الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«اللا طمأنينة» عليك هى المكتوب.. ياولدى!

جرفتنى الفرحة بافتتاح قناة السويس الجديدة، ومع فخر التاريخ، وعزة وانسجام الانتماء، وعودة الروح للجموع الشعبية، والإيمان بالبوصلة والتوجه العقلانى الجديد، تسللت إلى نفسى الأمارة بالسوء «الطمأنينة»، وهى أشد ما أخاف على نفسى منه، غوايتها تغرى بالهدوء والراحة والكسل، فى زمن شرير يسحق المطمئنين، ولا يجد معهم عذرا مقبولا للرحمة!

مع هذه الحالة من الطمأنينة التى عزت عليّ فى السنوات العجاف الماضية، وجدتنى أمسك بالصدفة ــ التى لا تسمى صدفة إلا لجهلنا بأسبابها الحقيقية ــ بكتاب (اللا طمأنينة)، الذى كنت قد تصفحته من قبل، ولم يثمر فى فكرى بالقدر الذى يستحقه، وهو ما توقعه، بالصدفة أيضا، كاتبه البرتغالى (فرناندو بيسوا) (1888 : 1935)، وهو يعد من أكبر شعراء العالم، فيقول: إن كان بإمكان ما تركته فى كتاب المسافرين، أن يسلى آخرين، مقروءا من جديد، أثناء عبورهم، سيكون ذلك أمرا طيبا، أما إذا لم يقدر لهم أن يقرأوه، ولا أن يتسلوا به، فسيكون ذلك أمرا طيبا.. أيضا. كذلك نحن نقرأ لنفهم، فإن فهمنا فذلك أمر طيب، وإن لم نفهم، فربما يأتى الفهم لاحقا، وهو أمر طيب وخير من ألا يأتى على الإطلاق! كل منا جرب الطمأنينة مع أشخاص أو أفكار، وفاق من غفوته مذهولا، من حجم سذاجته وانجرافه فى الطمأنينة، باحثا عن الوعي، الذى كلما حث الخطى للوصول إليه، اكتشف السراب، فلا ينفك يبحث عن الوعى المنشود، ربما تتحقق السعادة بامتلاكه الوعى السليم، وهو الأمر الذى يشغل الفلاسفة والأنبياء على مر العصور، فهو ذلك المجهود، الذى عبر عنه (بيسوا) بقوله: كل مجهود كيفما كانت الغاية التى يتجه إليها، يعانى لدى انجلائه من التحريفات والإكراهات التى تفرضها عليه الحياة، فيتحول إلى مجهود آخر، يخدم أهدافا أخري، وينجر أحيانا بالضبط، عكس ما كان يسعى إليه، وحده الهدف الدنيء يستحق العناء! إذ وحده الهدف الدنيء يمكن تحقيقه بالكامل، لو أردت أن استخدم جهودى فى جمع ثروة، بإمكانى جمعها بطريقة من الطرق، فالهدف هنا زهيد، مثل كل الأهداف الكمية، شخصية كانت أوغير شخصية، بالإمكان بلوغه، والتحقق منه، لكن كيف على أن أنفذ مسعاى فى خدمة الوطن، أو فى ترقية الثقافة الإنسانية، أو تحسين النوع الإنساني، ليس فى استطاعتى امتلاك يقين المسلك، ولا يقينيات الغايات ذلك على النقيض من رموز هوجة يناير كافة!

إنها الطمأنينة سر الكوارث كلها لقد اطمأننا للوطنية المتطرفة، فى عهد الزعيم الخالد (جمال عبد الناصر) وأفقنا على هزيمة مروعة، أضاعت الوطن، وأضاعه هو الانكسار، ورغم تسليمه راية المقاومة، ولكنها راية منكسة لا تورث، وتحتاج الفكر والنهج الجديد، وإعادة نظر وقراءة نقدية لا هجومية، فالهجوم اطمئنان معاكس جديد، فالثقة فى الذات والكبرياء، تمنع النقد البناء، فى كل الأحوال، وتفقده الأخلاقية الإنسانية، فنحن الآن أحوج ما نكون لطموح (ناصر)، فى التنمية والبناء والتصدى للهيمنة الخارجية، ولكن دائما المعضلة فى الرؤية الفلسفية المرهقة التى لا تصف الوقائع والنكسات، بقدر خلق وإبداع واقع جديد، بشكل عملى من الممكنات، وهو ما يحتاج إلى جهد وفكر متواصل لايعرف الطمأنينة!

كذلك اطمئنان الرئيس الشهيد (أنور السادات) بصحة توجهه، وراح ضحيته، بإعادة بعث الليبرالية المصرية، وفتح الباب للتيار السياسى المتأسلم، واطمأنت معه الغالبية لصحة التوجه الإيمانى شكلا، ولم يصبر إلا القليلون لتحليل الظاهرة، وكشف خطورة التحدث باسم الله سبحانه، فى الشأن السياسي، المرتبط بفن الممكن، لا بالمثاليات المطلقة، ولا يتحقق منها واقعيا إلا ما هو نسبي، ولم يفق الناس إلا فى بحور الدم، التى خلقها الأوغاد ممن باعوا آيات الله، بمتاع الدنيا، فيرفلون فى نعيمها، ويرسلون إلى الجحيم الغوغاء من الأتباع المطمئنين، للدجل والنصب السياسى باسم الدين!

دخلت منطقتنا فيما يغم الروح حسب وصف (بيسوا)، فى حروب داخلية تغذيها القوى التى تتأفف من مقاومتنا لهيمنتها، ومن القوى التى تحتقر ثقافتنا وتعتبرها خطرا على الإنسانية! فاستطاعت أن تخرج قوى للشر تتكلم بلغتنا، وتستهلك معتقداتنا، للتدمير الذاتي، والتى توافينا الصحف كل يوم بأنبائه المدمرة، فيقول (بيسوا) فى إحدى قصصه: قراءة الصحف اليومية مجهدة دائما من زاوية النظر الاستاطيقية (الجمالية)، وكذلك من الناحية الأخلاقية، الحروب والثورات تأتي، لدى قراءة أثرها، لتحدث ليس الرعب، بل الضجر، ما يغم الروح بشدة ليس هو فظاعة كل أولئك الموتى أو الجرحى وتضحية الجميع الذين ماتوا محاربين أو غير محاربين، إنها البلادة، التى تضحى بحيوات وممتلكات فيما لا جدوى منه، كل المثاليات وكل المطامح والمطامع هى هذيان، لا وجود لأى إمبراطورية تستحق أن تمزق لأجلها دمية طفلة، لا يوجد مثال يستحق أن نضحى فى سبيله حتى بقطار ألعاب، أو ثمة بلاد أنفع من أخري، ومُثل أسمى من سواها! الكل، كل شيء ينتمى للإنسانية والإنسانية دائما هى نفسها، متغيرة لكن حافلة بالنقائص.... أمام هذا كله ماذا باستطاعة الحكيم أن يفعل، سوى أن يطلب العطالة والراحة، وألا يجبر على أن يفكر فى العيش، إذ يكفى أنه مجبر على أن يعيش، ومع إمكانية الحلم بأن السكينة موجودة بجانب تلك الجبال.. هذا حلم (بيسوا) الذى لم يتحقق أبدا، فظل يفكر لعالم وإنسانية أفضل، لعل أحد يستفيد من وعى هذا المثقف الإنساني، على أن يدرك أن (اللا طمأنينة) عليك هى المكتوب.. يا ولدى!


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: