الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصر وإيران والنظام الإقليمى- صراع المشروعات

من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فهم مدي التأثير الذي سوف يحدثه الاتفاق النووي الإيراني علي مستقبل النظام الشرق أوسطي وموقع مصر من تداعيات هذا الحدث وتفاعلاته دون إدراك كيف خرجت مصر، وكيف خرج العرب معها، من دائرة القوي التي كان يتشكل منها قلب النظام الشرق أوسطي، وكيف انحسر موقع العرب ومعهم نظامهم العربي المتداعي، إلي مجرد أطراف في تفاعلات النظام الشرق أوسطي، وهي التفاعلات التي كانت ومازالت تدور في أغلبها علي الأرض العربية.

إذا عرفنا أن وجود دولة ما ضمن القوي التي يتشكل منها قلب أو محور أي نظام إقليمي يتوقف علي عاملين؛ أولهما، ما تمتلكه هذه الدولة من مصادر القوة المختلفة وقدرتها علي التوظيف المتفوق لهذه القوة في تحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية. وثانيهما، الأدوار والوظائف التي تقوم بها هذه الدولة داخل النظام فإننا سنضع أيدينا علي مفاتيح المفاهيم الغائبة التي تلخص أسباب تداعي مكانة مصر والعرب في تفاعلات النظام الإقليمي الشرق أوسطي وتحوله من إطار ما أسميه مستطيل توتر العلاقات الذي كان قائماً علي أربع قوي متنافسة في قلب النظام هي مصر وإسرائيل ومعها كل من تركيا وإيران إلي إطار ما أسميه أيضاً مثلث صراعات الهيمنة، الذي يفرض نفسه الآن حيث تسعي إسرائيل إلي فرض نفسها قوة مهيمنة علي النظام، وحيث تتصدي إيران لهذا الطموح الإسرائيلي وتسعي إلي فرض نفسها قوة مهيمنة بديلة، وحيث ترضي تركيا أحياناً بدور الموازن بين القوتين المتصارعتين، وترفض هذا الدور في أحيان أخري وتدفع بنفسها كطرف منافس علي زعامة النظام الإقليمي. الأمر لم يتوقف فقط علي اختطاف القوي الإقليمية الثلاث قلب أو محور النظام الإقليمي والسيطرة عليه، بل تعداه إلي اختراق النظام العربي والقيام بمعظم وظائف هذا النظام الذي افتقد دوره منذ أن افتقد توازنه وتماسكه، وأضحي فاقداً القدرة علي مواجهة اختراقات النظام الإقليمي علي النحو الذي يحدث الآن. لقد حدث هذا كله بعد معركة غير متكافئة القوة بين مشروعين تصادما بعنف داخل النظام الإقليمي الشرق أوسطي. مشروع أمريكي- صهيوني تقوده الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بمشاركة كل من تركيا وإيران هدفه حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وفي مقدمتها أمن ووجود الكيان الصهيوني والتصدي لمحاولات الاختراق السوفيتية، في وقت كانت قد احتدمت فيه الحرب الباردة بين المعسكرين المتصارعين الرأسمالي والاشتراكي. ومشروع عربي تقوده مصر حريص علي أن ينأي بالعالم العربي عن تلك الحرب الباردة بتزعم تيار عدم الانحياز، وأن يؤمن تحرير واستقلال كل الدول العربية من الاستعمار، وأن يحقق للأمة العربية وحدتها، وأن يحرر فلسطين من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

هذا يعني أن تفاعلات النظام الشرق أوسطي لم تكن تحدث بمعزل عن تفاعلات النظام العالمي، بل إنها كانت أحياناً تعتبر مجرد صدي ونتيجة لتفاعلات هذا النظام وبالذات الصراع بين واشنطن وموسكو، بما يعني أن النظام الشرق أوسطي كان مخترقاً حتي أذنيه من النظام العالمي، لكن كان هناك أيضاً ما هو أسوأ وهو أن النظام العربي كان أكثر اختراقاً وبالذات من جانب الولايات المتحدة التي استطاعت تجنيد دول عربية مؤثرة في الصراع ضد القاهرة ومشروعها الوحدوي وضد الهوية القومية العربية للنظام العربي، الأمر الذي حوّل تفاعلات النظام العربي في مرحلة من المراحل إلي حرب باردة عربية شبيهة إلي حد ما بالحرب الباردة الكونية (بدأت هذه المرحلة بالتآمر علي أول دولة عربية وحدوية معاصرة بين مصر وسوريا الجمهورية العربية المتحدة وإسقاطها عام 1961 وامتدت حتي عدوان يونيو 1967).

كانت نكسة 1967 هي بداية التداعي للنظام العربي، فقرار العدوان الإسرائيلي علي مصر كان ذروة المواجهة بين واشنطن والقاهرة التي كانت قد شرعت في بناء قوتها بعد صدمة الانفصال وتصدت عام 1964 لمحاولات إسرائيل تحويل مجري نهر الأردن وشكلت قيادة عسكرية عربية بقرار من أول مؤتمر قمة عربي عقد لمواجهة مخاطر الأطماع الإسرائيلية، كما شرعت في بناء صناعة عسكرية متطورة (صناعة الصواريخ) ورفضت التفتيش الأمريكي علي مشروعها النووي الوليد، وصمدت أمام قرار وقف معونات القمح الأمريكية. كان قرار العدوان أمريكياً وبتدبير من الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون وكان التنفيذ إسرائيلياً والهدف هو الإسقاط النهائي للمشروع الوحدوي العربي، وإجبار مصر علي الانخراط في المشروع الأمريكي للشرق الأوسط. لم تستطع النكسة أن تفرض علي مصر الهزيمة وجاء نصر أكتوبر 1973 وقبله حرب الاستنزاف ليؤكد هذا المعني، لكن التداعيات تسارعت مع نهاية حرب أكتوبر وبداية مباحثات فك الاشتباك الأولي ثم الثانية ثم زيارة الرئيس السادات للقدس وأخيراً محادثات كامب ديفيد وتوقيع مصر معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني عام 1979، التي وضعت صك النهاية للدور المصري العربي والإقليمي وتداعي معها النظام العربي الذي فقد مشروعه وفقد البوصلة التي كانت تضبط تفاعلاته، حيث لم تعد فلسطين ومسئولية تحريرها ومعها هدف الوحدة العربية تمثل بوصلة توجه هذا النظام العربي. وجاء انخراط مصر في سياسة الانفتاح الاقتصادي التي دمرت هياكل الاقتصاد المصري وفرضت تبعيته للولايات المتحدة من خلال مركزية المعونة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، ومن ثم فقدت مصر مؤهلات مكانتها في قلب النظام العربي الذي لم يعد أكثر من هيكل نظام مفرغ من الداخل، بقدر ما فقدت مكانتها كقوة محورية في قلب النظام الشرق أوسطي بعد أن تداعت قدراتها وباتت تعتمد علي مصادر خارجية في تمويل اقتصادها (موارد قناة السويس، بيع البترول والغاز، السياحة، تحويلات المصريين في الخارج)، وتخلت عن الوظائف التي كانت تقوم بها في النظام العربي. ضاعت القدرات، وتوارت الوظائف فكان الخروج حتمياً ومن ثم كان استئثار القوي الإقليمية الثلاث: إسرائيل وتركيا وإيران بقلب أو محور النظام الشرق أوسطي الذي تعرض لأحداث هائلة هزت من كيانه، ابتداءً من سقوط نظام الشاه في إيران في نفس عام توقيع مصر معاهدة السلام وخروجها من محور إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني عام 1979، ثم الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات لإسقاط إيران والعراق معاً بتدبير أمريكي ومشاركة من بعض الدول العربية ثم حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، ثم وضع العراق تحت مراقبة دولية، ثم غزوه واحتلاله عام 2003 تحت عنوان إعادة ترسيم خرائط إقليم الشرق الأوسط والدعوة لنظام إقليمي بديل يحمل اسم الشرق الأوسط الكبير، ثم الحرب الإسرائيلية علي لبنان صيف 2006 التي اختتمت بالدعوة إلي شرق أوسط جديد يتم فيه تغيير العدو واستبدال الصراعات بحيث يصبح العدو هو إيران بدلاً من إسرائيل، ويتحول الصراع في الإقليم من صراع عربي- إسرائيلي إلي صراع عربي- إيراني، مرتكزه هو الصراع الطائفي السني- الشيعي بدلاً من الصراع علي فلسطين التي توارت من ذاكرة النظام العربي خصوصاً مع تفاقم خطر الإرهاب الذي فرض نفسه كمصدر أول للتهديد، وجاء توقيع الاتفاق النووي الإيراني ليقلب الكثير من المعادلات ويضع مصر أمام حقائق إقليمية جديدة.


لمزيد من مقالات د‏.‏ محمد السعيد إدريس

رابط دائم: