الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الأمل الذى كَفَّنُوه وأحييناه

يجوب الشوارع صبى لم يبلغ من العمر الخامسة عشرة، يدفع أمامه (تروسيكل) يحمل عدة أسطوانات بوتاجاز، لا يحمل من أمانى الصبى إلا رغيفاً لفه على قرصى (طعمية) وبعض قطع الطرشى يقطم منه كل حين قطمه قبل أن يضعه فى جيب بنطلون جينز كان لونه فى يوم من الأيام (أزرق)؟

يعيش هذا الصبى فى شبه شقة بإحدى عشوائيات القاهرة الكثيرة، لم ير أباه الذى مات قبل أن يعى عقله، واخوته الثلاثة نزلاء السجن أو الأحداث، يقول بعدما قام بتركيب اسطوانة البوتاجاز، (تعليم إيه بس يا باشا، اللى زينا مش بيتعلموا، بيشقوا ويطلع عينهم لحد ما يقابلوا وش رب كريم).

عقود عِدة مرت جثمت على بر مصر وأهلها، نمت خلالها أجيال تغذى وعيها على قيم مَنْ حَكَم واستبد فأفسد، وصبى البوتاجاز وإخوته (26 و23، و18 عاماً)، أبناء تلك العقود التى ولت تاركة لنا ميراثاً من النفوس المشوهة والعقول المغيبة والآمال المسحوقة. خلال هذه العقود تخلت الدولة عن دورها فى الرعاية، حتى حَوَّل صُناع وعى تلك المرحلة، الأغنية التى كانت شعاراً وطنياً صرفاً (ما تقولش إيه إدتنا مصر قول هندى إيه لمصر)، حولوها إلى (قول هناخد إيه من مصر). وبينما الذى استبد يمارس فعل التجريف فى الشخصية المصرية، كان التنظيم الإخوانى يقتات على أطلال هذه الشخصية، يغرى جوعها بماله، ويغوى هشاشة وعيها بشعاراته التى ترى (الموت) أسمى أمانى الحياة، استهدفوا الجيل الذى سقط من حسابات النظام، عبر قسم أنشأه حسن البنا قبل أكثر من 80 سنة. وفى بحث أعدته لجنة التاريخ فى تنظيم الإخوان حمل عنوان «جهود الإمام البنا فى إعداد وتربية الأشبال» تحدث عن «أهداف الخطة» الخاصة بالتعامل مع «الأطفال» التى تبدأ بـ ( العمل على تكوين البيت المسلم لكونه الحاضن الأول والأساسى للطفل) ويقوم التنظيم بدور الأسرة عبر المشرف الذى يشترط البنا أن يكون ( القدوة الصالحة) و لاحظ هنا أنه استهدف بـ كون المشرف قدوة صالحة ليكون بنص كلامه (مرجعا للناشئ الصغير فى أى مشكلة يمر بها فى محيط اللأسرة ، أو فى المسجد، أو فى المدرسة ، أو حتى فى محيط عائلة هذا الناشيء الصغير) .ثم عبر «المناهج» التى يضعها التنظيم يتم حسب رأى البنا (إعداد نشء سليم العقيدة ، صحيح العبادة، ربانى يتعلق قلبه بالله تعالى تعلقا كاملا ، ليسهل على جوارحه بعد ذلك تطبيق دين الله عز وجل ) وعند هذه العبارة الأخيرة يمكن أن نستنتج النتيجة الطبيعية لتلقين الدين «التنظيمي» فى حلقات المسجد حيث تكون هى النواة الأولى ليتحول الطفل إلى إسلام تم تفصيله على مقاس التنظيم. وهو ما يفسره الهدف التالى الذى وضعه »البنا حيث يقول فيه (تربية الناشئ الصغير على أن الإسلام منهج حياة شامل؛ يعلمه كيف يتعامل مع حياته فى كل تفاصيلها ) .

هذه التفاصيل التى يتحدث عنها «البنا» هى نفسها التى يناقش فيها الطفل مشرفه الـ«قدوة» والذى هو مطالب حسب الأهداف بـ ( ضرورة اكتشاف ومن ثم تنمية وتوجيه مواهب الناشئة لخدمة الدعوة) وهذا هو عين المراد والهدف الأساسى من قسم الأشبال استثمار طاقات وقدرات الأطفال لخدمة الدعوة التى هى «التنظيم». وتُدلل «لجنة التاريخ بالجماعة» على هذا بشهادة أحد قيادات التنظيم التاريخية حامد ربيع الذى يقول (إن والده أخذه للقاء الإمام البنا ومصافحته، وكان عمره وقتها 12عاما، فطلب والده من الإمام أن يدعو لولده قائلا «ادع الله لابنى يا مولانا»، فقال حسن البنا: أسأل الله أن يجعله ممن يخدمون الإسلام فى مجالِ السياسة، وشب الصبى وبلغ مبلغ الرجال ليحصل على أكثر من دكتوراه فى السياسة)، وتعلق لجنة التاريخ الإخوانية (واستقبل الناشئ الصغير الدعاء على أنه تكليف من طرف خفي، بأن الإسلام ينتظرك لنصرته سياسيا).

خلال عقود الاستبداد والإفساد، تحولت الطفولة المصرية إلى فريسة لكل متربص بمستقبل هذا الوطن، وفى فترة بداياتى الأولى مع تنظيم الإخوان، عملتُ فى (قسم الأشبال)، كان الدور الذى نقوم به ظاهرياً هو (دعوة الأطفال إلى حلقة علم مسجدية) غير أن علاقة التنظيم الذى يمثله «مشرف الأشبال» لا تقف عند حدود المسجد بل يبدأ «التنظيم» فى توجيه «المشرف» ليسحب «الأطفال» خارج المسجد بداية بزيارتهم فى بيوتهم و مروراً بدعوتهم لدورة فى (كرة القدم) أو (تنس الطاولة) أو حفلة فى أحد مراكز الشباب أو الجمعيات ثم رحلة وربما معسكر . يدخل «التنظيم» عبر «المشرف» إلى تفاصيل حياة «الشبل الطفل» حتى يتحول إلى ولى أمر له يمثل السلطة الأولى والعليا عليه وتبلغ ذروة نجاح «المشرف» عندما يلجأ إليه أحد الأبوين لحل مشاكل الطفل أو للشكوى منه. عندها يُصبح من الممكن أن يتم استخدام «الشبل الطفل» فى محافل عامة تخص التنظيم تبدأ بـ «الوقوف فى تشريفات حفلات الزفاف الإسلامية» مرورواً بـ «تشريفات أيام العلاج المجاني» التى ينظمها «أطباء الإخوان»، أو تقديم فقرات فى «حفلات دينية بالمساجد أو النوادى أو أى محفل عام» و تصل إلى (مسيرات استقبال لشهر رمضان يتم تنظيمها بالأطفال تحمل بالونات وفوانيس وشعارات دينية ثم تحمل فى مراحل متقدمة شعارات الجماعة - مسيرات احتفال بـ عيدى الفطر والأضحى - جولات انتخابية فى انتخابات البرلمان أو المحليات أو حتى النقابات و النوادي).

إبان عقود الاستبداد والإفساد، تم بيع مستقبل أمتنا الأطفال- لتشترى السلطة خلوداً وهمياً على كراسى الحكم، وكان ومازال- المتربصون بالمستقبل يخططون لسرقته.

مرت عقود الاستبداد والإفساد، ووقف الرئيس عبد الفتاح السيسى على يخت المحروسة بكامل حُلته العسكرية فى أول عبور رسمى لقناة السويس الجديدة، ، وقف الرئيس وإلى جواره يقف منفرداً طفل مصرى من ضحايا العصر الذى ولي، إنها الرسالة الأقوى فى افتتاح أول نموذج قومى للقدرة على الفعل (مصر قادمة بالأمل فى جيل جديد، أرادوا أن يكفنوه بالجهل والمرض والفقر، ونريد أن نحييه بالإرادة والعلم والعمل).


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: