الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نـوفـل.. والمتـاجـرة بالـدين

محمــد بهجــت
لعل فكرة استخدام الدين في السيطرة علي مشاعر الناس وعقولهم واستغلال طبيعة المصريين المتدينة قد قتلت بحثا في الدراما بشكل عام وقدمها المسرح المصري مرات عديدة في العام التي حكمت فيه جماعة الاخوان الارهابية وفي العام الذي تلاه عقب ثورة 30 يونيو.

وكانت العروض الأولي تأخذ شكل الرمز ومحاكاة الواقع الهزلي وأذكر أن الفنان أحمد راتب في عرض المحروس والمحروسة «قد تحدث عن القرد والقرداتي وهو يقوم بدور الخليفة العباسي كما أشار إلي ضرورة توزيع الزيت والسكر علي الرعية في اشارة بالغة الوضوح والمرارة ـ

وكانت العروض التي تناولت نفس الفكرة عقب ثورة 30 يونيو أكثر جرأة وأكثر مباشرة وأضعف من الناحية الفنية ـ وربما يكون استخدام الكاتب الشاب طارق رمضان لنفس الفكرة في مسرحية نوفل هو الأنضج والأفضل علي الاطلاق ـ حيث طرح بعدا جديدا للفكرة وهي استعداد الناس الطبيعي لقبول الاحتيال عليهم والنصب باسم الدين. فنوفل شخصية بسيطة لرجل فقير معدم أقرب إلي خفة العقل والبلاهة نجد منه مئات النماذج في معظم القري والأحياء الشعبية العريقة ـ ويتطوع سكان الحي أو القرية بإطعامه وعلاجه كل علي قدر طاقته والناس تسمي مثل هذا الرجل البركة. والبعض يتصور أنهم بالفعل مبروكين وينسجون حولهم القصص والحكايات ـ ونوفل بطل المسرحية شخص من هؤلاء لكنه يمر بتجربة غريبة وطريفة حيث يأكل وجبة دسمة لا تحتملها معدته ويستنشق دخان المخدرات دون قصد ويتعب ثم يغيب عن الوعي ويظن أهل المنطقة أنه قد مات ويسارعون باكرام الميت بسرعة دفنه وبعدها يفيق نوفل ويقوم بحفر القبر والخروج منه ليظن الناس أنه قد جرت له معجزة وكرامة وبعث حيا بعد أن مات ـ ويجد نوفل نفسه محاطا بالاهتمام والاحترام فيتمادي في استغلال الموقف ويتحدث عن عالم البرزخ وعذاب القبر وما رآه من مصير أهالي الحي ـ ويتحول نوفل تدريجيا إلي طاغية يسوس الناس بالخرافات ويتحكم في مصائرهم قام الفنان محمد شرف بدور نوفل في تجربة مسرحية ناجحة رغم صعوبة الدور لأنه يجمع ما بين المكر والسذاجة وهما نقيضان ـ وأدت الفنانة عبير عادل دور راقصة المولد طيبة القلب التي تتصدق علي المساكين رغم معرفتها بأنها تكسب من حرام ولعب حكيم المصري دور الجزار الجشع الذي لا يتورع عن خداع الناس واطعامهم أي مواد عجيبة ولكنه في نفس الوقت شديد الحرص علي ارضاء نوفل الرجل المبروك والتصدق من أجل انقاذ والده من عذاب القبر وقدم كل من الخضر زنون وأحمد الشريف ونائل علي تنويعات علي نفس شخصية الانسان الراغب في خداع نفسه بينما قدم يوسف عبيد نموذج الرجل المثقف الرافض للخرافة والمتمسك بالعلم وشارك في العرض مجموعة من الشباب الواعد بمسرح الغد هم فؤاد عبد المنعم ومحمد عبد الرحيم في أدوار أبناء الرجل المثقف وصلاح الخطيب في دور حفار القبور الجشع الذي يضخم من أسطورة نوفل مقابل مشاركته في السلطة والعطايا وأحمد نبيل في دور تاجر الحشيش الذي يخسر ثروته في حريق تسبب مع الوجبة الدسمة في اغماء نوفل ـ وأخرج العرض سامح مجاهد ليقدم ايقاعا سريعا وحركة مسرحية بسيطة تؤدي الغرض منها وقد أجاد استخدام أدواته من شعر إبراهيم الحسيني وألحان أحمد الناصر وديكور صبحي عبد الجواد غير أن كثرة المزاح واستغلال امكانية الضحك الموجودة في العرض من بعض المشاركين قد تسببت في الشعور بالاطالة والملل في بعض من لوحات العرض ـ ويحسب لطارق رمضان أنه يبدأ بنص اجتماعي كوميدي شديد الجاذبية وإن كنت أعيب عليه التقليدية في رسم الشخصيات فالجزار وراقصة الموالد وبائع الحشيش التقليدي نماذج قديمة لحارة الأربعينيات وليس للواقع الذي ينتمي إليه طارق رمضان الآن حيث نموذج الديلر والتاجر الجشع والفن المبتذل بأغاني المهرجانات كانوا هم الأولي بالظهور ـ ولعل طارق رمضان في أعماله القادمة يخرج من أسر الحياة التي يقرأ عنها في الكتب ويقدم لنا شهادته علي الحياة التي يراها بعينيه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق