الثلاثاء 26 من شوال 1436 هــ 11 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46999

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عــــودة صـــداع الأكـراد فى تركيـــا

أنقرة ــ سيد عبدالمجيد
ظهر الرئيس التركي السابق عبد الله جول أخيرا، وقد بدت عليه علامات حزن وهو يحذر من إعادة البلاد إلى أجواء التسعينيات من القرن المنصرم، والتي وصفها بالمظلمة، وحقا ما قاله

 بيد أن مشاهد الجنازات الكئيبة التي كانت شبه يومية لهؤلاء الذين يسقطون صرعي المواجهات المسلحة التي  قادها الجيش ضد منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية، وبشكل ضمني  جعلت جول ينتقد الحاصل الآن في جنوب وجنوب شرق بلاده، مبديا تحفظه حيال أساليب إدارة الأزمة ــ بعد حادث سورتش بشانلي أوروفا يوم العشرين من يوليو والذي افضي إلى مصرع 32 شخصا ـ من قبل صناع القرار الذين كانوا حتى وقت قريب شركاء واقرانا له لكن يبدو أن السبل بهم تباعدت وإلى الأبد، ثم اختتم تصريحاته المقتضبة متجنبا الاجابة بشكل مباشر عن أسئلة الصحفيين الذين انتظروه أمام المسجد قائلا  إن تكرار الأحداث التي شهدتها تركيا خلال العشرين سنة الفائتة، لن تكون له أي فائدة، ولا مغزى منها وكيف لها أن تعود للوراء لتجرب ما سبق وجربته ".

عبارات موجعة، وجدت بالتزامن صدى طيبا لدي معظم المواطنين الاتراك، الذين كادوا أن ينفضوا عنهم ذكريات أليمة حلت عليهم  طوال ثلاثة عقود كاملة، وذلك بعد أن سمعوا رئيس حكومتهم رجب طيب أردوغان في 30 يناير 2013 وهو يزف لهم  المؤشرات الإيجابية للغاية في إشارة إلى مفاوضات السلام مع زعيم منظمة حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الذي يقضي عقوبة السجن مدي الحياة بجزيرة إمرالي ببحر مرمرة، مشيرا إلى أن استطلاعات الرأي التي أجريت  تعكس تأييدا شعبيا بل ومباركة لخطواته التي ستضع حدا لكبرى المعضلات التي واجهت الجمهورية التركية في عقودها التسعة ألا وهي المعضلة الكردية.

ولكن ها هم وبعد ان تنفسوا الصعداء طوال سنتين أملا في إحلال الوفاق ، يعودون إلى هواجسهم ومخاوفهم مجددا، بعد أن تبخرت الأماني في نفق مسدود، فاردوغان نفسه وقبل اسابيع قال من الآن فصاعدًا من  يقول نصا " إن  هناك مشكلة كردية في تركيا فهو يدعو إلى التفرقة والفتنة والتقسيم ، فلم تكن هناك طاولة مفاوضات جلس عليها الطرفان للتفاوض خلال عملية السلام، لأن هذا يعني انهيار الدولة فليس هناك طرف تتخذه الدولة مخاطباً للتفاوض، بل هناك دولة فقط وهي صاحبة القرار النهائي في هذه العملية " ومع إنطلاق العمليات " شدد على أن عملية السلام مع الأكراد انتهت بالفعل" وطبيعي أن يتساءل رجل الشارع المحاط بضباب كثيف لماذا وإلى متى؟ والملاحظ أنه طوال الايام القليلة الماضية ، راحت قطاعات شتي مدعومة برؤي لمراقبين حفلت بها ادبيات سيارة بما فيها الموالية لأهل الحكم، تبدي  شكوكا متزايدة في النوايا الحقيقية للحرب تدور رحاها في الشمالين السوري والعراقي وأن نال الأخير الشطر الأكبر من ضربات المقاتلات أف ــ 16 ، فقصف داعش لا خلاف عليه بل يعتقدون أنه  تأخر كثيرا جدا، ولكن ماذا عن معسكرات منظمة حزب العمال الكردستاني المعنونة اختصارا البي كا كا PKK، صحيح ثمة هجمات ارهابية تنطلق من حين إلى آخر، لكن السؤال هل تستجوب هذا الحجم الهائل من الغارات والقصف وقتل وفق الارقام الحكومية الرسمية 260 من المتمردين بالدروب الوعرة بجبال قنديل.؟

ومن ثم فطرح تلك الاستفهامات لا يعني في التحليل النهائي ، سوى أن ما تردده حكومة تصريف الاعمال بزعامة أحمد داود أوغلو  وتسوقه من حجج وتبريرات، لم يعد يجد تصديقا لدي قطاعات نافذة في عموم الاناضول، والدليل على ذلك هو أن عملياتها العسكرية التي تشنها قواتها المسلحة  منذ اسبوعين، بدأت تكشف عن اضطراب، وتساقط  الاقنعة عن حقائق غائبة  من رفض مطلق لاستخدام القواعد في الحرب ضد داعش إلى القبول الكامل بفتحها.

المفارقة أن اكراد سوريا الذين حاربوا ــ ولازالوا ــ داعش باتوا مستهدفين مباشرة من قبل نيران الجيش التركي  التي تهب عليهم من المقاتلات أف 16 الأمريكية، والتي وصفوها بالاستفزازية، وكأنها لم تكتف بمحاصرتهم طوال الشهور الماضية خصوصا بعد أن استعادوا تل الابيض، المثير أن واشنطن حينما باركت أنقرة في الدفاع عن نفسها، لم تشر لا من قريب أو بعيد، إلى الذين يقاتلون التكفيريين، بيد أن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية قدم ويقدم غطاء جويا لوحدات حماية الشعب الكردية في مواجهة تنظيم الدولة البغيض، وانطلاقا من قاعدة إنجيرليك الجوية ذاتها في مدينة أضنة جنوب البلاد. إذن فالاكراد هم العنوان، فتخطيهم حاجز الـ10%  بالانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من يونيه وحصولهم على 80 مقعدا بالبرلمان في سابقة هي الاولي وليتساوا مع القوميين المتشددين، وبالتالي اطاحتهم بالمخطط السلطوي لاردوغان، كل هذا كان بمثابة جرس الانذار وعليه انقلب الاخير من القضية  180 درجة  وبدأ في إعداد السيناريو الجهنمي  ليحل محل الجنرالات الذين طالما انتقدهم لديكتاتورياتهم وسيطرتهم على الحياة السياسية. وبالفعل شرع معاونوه في وضع الصيغ القانونية التي سيتندون إليها في دعواهم لغلق حزب الشعوب الديمقراطية  وفي السياق ذاته  باشرت النيابة العامة التركية تحقيقا قضائيا ضد صلاح الدين دميرطاش زعيم الحزب والتهم جاهزة ألا وهي التحريض على العنف في احداث كوباني «عين العرب» السورية التي جرت في الفترة من  6 إلى  8 اكتوبر الماضي وفي حال تمت  إدانته سيسجن لمدة 24 سنة وفقا لقانون العقوبات التركي وبالتوازي رفع المدعي الجمهوري لمدينة اورفا الواقعة بالجنوب دعوى بحق الرئيس المشارك للحزب السيدة فيجين يوكسك داغ  بسبب التصريحات التي ادلت بها قبل اسبوعين والتي اعتبرت دعما للمنظمة الارهابية. ويأتي هذا الإجراء ترجمة لتصريحات رئيس الجمهورية التي طالب بها معاقبة مسئولي الاحزاب التي تبدي تأييدا لتلك المنظمة.

وإجمالا يمكن القول إن تلك التطورات تنطوي على هدف وحيد وهو محاولة تصفية الدور السياسي للاكراد أو على الأقل منعهم من تجاوز عتبة المجلس التشريعي، ولهذا يبذل اردوغان الشغوف لرئاسة بطعم الامبراطورية كل جهوده من أجل إجراء إنتخابات مبكرة،  فالحرب جلبت له تعاطف شرائح محافظة وجل اماله الحفاظ على قوة الدفع هذه لعله يعيد الأغلبية التي فقدها، في المقابل هناك من يري صعوبة تحقيق ذلك، ففي الداخل المعارضون يزيدون، أما الخارج فنجد حلفاءه الغربيين يشعرون بمزيد من الانزعاج لهذا الاصرار  بجمع المزيد من القوة والسلطة في قبضته عن طريق تغيير الدستور.

والسؤال هل يمكن للاكراد المدعمين الآن من فعاليات سياسية وفكرية راغبة في حقن الدماء ، أن يكونوا عنوان الفصل الثاني في نهاية عدالة اردوغان بعد تراجعه في استحقاق 7 يونيو؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق