الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كل شــــــىء مــــدروس !

تتبدى البلدة من بعيد، قوامها بنايات عربية الطراز، لايتعدى ارتفاع الواحدة منها أدوارا ثلاثة، شوارعها النظيفة ضيقة، ومبانيها شديدة التلاصق، لاتعطى براحا للخصوصية، يتوسطها مسجد شامخ يكاد المعتلى لمئذنته أن يرى البلدة بكاملها أو يزيد، صوت الأذان يدوي.. ولكن المسجد خال من المصلين، أما الشوارع فلا أثر فيها لإنسان أو حتى حيوان ضال، وأما الحوانيت فأبوابها مفتوحة على مصاريعها تكشف عن خوائها التام من البضاعة والمشترين .

على مقربة من البلدة تقف مجموعات من جنود إسرائيليين متأهبين، تعلو رءوسهم خوذات القتال، يحملون كل الأنواع من أسلحة خفيفة تكشف عن نياتهم المبيتة للاقتحام الوشيك.

أصوات اللاسلكى تتصاعد وتختلط بنسمات فجر عبوس، تؤذن فى الجنود ببدء الاجتياح، وصفير ريح خفيف يبتلع النداءات والشفرات العبرية غير المفهومة إلا فيما بينهم.

يتقدم الجنود فى سير رشيق صوب المدينة البائسة خلسة واحدا تلو الآخر فى مصفوفة محسوبة المسافات والخطوات.

الجنود كل يعرف هدفه بعناية فائقة على اتساع رقعة البلدة التى تبدو للناظرين خاوية؛ يترجلون تارة ويتسلقون الحوائط والأسوار ويعتلون أسطح البنايات تارات وتارات، بحيث لايمكث الواحد منهم فى مرمى الشوارع إلا للحظات، فى مهمة تبدو شاقة، يكتنفها الحذر من كل شىء ولكن عذرا، فليس من المنطقى أبدا أن ينطلق كل هؤلاء متكبدين كل هذا العناء دون هدف؟ ربما يستهدفون شخصا بعينه والناس نيام أو ربما مجموعة أشخاص يعرفونهم ؛ وربما يتخذ هؤلاء تلكم البلدة سبيلا نحو هدف آخر أبعد منها. ولكن الملاحظ أن جميع نوافذ البيوت قد تم تصميمها على هيئة نجمة داوود، فكيف لمدينة عربية الطراز يتوسطها مسجد أن تقبل لمحات طراز يهودى فى واجهات جميع البنايات ثم أنه أين أهل هذه البلدة أساسا والجنود قد تعانقوا مع الحوائط واعتلوا معظم الأسطح؟

عذرا، أسمع لتوى صوت طلقات بدأت تدوى هنا وهناك، يبدو أن الاقتحام قد بدأ بالفعل ، ولكنى لا أجد استجابة واحدة فى المقابل، ربما يكون الخوف قد اعتلى أهل البلدة فجمد الدماء فى عروقهم؟ ولكن أى خوف هذا الذى يفرض عليهم هذا الصمت الجمعى الرهيب؟ ربما ماتوا جميعا مثلا؟ ولكن الصمت يكتنف المكان من قبل أن تنطلق الرصاصات؛ فكيف ماتوا من قبل إطلاق الرصاص؟

حسنا حسنا، أسمع طلقات متقطعة فى المقابل توحى بشىء من مقاومة، والجنود تهرول صوب مصدر الطلقات وتتخذ أوضاعا دفاعية احترازية؛ كل يعرف دوره بشكل واضح .

التعزيزات تقترب صوب إحدى الشرفات التى صدرت منها الطلقات، ثم هاهى مجموعة من جنود تستعد للتسلل داخل البناية فى صمت حذر وقد تراصوا واحدا تلو الآخر عند مدخل البناية، والكاميرا تلاحق خطواتهم مرتعشة يد حاملها.. أسمع عبارات عبرية هامسة متحمسة للدلوف.. الجنود يصعدون السلم الداخلى للبناية برشاقة رغم الاندفاع.. طلقات نارية متبادلة تستمر لبعض الوقت يخرج على أثرها صاحب البناية من مخبئه ممسكا بسلاحه ضاحكا وجميع الجنود أيضا يضحكون؛ يبادلونه التحية والسلام ..والكلام لايزال دائرا بالعبرية بين الطرفين.

..إنه تدريب (دوري) رفيع المستوى شاهدته بأم عينى على الشبكة العنكبوتية لاقتحام مدينة عربية (افتراضية) بواسطة جنود جيش الدفاع تحت إشراف منظم من قبل القيادة الإسرائيلية، يتلبس فيه البعض دور المهاجم، بينما يتلبس البعض الآخر دور المدافع المرابض فى الظلام، وسط أجواء يحرصون على أن تكون شديدة الواقعية إلى الدرجة التى دفعتهم إلى بناء بلدة كاملة بمبانيها، ومدارسها، وحوانيتها التجارية، بل ومسجد يتوسطها يحرصون على أن ينطلق الأذان من مئذنته خمس مرات يوميا؛ ليضفى معايشة كاملة متكاملة على الأحداث بما لايحتمل المفاجآت أو بصيص شك فى مدى واقعية مايدور؛ وهم فى ذلك لم يكتفوا فقط ببناء هياكل أو واجهات بناية هنا أو هناك، وإنما شيدوا محاكيا ماديا متكامل الأركان يجسد كل مايمكن أن يكون، حتى إذا ما انتووا النزال، فلامكان وقتئذ للخطأ أو المصادفات.

عزيزى، إن نجاحات هؤلاء على أرض الواقع لاتأتى اعتباطا أبدا أو قيد عشواء ــ وإنما (كل شيء مدروس)!

وعلى الجانب الآخر ليس ببعيد، وتحديدا فى مدينة الحبانية العراقية، أرى ثلة من متدربين جدد، دفعت بهم الأحداث للانخراط (قسرا) فى صفوف حاملى السلاح، دفاعا عن وطن راحت تتقطع أوصاله مابين صراعات طائفية ضروس، وانهيار كامل لجيش حديث العهد بالجندية أمام عصابات تقيم العدل بميزان السبايا ونحر الأبرياء!

لم تعننى هذه الكروش المترهلة غير القادرة على الانخراط فى خطوة عسكرية منتظمة لثوان معدودات، وهم المتصورون أنهم يرهبون الأعداء .. فأى أعداء ترهبون؟ لم يعننى هذا وإنما لفت انتباهى (ندم الناس) هناك أيما ندم على أيام كان فيها (التجنيد إجباريا إلزاميا) بالعراق. ولكن الأعداء دلفوا (يقبحون كل شىء وطنى) بما فى ذلك تصميم راية الوطن نفسها التى اعتادتها العيون ووقف التلاميذ لها تحية قبل الجنود، فانخرط العراقيون كالبلهاء يتدافعون ونسوا أنهم يخلطون فى هذه اللحظة النكراء بين كراهيتهم لشخص صدام حسين وتدميرهم لأوصال العراق، ثم هاهم اليوم يتندرون بيوم كان لهم فيه درع وسيف لن تعوضهم عنه جحافل من (جيش شعبى متهالك) يعلم كل فرد فيه أنه لايعرف معنى شرف (الجندية الحقة) ولا معنى حمل السلاح.. ولكن يبدو لى أيضا أن (كل شيء مدروس)!


لمزيد من مقالات أشرف عـبد المنعم

رابط دائم: