الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الذين غرقوا فى القناة الجديدة!

رنة مميزة على تليفونى المحمول تعلن وصول رسالة تحمل أخبارا جديدة : "أغسطسهم غير أغسطسنا، وحضارتهم غير حضارتنا، وقناة السويس الجديدة أغرقتهم ورفعت راسنا".

قفزت تلك الرسالة القصيرة العفوية العجيبة على شاشة تليفونى المحمول بما تحمله من معانى تتدرج فى عمقها بين الفرحة البسيطة بإفتتاح قناة السويس الجديدة وصولا إلى الإدراك العميق لحقيقة الفوارق بين "حضارتنا" و"ثقافتنا" المصرية من جانب وحضارة وثقافة وفكر الولايات المتحدة من جانب آخر والفارق بين دعاة تعاون وتحالف الحضارات من جانب ودعاة صدام الحضارات وتدمير وتفتيت الأمم من جانب آخر.
فقد تصادف أن كان الإحتفاء المصرى العالمى بإفتتاح قناة السويس الجديدة، يوم 6 اغسطس 2015 وهو ـ بالمصادفة البحتة ـ يوافق ذات اليوم الذى كان العالم يحى فيه ذكرى تنفيذ أول هجوم بسلاح دمار شامل ذرى ضد البشر!
فقد إحتفلت مصر والعالم يوم 6 اغسطس 2015 بإفتتاح قناة السويس الجديدة، التى تعد هدية المصريين إلى العالم لما تحمله للعالم من خير ورخاء متمثل فى تقصير المسافات بين دول العالم وتقليل الأعباء المادية والزمنية للنقل البشرى والتجارى بين قارات العالم شرقها وجنوبها وشرقها وغربها.
ولكن فى اقصى الشرق كانت اليابان ومعها دول العالم المحبة للخير والسلام والبشرية تحى ذكرى الهجوم الذرى الذى شنته الولايات المتحدة الأمريكية فى صباح 6 أغسطس عام 1945 على مدينة هيروشيما اليابانية. فعندما إقتربت الحرب العالمية الثانية من نهايتها وإستسلمت المانيا ومن قبلها سقطت إيطاليا زحفت القوات الأمريكية على الجزر اليابانية أملا فى إجبار اليابان على الإستسلام وإنهاء الحرب. وإتخذ الأمريكان قرارهم باستخدام السلاح الذرى ضد "المدن" اليابانية. وعلى الرغم من قدرة القوات الأمريكية على حسم الحرب بالسلاح التقليدى، وتأكيد دعاة عدم إستخدام أسلحة الدمار الشامل خطورة إستخدام السلاح الذرى، فإن دعاة الدمار الشامل فضلوا إستخدام السلاح الذرى لعدة أسباب: أولها تحقيق اكبر قدر من الخسائر فى صفوف اليابانيين (حتى وإن كانوا من المدنيين العزل) وثانيها كان إختبار السلاح الجديد على أهداف حية!! أما الثالث فكان توجيه رسالة إلى الحلفاء (روسيا وبريطانيا) والعالم تقول بهيمنة قوى عظمى جديدة منفردة على الساحة العالمية وإمتلاكها أقوى سلاح تدميرى فى تاريخ البشرية فى ذلك الوقت.
وأسفر الهجوم الذرى الأول فى تاريخ البشرية عن مصرع 140 ألف مدنى يابانى فى مدينة هيروشيما. ومات ما يقرب من نصف الضحايا فى ذات يوم الهجوم. فمنهم من مات نتيجة للحروق أو الجروح او الصدمات او الحروق الإشعاعية او نتيجة للأمراض وسوء التغذية والتسمم الإشعاعى الذى إنتشر فى خرائب المدينة خلال الأيام التالية على الهجوم!! وخلال الشهور والسنوات التالية تم تسجيل حالات وفاة بسبب السرطان بأنواعه والذى إنتشر بين الناجين نتيجة تعرضهم للإشعاع الناجم عن التفجير الذرى.
وكررت الولايات المتحدة ذات الهجوم ضد ناجازاكى يوم 9 أغسطس 1945 وتسببت القنبلة الثانية فى مصرع 80 ألف مدنى!! ومازال العالم يعانى حتى اليوم من إنتشار اسلحة الدمار الشامل ومن تزايد خطرها فى ظل التهديد باستخدامها.
وباختصار لقد قادت "حضارتهم" فى 6 أغسطس عام 1945 إلى ظهور وحش الدمار الشامل فى أبشع صوره وبداية التهديد الحقيقى للبشرية، بينما قادت "حضارتنا" إلى الزراعة والرى والهندسة والحساب التى تعد من أبرز أسس بناء المجتمعات البشرية واستمراريتها، كما أسهمت"حضارتنا" فى إطعام "الجوعى" من أنحاء العالم. وقدمت للعالم قناة السويس ثم قناة السويس الجديدة فى 6 أغسطس 2015 كهدية ورسالة إلى البشرية لنشر الخير والتعاون والإتصال والتبادل التجارى وتحقيق مبدأ الربح للجميع.
حقا ما أحوجنا فى زماننا إلى نبذ الشر والفرقة والصراع والتدمير وإشعال الصراعات الحضارية والإقتصادية. إن رسالة السلام والخير والتعاون هى عماد "حضارتنا" التى أبحرت فى قناة السويس الجديدة وحلقت عاليا فى سماء العالم يوم 6 اغسطس 2015 اما رسالة الكيد والتقسيم والهيمنة والدمار فقد غرقت فى مياه القناة فى أغسطس 2015 مثلما غرق الإستعمار فى قناة السويس عام 1956.
دارت تلك الأفكار فى ذهنى فنحيت تليفونى المحمول جانبا ونظرت إلى الأفق فى صمت.

لمزيد من مقالات طارق الشيخ

رابط دائم: