الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الكنز الذى ضاع من الخديوى ووجده السيسى !

تم بنجاح حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، بإعلان فوز الخديوى اسماعيل وديليسبس فى معركة الاستعراض الأوبرالى والإبهار الفني، وانتصار الرئيس السيسى والذين معه ـ فى معركة الإنسانيات والمضمون والدلالات والرسائل وتماسك الوطن، وكسب المصريون الثقة فى دولتهم، والكفاءة الإدارية للفريق مميش و«السرالعسكرى» كامل الوزير،الذى حمل أمر قيادة شعاره «تضحية فداء نصر» ولم يتنفس إلى حين قال لقائده الأعلي: تمام يافندم. جاء حفل افتتاح قناة السويس الجديدة بسيطا يليق بنوع الرسالة وطبيعة المعركة وقدسية الميدان الذى جرت فيه مراسم الاحتفال بالاسماعيلية، وهو الميدان الذى أقطعه كل جمعة منذ سنوات وتربطنى به مشاعر خاصة، وفى كل مرة أستقل معدية «نمرة ستة» أحرص على التقاط صور سيلفى مع الشاحنات والبواخر والسفن العملاقة التى تعبر القناة وكأننى أراها لأول وآخر مرة، واحتفظ بصور تذكارية مع أسرتى على الأرض التى صارت مجرى القناة الجديدة، ولازلت أشعر باعتزاز لكل ذرة رمل بسيناء لأنى أتخيل أنها ربما ارتوت بدماء أخى أو احتوت خلية من جسده الذى استشهد فى حرب أكتوبر ٧٣خلف خطوط العدو، دون أن يظهر له قبر،استغربت خلال حفل الافتتاح كيف أظهرت كاميرات الاحتفال المسجد الذى أقيم فوق البقعة الطاهرة الذى استشهد فوقها عبد المنعم رياض عام 1969 دون أن يذكر المذيع أى كلمة عن رئيس الأركان المصرى الذى حرص أن يراقب بنفسه تحركات العدو ويتابع خطط عبور القناة خلال حرب الاستنزاف، ولم تظهر الكاميرات على الإطلاق شعار «السنكي» الذى ٍ يرتفع 50 مترا، منذ أقامه الجيش المصرى على شاطئ القناة المواجه للمسجد، فى نفس المكان الذى انطلقت منه صواريخ الغدر على رئيس الأركان بعد أن عبرت قوات الصاعقة بعد ساعات ليقتلوا 60 عسكريا إسرائيليا هم كل من كانوا فى القاعدة التى سكتت الى الأبد، حتى حررها أبطال الجيش الثانى والكتيبة 12 مشاة بقيادة المقدم رجب عثمان والرائد طلبة رضوان وجنود وضباط المفارز الأمامية الذين عبروا ـ من نفس مكان الاحتفال ـ فى 6 أكتوبر 1973وفى الثانية ظهرا، وانطلقوا الى تدمير نقطة القيادة والسيطرة للعدو فى خط بارليف عند تبة الشجرة!

جرت وقائع الافتتاح فى ميدان معركة مصير ارتوت بدماء الشهداء اختاره قائد يعرف طبيعة التحدى وأبعاد القضية وحجم تضحيات الأجيال من قواتنا المسلحة أدوا واجبهم وبقيت آثار بطولاتهم شاهدة عليهم، والمعركة لم تنتهى بعد! .. وإن كان فى طليعتها الآن تنظيم إرهابى لو تمكن من مصر لأحرق المنطقة والعالم .. وبعد كل ذلك يسألون لماذا ظهر الرئيس بالزى العسكري؟

قلت: يا ساتر ثلاث مرات خلال مشاهدتى وقائع الاحتفال التاريخى، وأنا أضع يدى مثل كل المصريين على قلبي، المرة الأولى عندما وصل الرئيس بالبدلة الميري، كان الرئيس يسرع الخطى وكأنه يلبس جلابية بتلقائية خالية من استعراضات الرئيس السادات بعصا المارشالية وتكشيرته الفرعون.

وعندما انطلقت المحروسة دعوت الله أن يحرسه، وأغمضت عينى وفتحتها على تعليقات الزملاء، وهم يقولون: أول ظهور لحفيد الرئيس، فقلت يا ساتر مرة ثانية وعلق آخر: هذا هو رئيس مصر سنة 2050، خطف ظهورالطفل قلبى، فقلت: فال الله ولا فالكم، ونط قلبى من الفزع واستعدت ذاكرة التوريث وتداعياته المرة،الى أن وصل الرئيس ..ونط سلم المحروسة برشاقة وفرح دون أن يعتمد على الأيدى التى امتدت تساعده، ثم اختفى عن العيون وراحت الكاميرات تتجول بين المسجد ومواكب وصول الضيوف بلا كلمة ولا معلومة وكان المذيع فى واد آخر، ثم اتخذ الرئيس ـ صاحب البيت والفرح ـ مكانه مرفوع الرأس بين الضيوف بجوارالرئيس الفرنسى وأمير الكويت، شتان بينه وبين الخديو اسماعيل الذى بدا ضيفا على الامبراطورة أوجينى والمكير ديليسبس، ومرت دقائق بدأ صاحب قرار شق القناة خطابه، وبعد جملتين، قلت: يا ساتر«للمرة الثالثة» حين قرأ الرئيس مقدمة الخطاب المكتوب ثم استأذن بالإرتجال والخروج عن النص، مبعث قلقى هو تأثرى برأى الأستاذ ابراهيم عيسي، الذى نصح مرات بالاعتماد على الخطاب المكتوب والمشكل لأنه يخاطب العالم بوثيقة يحفظها التاريخ، وبعد جملتين وجدت الرئيس يرتجل، بثقة وكأنه يقرأ من كتاب مكتوب، ثم تعجبت: كيف تجاهل الخطاب المكتوب هذه النقاط الثلاث التى قالها الرئيس بتركيز، أولها أن مصر دولة عظيمة لها أيادى بيضاء على الحضارة الانسانية، والنقطة الثانية أنه يخاطب الشعب المصرى كله وليس فقط مثقفيه ومفكريه وعلماءه، والنقطة الثالثة والأهم هى تواضعه وهو يقدم القناة الجديدة للعالم ويصفها بإنها: مش هدية كبيرة أٌوى أمام ما قدمه قدماء المصريين..وفى هذه الجملة عبر عن التواضع المصري الجم الذى يجسده المثل الشعبى «دى حاجة بسيطة .. وخيرك سابق»  يعظم عطاءات أجداده المصريين للإنسانية عبر التاريخ ولا يقلل من عظمة مشروع القناة الثانية، النقطة الرابعة هى الظروف التى تم  فيها هذا الانجاز الذى يثبت قدرة الانسان المصرى على البناء والنماء والتعمير وهو يجابه «أخطر فكر إرهابى لو تمكن لحرق الأرض ومن عليها» وهو ما يعنى أن المصرى السوى يبنى ويعمر ويقاتل ويحافظ على الدولة بالفطرة .

كان الخديو اسماعيل يخاطب أصحاب الفضل الأوروبيين فجاء حفل الافتتاح على مستوى الخطاب بأوبرا عالمية ثم جاءت عايدة بعد ذلك، والتى لم تجد مصر عام 2015 خيرا منها لمخاطبة الضيوف تاريخيا، أما الرئيس السيسى فقد أعلن من البداية أنه يخاطب المصريين ـ فهم أصحاب المال والمصلحة ـ بموسيقى مصرية لعمر خيرت و«عايدة جديدة» ولم يظهر نجوم الغناء فى الحفل ليس لأنهم مشغولون عن المناسبات الوطنية كالعادة بألبومات الصيف، ولكن لأن الجيل الجديد كان كنزا قادراْ على توصيل رسالة الحفل الى المصريين، أولهم الطفل «عمر» الذى اصطحبه الرئيس على الباخرة «محروسة» وهو من بين عامة بسطاء الناس، كأن السيسى يقول: أن مسئولية الرئيس والقائد الأعلى للجيش حماية أمن الوطن إلى جانب حماية ورعاية الجيل الجديد!

لذلك جاء حفل الافتتاح الذى وضع خطوطه الرئيس فى طعم أدب نجيب محفوظ، مليئا بالتفاصيل المحلية والدلالات الانسانية التى كانت الكنز الذى أوصله الى العالمية.


لمزيد من مقالات أنور عبد اللطيف

رابط دائم: