عليها محفوظ!!

> وما علاقة القلادة بذلك ؟

- كانت رئاسة الجمهورية تعرف ان الأديب الكبير قد يرحل فى أى وقت، وأنه بسبب حصوله على قلادة النيل فان جنازته تكون عسكرية، والجنازة العسكرية لها ترتيبات خاصة من بينها أن يقودها رئيس الجمهورية، لذلك أبلغت رئاسة الجمهورية مستشفى الشرطة أن يتم إبلاغها بوفاة الكاتب الكبير بمجرد وقوعها، وهو ما حدث بالفعل فى العاشرة مساء يوم 30 اغسطس، لكن الرئاسة طلبت عدم إذاعة الخبر قبل صباح اليوم التالى نظرا لأن الوقت متأخر، وأنه لا يمكن ابلاغ رئيس الجمهورية بذلك قبل الصباح. وبناء على تأجيل إعلان الوفاة صدرت الأوامر للحرس الشخصى للأستاذ المرابط على باب غرفته والذى كان قد حل موعد تبديل ورديته بعدم مغادرة موقعه، والبقاء والتطبيق حتى الصباح حتى لا يتسرب خبر الوفاة خارج المستشفى خلال الساعات الفاصلة ما بين الليل والصباح. وقد أمضيت ليلتى بلا نوم وفى التاسعة صباحا تلقيت مكالمة من الدكتور زكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق قال لى: «البقية فى حياتك. الأستاذ نجيب محفوظ توفى».

فقلت له على الفور: «عارف»، فصمت قليلا وقد فوجئ معرفتى الخبر، ثم قال: «ستكون له جنازة عسكرية والرئيس سيحضرها غداً بمسجد آل رشدان». قلت: « يجب أن نصلى عليه أولا فى الحسين حسب وصيته ثم بعد ذلك تكون الجنازة العسكرية». فسألني فجأة وكأنه يريد أن يتحقق من معلوماتى: «هو أتوفى امتى؟» قلت: «امبارح بالليل». فلم يعلق وانتهت المكالمة.

فى نفس اليوم توجهت الى المستشفى فوجدت الدكتور حسام موافى، فى انتظارى لإعلان الخبر فى مؤتمر صحفى بالمستشفى. وقد كنت أنا الذى أعلنت الخبر فى المؤتمر باسم اتحاد كتاب مصر الذى كان محفوظ رئيسه الفخرى، وحين انتهيت من إلقاء بيانى بدأت أسئلة الزملاء الصحفيين حول موعد وفاته وأسبابها، فقلت: أترككم مع طبيبه المعالج ليجيب عن هذه الأسئلة.

> تنبأت فى روايتك «أجنحة الفراشة» بثورة يناير، فهل توقعك بناء على توقع محفوظ؟

- لقد كان واعيا بكل الأسباب التى أدت اليها، وأذكر فى أحد آخر حواراتى معه أنه عدد كل سلبيات النظام السابق حين سألته عن النصيحة التى يمكن أن يقدمها للشباب. فقال لى: نحن لا نملك ان نقدم النصائح فنحن مدينين لهذا الجيل بالاعتذار، لقد حرمناه من التعليم الجيد ومن الرعاية الصحية ومن الوظيفة ومن المستقبل أيضا.. ثم قال لى: ان هذا الوضع لا يمكن أن يستمر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق