الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الإعلام والقضاء

بداية لا يمكن تناول قضية العلاقة بين الإعلام والقضاء بمعزل عن السياق المجتمعي الراهن الذي يزخر بكم هائل من التناقضات الناتجة عن صراع المصالح وتزامن القديم والجديد والوافد والموروث دون تفاعل حقيقي حيث تهيمن أيديولوجية السوق برموزها الاستهلاكية علي مجمل الواقع المجتمعي وفي قلبه الإعلام والقضاء. فالمجتمع المصري يعاني عدة أزمات اقتصادية وتشريعية في ظل التحول إلي اقتصاد السوق منذ أوائل التسعينيات وتخلي الدولة عن الإنتاج وتسليمها الاقتصاد والإدارة للقطاع الخاص علاوة علي التوسع في تحديث البنية الأساسية علي حساب المشروعات الخدمية مثل الصحة والتعليم فضلاً عن زيادة الديون وغياب استخدام أدوات الاقتصاد الكلي (المالية والنقدية والتجارية) وهذا يقودنا إلي الحديث عن قضية الديمقراطية وضرورة توافرها بصورة حقيقية وفعالة باعتبارها قاطرة التقدم والإصلاح الحقيقي. فضلاً عن ضرورة اتخاذ إجراءات فعالة لحل مشكلة البطالة وتقنين نظام الخصخصة وتفعيل الأحكام القضائية خاصة في المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية وتضييق الفجوة الكبيرة بين الريف والحضر.

وفي إطار هذا الواقع يبرز أمامنا مدخلان لتناول قضية الإعلام والقضاء، المدخل الوظيفي والمدخل المجتمعي. وسوف نأخذ بالمدخل المجتمعي الذي ينبثق من الأرضية المشتركة التي تضم كافة الأنشطة الإنسانية (السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية في المجتمع المصري) في إطار من التفاعل والتأثير المتبادل والصيرورة الزمنية. وفي ضوء ذلك تبرز أمامنا مجموعة من الحقائق نوجزها علي النحو التالي:

الحقيقة الأولي: الارتباط العضوي بين كل من المدرستين القانونية والإعلامية فهما توءمان يكمل كل منهما الآخر في الأهداف والغايات ويختلفان في الوظائف والآليات فالمدرسة القانونية تشرع وتضع القوانين وتصدر الأحكام والمدرسة الإعلامية تسعي لتشكيل الرأي العام في إطار هامش الحرية الذي تسمح به السلطة التنفيذية وتشرع له المدرسة القانونية وكل منهما يسهم بدور أساسي في تشكيل العقل الجمعي حول قضايا الحقوق والحريات. فرجال القانون يقومون بإرساء أسس العدالة والإعلاميون يقومون بتوعية الجمهور من خلال الكشف عن الفساد وسوء الإدارة والظلم الاجتماعي. وهناك مساحة مشتركة بين كل من القضاء والإعلام هذه المساحة المشتركة تكمن فيها إشكالية العلاقة بينهما إذ تتعلق أولاً بحرية الرأي والتعبير والتنظيم القانوني لمهنة الإعلام مقروءاً ومسموعاً ومرئياً. فالإعلاميون يعانون من ترسانة القوانين والتشريعات التي تحمي الصفوة السياسية والاقتصادية والإعلامية خصوصاً وأن التشريعات العقابية وغير العقابية تمتلئ بالعديد من النصوص التي تنظر إلي النشر الصحفي والبث المسموع والمرئي وممارسة حرية التعبير عموماً أنها أنشطة خطرة غاية الخطورة ويجدر إحاطتها بسياجات قوية من المحظورات والقيود علاوة علي أن المشرع العربي يرجح اعتبارات الأمن والمصلحة العامة علي قيم الحرية والتعددية وحقوق الإنسان.

فكيف يمكن للصحفيين وأهل الفكر والرأي أن يباشروا عملهم وأن يعبروا عن آرائهم. مع ضمان حد أدني من أمنهم الشخصي في ظل وجود هذا الكم الهائل من النصوص العقابية التي تطبقها أجهزة القضاء في وقت يختلط فيه مفهوم صالح الوطن بمصالح السلطة الحاكمة ومصالح رجال الأعمال والمستثمرين. كما أن المشرع العربي ينظر بريبة شديدة إلي مبدأ حرية تداول المعلومات وحق الصحفيين والمواطنين عامة في الحصول علي المعلومات ويكاد يكون المبدأ الحاكم في هذا الشأن هو مبدأ الحظر لا الإباحة والتقييد لا الإتاحة وتمتلئ التشريعات العربية بالنصوص التي تحدد المعلومات المحظور تداولها أو نشرها. مثال المادة 77 من قانون نظام العاملين بالدولة في مصر. ويحظر علي العاملين التعامل مع الصحف إلا بإذن كتابي من رؤسائهم. وكذلك قانون نشر الوثائق الرسمية رقم 121 لعام 1975 الذي يحظر الحصول علي المستندات والوثائق التي تتعلق بالسياسة العليا أو الأمن القومي ونشرها إلا بتصريح خاص من مجلس الوزراء.

هذا النهج التشريعي إلي تجذر الاستبداد العربي في البنية السياسية والاجتماعية فضلاً عن التبريرات السياسية التي تتبناها النخب الحاكمة والتبريرات الدينية التي ترفع شعار الحفاظ علي العقيدة والأصالة ضد موجات التغريب وهي كلها لافتات مقدسة يراد بها حماية مصالح النخب الحاكمة. وهذا يقودنا إلي.

الحقيقة الثانية: علي الجانب الآخر يشكو رجال القانون وعلي الأخص القضاة من التجاوزات التي ترتكبها وسائل الإعلام والتي مست صميم وجوهر مهنة القضاء تلك التجاوزات التي لا تستند إلي أي أساس معرفي أو مهني أو التزام أخلاقي فالإعلاميون أصبحوا منشغلين بأمور تعد من صميم عمل القاضي فيما يتجاهلون الجوانب الأخري للقضايا وعلي الأخص الأبعاد الاجتماعية الثقافية ومن هنا جاءت معاناة القضاة من الصخب الإعلامي وتداعياته السلبية علي الأحكام القضائية. إذ لا يمنح للقاضي فرصة التفرغ النفسي والذهني وتحقيق التوازن العادل في صياغة الأحكام قبل إصدارها. فالصحافة والإعلام المرئي لا يلتزمان بالأصول المهنية والأخلاقية في تغطية ومتابعة القضايا المنظورة أمام القضاء إذ سقط من اهتمام الإعلاميين الحد الفاصل بين الأبعاد المهنية التي ترتبط بدور القاضي وبين الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للقضايا ويمكن الاستشهاد ببعض الأمثلة: قضية هشام طلعت مصطفي كان الأجدر أن ينشر الإعلام تحقيقات عن الثراء الفاحش غير المبرر وانعكاس ذلك علي سلوكيات أبناء الطبقة الجديدة والعلاقة بين المال والسلطة والعلاقة بين السلطة والجريمة وقضية العبارة وضحاياها الـ 1300 قتيل لقد اهتمت الصحف بالحكم الذي سيصدر وتجاهلت علاقة ملاك النقل البحري بالسلطة وقدرة الفساد علي تعطيل سلطة القانون ومافيا النقل البحري وضرورة مواجهة ذلك علي المستوي التشريعي الدولي والوطني.

هذه هي القضايا التي كانت الأجدر بالتناول الإعلامي من أجل إعادة ترتيب أوضاع المجتمع وأن يترك للقاضي المهمة الفنية في التعامل مع تلك القضايا بآليات القضاء التي تصل إلي أربع درجات تقاضي علاوة علي الخبرة الفنية وتوفر الأجهزة الأخري المعاونة للقضاء مثل النيابة العامة وخبراء العدل والطب الشرعي، هذه هي آليات القاضي ولا يمكن أن تكون الصحافة أو الإعلام احدي آلياته وهذا التداخل في الأدوار أدي إلي الاشتباك ومن ثم الصراع ولن يفض هذا الاشتباك إلا من خلال التنسيق بحيث يلتزم كل من الإعلام والقضاء بحدوده المهنية المتخصصة وبآلياته وأدواته. الواقع أن هذا التداخل دائماً ما تكون ضحيته العدالة والوعي الجمعي خصوصاً عندما يشكك الإعلام في نزاهة القضاء بدون دليل وأحيانا يمارس الارهاب المعنوي ضد القاضي وأحياناً يؤلب الرأي العام ويحرفه في اتجاه خاطئ لا يخدم العدالة وينطبق ذلك علي القضايا المنظورة أمام القضاء بصورة خاصة.

الحقيقة الثالثة: هناك كثير من التحديات التي تواجه كل من القضاء والإعلام وتؤثر علي أدائهما المهني وتأثيرهما المجتمعي وتتمحور حول الاختراقات العديدة ومحاولات الاحتواء التي تمارس علي الضفتين (الإعلام والقضاء) وتتمثل بالنسبة للإعلام والصحافة في سطوة السلطة التنفيذية والمؤسسة الأمنية ورجال الأعمال والمستثمرين من خلال الإعلانات علاوة علي الاختراق النفطي والاختراق الصهيوني الأمريكي.

أما بالنسبة للقضاء فهناك منظومة ثلاثية من الضغوط تشمل ضغوط السلطة التنفيذية ودوائر التشريع واختراق رجال الأعمال والمستثمرين الذين يسعون بدأب لتشكيل مجموعات خاصة من أصحاب المصالح داخل القضاء المصري من خلال انتداب القضاة في المؤسسات والشركات الكبري. كما يتعرض القضاء المصري للاختراق الأجنبي من خلال برامج المنح الأمريكية والمعونة وبرامج التدريب حيث تم استقطاب الأجيال الجديدة من القضاة الشبان من خلال برامج التدريب في الخارج. ورغم الجوانب الإيجابية لهذه البرامج التي تتمثل في انفتاح القضاة الشبان علي الفكر القضائي المقارن

إلا أنهم يتشربون ويتأثرون بمنهج القضاء الغربي وإذا كان جانبه الإيجابي يتعلق بحقوق الإنسان إلا أن ذلك لا يحول دون انحيازهم للفكر الليبرالي الجديد المنحاز للعولمة الرأسمالية، وهذا يطرح قضية التكوين العلمي والثقافي للقاضي المصري. ولا تبدي الصحافة أدني اهتمام بهذه القضية خصوصاً مشروع أكاديمية القضاء الذي كان يعتبر أحد اهتمامات وزارة العدل في منتصف الثمانينيات وكان يهدف إلي تكوين القضاة الشبان من خلال التدريب والتثقيف الرفيع وضرورة حصولهم علي دبلوم يكون شرطاً للقبول بسلك القضاء. كما يشكو القضاة من تدني المرتبات ولكن يمنعهم الحياء والكبرياء من طرح هذه المشكلة. وهناك قلق متنام في دوائر القضاء بسبب تزايد أعداد المعينين من ضباط الشرطة وخريجي كليات الشريعة.

الحقيقة الرابعة: تتعلق بالدور التاريخي الرائد الذي قامت به الصحافة المصرية في توحيد القضاء المصري بإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملية وإسهام الصحافة في بلورة القضاء المصري في صورته الحديثة أو إلغاء القضاء المختلط. كما أن زعماء الحركة الوطنية كانوا من القضاة ورجال القانون ويتصدرهم مصطفي كامل ولطفي السيد ومحمد فريد وقاسم أمين وسعد زغلول ومكرم عبيد. فالمدرسة القانونية قادت الحركة الوطنية من خلال الصحف حيث كانوا يمثلون جسراً من التواصل الفكري والثقافي بين الفكر القانوني والرأي العام ونجحوا في إرساء مبدأ حق القاضي في التعبير عن قضايا الوطن ولم يخل ذلك بواجباتهم الوظيفية، ونحن في حاجة الآن إلي إحياء هذا التراث الإيجابي في علاقة الصحافة والإعلام بالقضاء.

أما الحقيقة الخامسة والأخيرة: تتعلق باستقلال القضاء الذي تعرض لهزة عنيفة ترجع إلي موقف القيادة السياسية لثورة يوليو من القضاء. فقد كان هناك فجوة بين السلطة السياسية للثورة وبين القضاء حيث بدأ الصراع بينهما عندما بدأت الثورة خلال الحقبة الناصرية في تفعيل سياسات الاصلاح الاجتماعي وكانت منظومة القضاء تضم وجهاء القوم من الشرائح العليا من الطبقة الوسطي وكانوا ينتمون للفكر الليبرالي ومن هنا حدث الصدام مع ثورة يوليو خصوصاً وأن تدخل السلطة السياسية في شئون القضاء أرسي قاعدة خطيرة وأفرز تداعيات سلبية. والواقع أن استقلال القضاء لم يكن قائماً قبل ثورة يوليو إذ كانت سلطة تعيين القضاة في يد وزير العدل بالنسبة لمجلس الدولة والقضاء العادي. كما أن مفهوم الفصل بين السلطات لم يكن مبلوراً أو مطبقاً قبل ثورة يوليو ولأن القضاة كانوا من أبناء الطبقات الموالية للسلطة الحاكمة آنذاك فلم يحدث صراع بينها، فالمضمون الاجتماعي والفكري للقضاء لم يكن متناقضاً مع مصالح الطبقة الحاكمة. وعندما حدث التناقض بينهم وبين قيادة يوليو حدث الصدام في نهاية الستينيات. هذا وقد تغير الانتماء الاجتماعي للقضاة في إطار التحول الاجتماعي الذي أحدثته الثورة. فأصبح معظم القضاة ينتمون للطبقات الشعبية التي حرمت طويلاً من التعليم الجامعي. ولكن وصل أبناء الطبقات الشعبية إلي القضاء في إطار نفس المنظومة الفكرية والقيمية المحافظة وانفصلوا عن طبقاتهم وانعكس ذلك علي مواقفهم تجاه القضايا ذات الطابع الاجتماعي. وأصبحت خريطة القضاة تضم ثلاث شرائح القدامي من القضاة وينتمون إلي المنظومة الليبرالية القديمة ويرون فيها زهو القضاء وشموخه أما الشريحة الوسطي من الأجيال التالية فقد انقسمت علي ذاتها فهي تعاني من انتمائها إلي أصول شعبية وتحاول التعلق بمنظومة القضاء القديم وأصبح معظم أفرادها يطمحون في الاقتراب من السلطة. أما الشريحة الثالثة من القضاة فهي تضم هؤلاء الذين اكتسبوا الثقافة القانونية والوعي الاجتماعي وأصبح لديهم مساحة من التوازن الاجتماعي والالتزام المهني. وهناك الشريحة التي تقلبت بين الفكر الليبرالي وفكر ثورة يوليو واحتفظت بشرفها المهني والإنساني وكانت تطمح في تحقيق المجتمع الديمقراطي وأحلام النخبة السياسية هؤلاء أصيبوا بالاحباط. لقد حدث صدام الستينيات بين التوجهات الاجتماعية للثورة وبين منظومة القضاء التقليدية المحافظة وهم آخر مجموعة اصطدمت بها الثورة عام 1969 فيما عرف بمذبحة القضاء التي كانت تمثل حلقة في سلسلة الصدام بين الثورة والأحزاب والمؤسسات الاجتماعية والثقافية السائدة قبل الثورة وقد لعبت الصحافة دوراً مهما في الصراع بين الثورة والقضاء وكانت أداة رئيسية في يد السلطة السياسية.

 

ما العمل: البدائل المطروحة

لا شك أن التحديات التي يطرحها الواقع الراهن الملئ بالأزمات المتشابكة التي طالت مجمل الواقع المجتمعي بما فيه الإعلام والقضاء يفرض ضرورة تبني استراتيجية مشتركة قادرة علي تجاوز الصراعات والاختراقات والانتهاكات والمخاطر فالقضاة يشكلون شريحة اجتماعية تنتمي إلي النخب المهنية والثقافية في المجتمع ولهم خصوصيتهم شأنهم شأن العسكريين والشرطة وأساتذة الجامعات والعمال والفلاحين والأطباء. أما الإعلاميون فهم ينتمون إلي نفس الشريحة الاجتماعية شريحة المهنيين ولهم خصوصيتهم النابعة من طبيعة المهنة ومسئولياتها الاجتماعية. وإذا كانت مهنة القضاء تقتضي السرية والتكتم في معظم مراحل العملية القضائية فإن مهنة الإعلام تقوم علي العلانية والإشهار والنقد والكشف عن الفساد والظلم الاجتماعي وسوء الإدارة.

وإذا كان هناك اختلاف جوهري في طبيعة وأدوات كل من المهنتين القضاء والإعلام إلا أن هناك نقاط تداخل وتلاق تستحق أن نوليها الاهتمام والعناية، وإذا كان القضاة يلحون في ضرورة ضمان استقلال القاضي عن تأثير الإعلام والرأي العام فإن السؤال المطروح هو ماذا عن استقلال القضاء عن تداخلات السلطة التنفيذية والمؤسسة الأمنية وسلطة رأس المال؟ وهل استقلال القضاء مهدد فقط من جانب وسائل الإعلام وتأثير الرأي العام؟ ان التناقض بين الإعلام والقضاء يكمن أساساً بين حق المعرفة للجمهور المكفول دستورياً وبين طبيعة مهنة القضاء التي تقتضي الالتزام بالسرية في بعض مراحل التقاضي. وليس من حق الإعلام أن يقوم بدور القضاة وينتهك خصوصيتهم المهنية بالتدخل في جوهر مهنة القاضي. ان التصور الاستراتيجي البديل ينطلق من الرؤية المستقبلية التي تسعي إلي تغيير الوضع الراهن للأسس التشريعية والمهنية كل من الإعلام والقضاء وهناك مسئولية مشـتركة تقع علي عاتق لكل من الإعلاميين والقضاة من أجل السعي لتحقيق الاستقلال الفعلي للقضاء.


لمزيد من مقالات د. عواطف عبدالرحمن

رابط دائم: