الجمعة 8 من شوال 1436 هــ 24 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46981

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

يجمع الموت فى صدره والعيش «الجميلا»:
بحار بلا سواحل وأمواج من الخرافات

نسرين مهران
تلاحقها الريح وزئير الرعود. لا تكترث بالضباب ولا لاصطخاب العباب. من الذى يعرف المكنون فى الماء؟!.. محملة بالتوابل والعاج والأبنوس، تنشر فوقه القلوع. تغزل السفن من موجه أغنية حياة فى كل صباح ومساء. واسع يا بحر أنت، ممتد من الجرح البعيد

. تتلاطم أمواجك الصاخبة، ولا قاع!.. تاركة زبد الحنين يغسل الرمال ويكتب على الصخور الأساطير. ففى أعماقه عاش «بوسيدون» رب البحر العظيم فى اليونان القديمة. حكم من قصره تحت البحر المصنوع من اللؤلؤ والمرجان. ووفقاً للأسطورة، حين يصدر «تريتون» أصواتا من المحار، يركب بوسيدون الأمواج فى مركبة زرقاء وذهبية، بألوان البحر والشمس، تسحبها الفحول المائية البيضاء للأمواج المتلاطمة، وترافقه فى جولته كل أنواع مخلوقات البحر. ممسكا برمح ثلاثى الشعب، باستطاعته أن يهدىء أكثر الوحوش البحرية ضخامة، وأن يحطم صخور الشاطىء ويثير البحر.


البحر الذى ابتلع فيه الحوت - يوماً- يونس، أخطاره عديدة. يأتى على رأسها الرعب الذى كان يجسده القراصنة فى أعالى البحار منذ أن كانت رايتهم ذات لون أحمر، ثم أصبحوا يرفعون الرايات السوداء التى تدل على هوية السفينة كما تشير تصميماتها لعلامة الرعب الخاصة بمراكبهم: «الرمح» يعنى الموت العنيف، «القلب الدامى» يعنى الموت البطىء والتعذيب، «الساعة الرملية» تعنى أن الوقت قد انتهى، ألخ...

ظامىء كغريق فقد بوصلته، يتعلق البحارة بالخرافات.. ينطلقون فى بحار الفراديس يوماً، وفى بحار الأهوال ألف يوم.. كان الملاحون اليونانيون يقدمون القرابين والهدايا النفيسة حتى يأمنوا غضب رب البحار. كانوا يضحون بثيران سوداء وبيضاء، وبعض البحارة كانوا يلقون بخواتم ذهبية فى المحيط وهم يغنون قصائد للرب ثمناً لهدوء البحر.

 

أمواج الخوف

 

بحار تنبعث منهم الحياة والوان البهجة، وأخرى ينبعث منها الموت وظلام القسوة. أمام تحديات الرحلة، اتفق البحارة فيما بينهم - منذ القدم- على بعض المعتقدات التى يمكن وصفها بـ»الخرافات» لتأمين طريق الذهاب والعودة، من بينها: فى حال ظهور النجوم فجأة، يعنى ذلك اقتراب عاصفة قوية. إذا سمع بحار طفلا يبكى على ذراعى امرأة، فإن ذلك يشير إلى أنه ستواجهه عاصفة عندما يذهب إلى البحر. كذلك، إذا أخلّ بحار بقسم العاصفة، سوف تواجهه العاصفة دون شك. ويشترط على البحار أن يقص شعره وأظافره فى العاصفة فقط، لأنه إذا فعل ذلك فى طقس هادىء سوف يستحث العاصفة على القيام. لعب الأوراق أيضا، والقاء فحم مشتعل من فوق سطح السفينة، قد يثير العاصفة.

كما بات بعض المراكبية فى الهند يحتفظون بالأفاعى السامة فى مراكبهم، اعتقادا منهم بأنها تجعل الرحلة محظوظة. وبهدف استجلاب ريح مساعدة، يقرع البحارة الصينيون الطبول الصغيرة الطويلة كما يقرعون الصنج ببعضها البعض. فيما يجلد البحارة الفرنسيون القدامى خادم سفينة غلاما عند الصارى لتجميع الريح.

من ناحية أخرى، هناك أمور عند حدوثها قد تجلب سوء الحظ للرحلة، مثل: احضار بيض على متن السفينة. الخروج إلى البحر فى اتجاه معاكس لمسار الشمس. المظلة، كانت مغلقة أو مفتوحة، على متن السفينة حظ سىء. ويعد فقد مكنسة أو ممسحة فى البحر حادثة سيئة الحظ. ويعتقد البحارة الإسبان أنه من سوء الحظ وضع القدم اليسرى على الشاطىء أولا، أو الصعود إلى مركب بالقدم اليسرى أولا. كذلك، لا يجب التلفظ بكلمة «غريق» فى البحر. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر من سوء الحظ لقريبين أن يسافرا معا ضمن الطاقم على نفس السفينة، لأن أحدهما سوف يغرق!

 

وشم الحظ

 

أكثر الناس حظاً هذه الليلة، من اختلى بالقمر فى البحر بعيداً عن أضواء المدينة، لأن القمر يزدهر ويتجلى -كبقية النجوم- حين لاتحجبه أنوار المدينة وضجيجها. أحياناً تكون الريح هادئة وغير خطيرة، نفرح ونغامر متناسين أجنحتنا الضعيفة، يحدث حينها السقوط، لنعود نلعن الريح ونحملها أسباب الهزيمة. من منطلق الحرص على الحياة، وثق البحارة ببعض المعتقدات التى تجلب الحظ لهم طوال رحلاتهم فى قلب الأزرق، شأن أن ترسو السفن فى المرفأ على الجانب الشرقى من رصيف الميناء. كما أعتقدوا بأن حمل قبضة من الملح فى جيب البحار تجلب له الحظ. وحال وضع عملة تحت أعلى صارى السفينة فإنها تأتى بالخير. أمّا أيام الإبحار المحظوظة هى: الأحد، والإثنين، والأربعاء والخميس.

وأحيانا يقدم البحار على رسم وشم «خنزير» على القدم، باعتباره تعويذة لمنع الغرق!.. بينما يظن الكثيرون منهم أن وضع تمثال فى مقدمة السفينة هو حارس لها. لذا، كان البحارة القدامى يضعونه متصورين أنه سوف يحميهم من العواصف.. إلى جانب ثقتهم بأن عينى تمثال المقدمة يمكن أن ترشد السفينة خلال رحلتها فى البحار الخطيرة. ولم يكن يتم - مطلقاً- استخدام خشب شجر الجوز فى بناء السفن لأنه من «شجرة الشيطان» نفسه، وسوف يجذب بالتأكيد صاعقة برق. وكان يفضل استخدام أخشاب شجر البلوط والصنوبر بدلا منه.

تتوالى المعتقدات برسم عيون على مقدمة السفينة لتجنب الشر والسحر الأسود. كما يتم تثبيت حدوة فرس بالمسامير على الصارى الرئيسى للحماية من الشر. والنفخ فى البوق فى مواجهة دوامة، يرى البعض أنه قادر أن يفزعها!

لا شك أن للكون أبواباً خلفية ومنافذ خفية، تقود إلى عوالم أخرى كاسرة حصار الزمن ولعبة الوقت. وأمام بحار الضباب وثورة الأمواج سفر طويل يمتنع العقل خلاله، وبحسب موقع نقطة الضوء وطوق النجاة تكون الأسطورة والمعتقدات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق