الثلاثاء 5 من شوال 1436 هــ 21 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46978

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الحيوية المصرية فى مواجهة الصراع على الجغرافيا العربية

ملف يكتبه: صلاح سالم
تنشأ الأدوار الإقليمية، كالعالمية، عن عملية جدلية معقدة بين التاريخ الثقافى والجغرافيا السياسية، وهى عملية معقدة طالما أعادت توزيع الأدوار وإنتاج المكانة بين الدول عبر الحقب،

 تبعا لعناصر قوتها الشاملة، ولحجم التغير فى أوزان تلك العناصر عبر العصور، إرتباطا بتحولات المعرفة العلمية، وتطورات النظم السياسية، وتبدلات الرؤى الثقافية، فجميعها مكونات حاسمة فى بلوغ التقدم وتبوؤ المكانة الإستراتيجية.


 

وقد تقلبت مصر كثيرا على صعيد الدور وعلى سطح التاريخ بين الدولة الإمبراطورية "الفرعونية"، وبين المستعمرة المحتلة فارسيا ويونانيا ورومانيا قبل الفتح العربي. وبعده لعبت مصر دور الإمارة الكبرى فى الخلافتين الإسلاميتين الراشدة والأموية، فالولاية المكتفية بذاتها فى العصر الأول من الخلافة العباسية، والسلطنة المتوثبة للدفاع عن الأمة والخلافة نفسها فى العصر العباسى الثانى، ضد الهجمات الصليبية والاجتياح التترى قبل أن تدخل فى نموذج "السلطة الرعوية"، المعادل العربى لنموذج الإقطاع الأوروبى فى القرون الوسطى، حيث أخذت الوظيفة العسكرية تنفصل تدريجيا عن المجتمع المصرى المتمدين وترتبط بالعناصر التركية التي اضطلعت بالوظيفة الأمنية وفي المقابل تحكمت في السلطة السياسية والموارد الاقتصادية ما ولد شعورا عميقا بالاغتراب لدى المصريين عن "الوطنية المصرية"، ترسخ في العصرين المملوكي والعثماني واستمر في ظل السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية.

بميلاد الدولة الحديثة قبل القرنين ونيف، أخذت مصر تستعيد شخصيتها (الوطنية)، باستعادة الوظيفة الأمنية والسياسية من أنياب السلطة الرعوية. جاءت الخطوة الأولى على هذا المسار الطويل فى سياق المشروع العلوى، حينما بدأ الباشا الألبانى ذو الإلهام العثمانلى، فى تجنيد المصريين "الفلاحين" تحت قيادة ضباط تنوعت أجناسهم ما بين أتراك، وأرمن، وشركس، وفرنسيين، قبل أن تبدأ مدرسة أسوان الحربية ثم المدرسة الحربية للمشاة وأخيرا مدرسة أركان الحرب بالخانكة فى تخريج ضباط مصريين منذ عام 1920م ناهيك عن الضباط الذين تعلموا فن العسكرية ضمن البعثات إلى الخارج خصوصا فى فرنسا.

ثم جاءت الخطوة الثانية مع ثورة عرابى التى بدأت بطلب مساواة المصريين بغيرهم فى الترقى إلى المناصب العليا فى الجيش، ولكنها استحالت تعبيرا سياسيا عن ميلاد وطنية مصرية تؤمن بضرورة بعث العسكرية المصرية من مرقدها التاريخى. حارب الرجل جيش متقدم بقوات متقادمة، وجابه إمبراطورية عالمية من داخل فضاء ولاية خديوية. انتهى الأمر بهزيمة منطقية، ورغم منطقيتها، تركت جرحا غائرا فى ضمير العموم فأسموها "هوجة عرابى"، متسائلين بمرارة.. هل يستطيع المصريون (الفلاحون) أن يستعيدوا حضورهم السياسى والعسكرى فى التاريخ بعد طول قطيعة.. هل بمقدورهم أن يبنوا الجيوش ويخوضوا الحروب، أم أن ذلك محض نزوة وأضغاث أحلام؟

قدمت يوليو 1952م، إجابة مشرقة على السؤال المرير، إذ تبدت تكرارا ناجحا لثورة عرابى، قام به الجيل الأول من شباب المصريين أبناء الفلاحين فى الأغلب والطبقة الوسطى المحدودة إجمالا الذين دخلوا الكلية الحربية بعد معاهدة 1936، بعد أن كانوا قد توقفوا عن دخولها منذ عهد عباس الأول فى خمسينيات القرن التاسع عشر، فأخرجت البريطانيين من مصر، بعد الأسرة العلوية، وأضافت عبر المشروع الناصرى للتحديث السلطوى، طبقة ثالثة حاسمة لـ "جيولوجيا الشخصية المصرية"، تجاوزت بها الثقافة الرعوية، من خلال ركائز تكوينية: كالجيش الوطنى، والتعليم النظامى الواسع والمجانى، وحركة التصنيع الشاملة، على أرضية طبقة وسطى نامية. ورؤية ثقافية تقدمية اجتماعيا، وجذرية وطنيا، ذات نزوع إنسانى وعالمى كانت له جاذبيته. وهكذا صاغت يوليو عقد اجتماعى جديد، صحيح أنه لم يبلغ الأفق الديمقراطى، ولم ينفتح على تيارات الحركة الوطنية خصوصا الوفد، إلا أنه تبنى أكثر مطالب الوطنية المصرية نبلا وعمقا كتأميم قناة السويس، وبناء السد العالى، وإنجاز الإصلاح الزراعى، ما خلق البنية الأساسية لإدراك جديد "معاصر" لدى المصري، بموقع بلده فى العالم ومسئوليتها عن الإقليم، قبل أن تضغط قصورات السياسة وأعباء التاريخ على جمهورية يوليو، لتفقد القاهرة جزءا من مركزيتها، وبعضا من شاعرية اسمها، ليضطرب الإقليم من حولها، تطرفا وإرهابا، انقساما وتفكيكا، ثاراتا وحروبا بين المذاهب والأعراق والدول والجماعات.. إنها قصة طويلة جرت وقائعها صعودا وهبوطا، من عصر القومية إلى عصر الدين، فى مصر والإقليم، نتابع هنا بعض فصولها والملابسات المحيطة بها، بحثا عن مسالك لنهوض القاهرة، واستعادة بريقها الذى كان لها، طردا لعوامل الفوضى وتوقيفا لزمن الإنكسارات..

 

عالم إسلامى واسع بلا دولة

مركزية قادرة على تمثيله

برغم تهافت طرحه النظرى حول "صدام الحضارات" يزخر الكتاب الأشهر لصامويل هانتنجتون بعدد من الملاحظات الموحية. منها مثلا غياب دولة مركز تقود عالم الإسلام على منوال "الصين فى الحضارة الكونفوشية، والهند فى الحضارة الهندوسية، وروسيا فى الحضارة المسيحية الشرقية، والولايات المتحدة فى الحضارة الغربية" حيث تتنافس دول ست أساسية على قيادة هذا العالم الواسع وهى: إندونيسيا وإيران وباكستان والسعودية وتركيا ومصر، من دون أن تتمكن إحداها من تحقيق الإجماع حول قيادتها لوجود قصورات متباينة لدى كل منها:

ـ فإندونيسيا رغم حجمها السكانى الكبير، ونموها الإقتصادى المشهود، تبقى دولة طرفية بحكم موقعها الجغرافى البعيد عن قلب العالم الإسلامى، فضلا عن أن سكانها خليط متنوع من جنوب شرق أسيا، وثقافتها بمنزلة تشكيل من أصول ومؤثرات عدة إسلامية وهندوسية وصينية ومسيحية.

ـ وباكستان هى الأخرى تحوز الحجم الجغرافى المناسب، والتعداد السكانى الكبير فضلا عن القدرة العسكرية الكبيرة وعلى رأسها السلاح النووى، غير أنها طرفية نسبيا قياسا الى القلب العربى للإسلام، وفقيرة إلى حد كبير، ناهيك عن كونها منقسمة إثنيا وتعانى من عدم الإستقرار السياسى.


 

ـ وإيران كذلك تحوز كتلة حيوية متميزة على صعيد الحجم الجغرافى والتعداد السكانى، فضلا عن موقعها المركزى فى الشرق الأوسط، وثرائها النفطى الكبير، غير أنها شيعية بينما 90% من المسلمين ينتمون الى المذهب السنى كما أن لغتها الفارسية تبقى محلية ولا تحوز شعبية اللغة العربية فى عالم الإسلام الواسع.

ـ وأما السعودية فهى مهبط الإسلام، وكعبة المسلمين ما يمنحها نفوذا روحيا هائلا، ولديها أعلى إحتياطيات للنفط فى العالم ما يمنحها نفوذا ماليا كبيرا، غير أنها تعانى من عجز ديمغرافى يجعلها معتمدة أمنيا على الغرب، كما أن مذهبها الدينى المتشدد، وتقاليدها الاجتماعية المحافظة لا يجعلانها النموذج الأكثر جاذبية لعالم الإسلام المتنوع.

ـ وهناك تركيا التى يتوفر لها الحجم والموقع الجغرافى المناسبين، والبنية السكانية الجيدة، فضلا عن مستوى النمو الإقتصادى المتوسط (الذى صار مرتفعا بعد عشر سنوات من حكم العدالة والتنمية)، والتماسك الوطنى والتقاليد العسكرية العريقة. ولكن موطن قصورها يكمن فى إستمرار تعريفها لنفسها كدولة علمانية، وتوجهها الغربى الواضح.

ـ وآخيرا مصر التى تمتلك الموقع الجغرافى المركزى فى الشرق الأوسط، والكتلة الحيوية الكبيرة على أصعدة الأرض والسكان، فضلا عن التقاليد العريقة للدولة الوطنية والقدرة العسكرية المناسبة، ناهيك عن حيازتها للأزهر وهو المؤسسة القائدة فى التعليم الدينى. ولكنها، فى المقابل، فقيرة اقتصاديا، تعتمد ماديا على دعم الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التى يسيطر عليها الغرب.

أفضى غياب الدولة القائدة، القادرة على تمثيل عالم الإسلام، وضبط إيقاع تحركه وسط التحولات العالمية العاتية، أعقاب السقوط السوفيتى ونهاية الحرب الباردة، إلى بروز عدة ظواهر سلبية طرحت نفسها على العالم العربى، فى ربع القرن الأخير.

الظاهرة الأولى: هى البروز الواضح لأدوار الفواعل الصغرى، أى دون الدولة الوطنية، من قبيل الحركات والمنظمات والميليشيات والجماعات الدينية والمذهبية والطائفية والقبلية. بدأ الأمر بحركة حماس، وحزب الله، قبل انفجار بركان التطرف المسلح فى أربعة أنحاء الخريطة العربية، خصوصا بعد عاصفة الربيع، فالقاعدة فى سوريا والعراق تتوالد وتتكاثر وتنقسم بين داعش والنصرة وغيرهما. وفى اليمن تشتبك مع الجميع، وتتصارع مع الحركة الحوثية على بقايا الدولة. وفى ليبيا تصارع داعش عديد الميليشيات من كل لون قبلى ومذهب دينى. وهكذا صار الأمر مربكا، وأصبحت القرارات الخطيرة كالحرب والسلام، فى يد حركات تبقى حساباتها ضيقة ونفعية وقصيرة النظر.

والظاهرة الثانية: هى البروز المفتعل لدول صغرى صارت تلعب أدوارا استثنائية تفوق طاقاتها الطبيعية ضد التوجه الإستراتيجى العام، الذى طالما صنعته القوى المركزية فى النظام العربى وخاصة دول المحور الثلاثى (مصر وسوريا والسعودية) الذى كانت تمكنت من صوغ اتجاهات القرار العربى أعقاب حرب تحرير الكويت، وذلك بقفزها على التوازنات القائمة فى أكثر من مناسبة وفى غير اتجاه، على منوال إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل دون ضرورة سياسية، أو مد الجسور نحو إيران على حساب العلاقة بمصر والسعودية. وأيضا الدور المربك الذى تلعبه فى إشاعة الضوضاء فى التجمعات العربية، وإشعال حرائق سياسية تستقطب جهدا كبيرا لإطفائها من الجهد العربى المحدود أصلا، وصولا إلى بناء شبكة دعم مادى ومعنوى وإعلامى لحركات التطرف ومنظمات الإرهاب.

أما الظاهرة الثالثة: فهى الحضور الطاغى للقوى الإقليمية الكبرى، ليس فقط فى القضايا العربية ذات الإمتداد الخارجى، بل فى قضايا الداخل التى تنبع وتصب فى بنية الدولة الوطنية. قبل عاصفة الربيع العربى كانت تلك القوى تمارس حضورها بمباركتنا، تسهيلا لحل نزاعات عالقة كالدور التركى فى مواجهة العدوان على غزة، وفى الوساطة بين حماس وإسرائيل، أو بين إسرائيل وسوريا. أما بعدها فصار ضاغطا علينا، كالتدخل التركى فى الشأن المصرى أعقاب 30 يونيو، أو الحضور الإيرانى الممانع للثورة فى سوريا، والمعطل للدولة فى لبنان، والمثير للفوضى فى العراق واليمن، إلى الدرجة التى جعلت كثيرين داخل المنطقة وخارجها يتحدثون عن صراع بين إسرائيل وإيران على المنطقة العربية، وعلى العقل السياسى الأمريكى.

الصراع على الفراغ الإستراتيجى العربى

بين المشروع الإيرانى ونقيضه الإسرائيلى

يمكن اعتبار الفترة الممتدة بين احتلال بغداد وبين عاصفة الربيع، مرحلة انتظار مارس العالم العربى خلالها قدرته على الإفشال والممانعة، فى مواجهة المشروعين: الإيرانى والإسرائيلى، مستخدما تكتيكات الإبطاء والدفاع السلبى عن النفس التى يجيدها. ولكن هبوب العاصفة جعل تلك التكتيكات غير كافية، ووضعه أمام واحدة من لحظات الحقيقة: فإما استجابة تاريخية للتحدى تقتضى ممارسة الدفاع الإيجابى، والهجوم البناء، وصولا إلى المبادرة الخلاقة لإعادة تأسيس البيئة الاستراتيجية.. وإما الهزيمة الكاملة أمام المشروعين، ما يعنى نهاية ما عرفناه منذ أربعينات القرن العشرين باعتباره "النظام الإقليمى العربى". بالطبع لن تنتهى العروبة بالمعنى الثقافى، ولكن سيتم الفصل الحاسم بينها وبين العروبة السياسية، بحيث ينشأ نظام إقليمى جديد على أساس غير الانتماء العربى، فتتبلور محاور وتصاغ استراتيجيات وتطفر إلى المقدمة قضايا وصراعات غير تلك التى عرفناها قرينة للنظام العربى، حتى وهو فى أشد لحظاته ضعفا، حيث تتم إعادة تعريف جميع المعانى والرموز والمواقف والأشياء من جديد.

فى سياق هذه الخلخلة الجارية، تلوذ إسرائيل بحالة صمت رهيب، لا تتدخل فى صراعات الإقليم اللهم ضد حماس فى فنائها الخلفى، أو ضد الصفقة النووية بين إيران والغرب. إنها حالة العزلة العظيمة التى ترتدى إسرائيل مسوحها الآن، وكأنها بريطانيا القرن التاسع عشر، ببساطة لأن الآخرين يحاربون لها معاركها، وينفذون استراتيجياتها بإيقاعات لم تكن يوما تحلم بها، وهنا يستحيل الصمت سياسة أكثر من ناجعة، استنادا إلى ميزتين حاسمتين لديها: الأولى أن التحدى الذى تمثله لم يعد مثيرا لغيرة العرب، رغم تجسيدها للتناقض الكامل، الدينى والقومى معهم، حيث تم تفسيره سلفا باعتباره نتاجا لإستراتيجيات دولية عابرة للإقليم، وسياقات حضارية تعكس العلاقة المختلة بين الشرق المسلم والغرب المسيحى، وهو تفسير نفسى بات مريحا للذات العربية. والثانية تتمثل فى وجود إطار يُسمى بعملية التسوية السلمية، وهو إطار صار بالياً وربما مذلا، إلا أنه يبقى قابلاً لأن يُحال إليه وعليه حزمة سياسات يمكن نسبتها إلى عملية (سلام) صارت لا تعبر فى الحقيقة إلا عن (غياب السياسة وضعف الخيارات). ويدعم هذه الميزة الأخيرة كون العلاقة معها مشمولة بالرعاية الأمريكية، حى صارت أقرب إلى محطة غسل لـ " السياسات الداخلية" لدول المنطقة، فكل ما تختلف عليه تلك الدول مع الولايات المتحدة يمكن مبادلته بقبول أوسع للتصور الإسرائيلى. وفى المقابل كلما زادت التهديدات الإسرائيلية زادت المناشدات والتنازلات إلى الولايات المتحدة، وتكون النتيجة النهائية خصما مزدوجا من أرصدة نظم الحكم العربية، ونزيفا مستمرا لجغرافيتهم السياسية بما يؤدى إلى ذبولها وتشققها أمام تيارات الإرهاب العدمى التى تجد فى الفراغ السياسى أفضل بيئة للنمو وأوسع مجال للتمدد.

وعلى العكس يبدو المشروع الإيرانى مستفزا للعرب، كونه ينبع من المنطقة نفسها، يحوز وسائلها ويتحدث بلغتها، ويتغذى على صراعاتها المذهبية، ومن ثم يثير غيرة الفاعلين الآخرين فيها، ويطرح عليهم أسئلة مريرة من قبيل: لماذا تستطيع إيران وحدها، من دون إسناد غربى لها، ملء الفراغات والتحكم بالانشغالات فى المنطقة؟. ولعل هذا هو سر القلق الذى ينهش عقول عرب كثيرين من توقيعها لاتفاق نووى نهائى مع الغرب، يتصور البعض أنه سيفتح الباب أمامها لاقتسام النفوذ مع الولايات المتحدة ضمن صفقة كبرى تقوم على تبادل القنبلة النووية مع الهيمنة الإقليمية، وهو تصور تشوبه مبالغات كثيرة، إذ لم ينشأ الدور الإيرانى المتزايد من الأصل عن تفوقها العسكرى التقليدى، حتى ينمو بفعل تفوقها النووى، بل تغذى على عجز العرب المزمن عن ممارسة السياسية كحوار خلاق بين فرقاء، على نحو أنتج أزمات، وجعل من الأقليات المذهبية لبنات فى مشروع هيمنة بلغ الآن أقصى درجات انتشاره، والأغلب أن يؤدى خروج إيران من كهف الحصار الغربى إلى تقلصه لا تمدده، وهو فهم نبرره بدوافع ثلاث أساسية:

أولها: أن الأمة المحاصرة، كالشخص المحاصر، يميل كلاهما إلى التطرف فى إبراز المكونات الصلدة لهويته، فيبزغ التدين المتزمت لدى الشخص، وتنمو الأفكار الشوفينية لدى الأمة، كى تبقى على مشاعر الثقة بالذات. وليس بعيدا عن هذا الفهم استخدام مصطلح "الشيطان الأعظم" لوصف الولايات المتحدة، باعتبارها مستودعا للشر المطلق قياسا إلى الذات الإيرانية المشبعة بروح الخيرية المطلقة، فى نوع من الاجترار للصراع المانوى التقليدى بين إله الخير أهورا مازدا وإله الشر أهريمان، المستبطن للثقافة الفارسية، والمتجذر فى موروثها الدينى الزرادشتى.

وثانيها: أن غياب إيران عن أى إطار إقليمى، جعلها أقرب إلى "فاعل شبح" فى الفضاء العربى. فمن ناحية هى قوة موجودة فى ثنايا الإقليم، فاعلة فى مشاكله. ولكنها، من ناحية أخرى، غير مرئية بوضوح، ويصعب حسابها، كونها خارج أى نسق إقليمي، غير محاطة بنسيج تفاعلات محكم بحيث يمكن تحميلها أعباء سياستها، فمن أدوات العقاب الأساسية التهديد بدفعها خارج الإطار الذى تنضوى فيه. ما يعنى أن إعادة إدماجها فى النسق الدولى مستقبلا، ربما يقيدها أكثر مما يطلق يدها فى المنطقة، لأنه يرتب أثمانا يتوجب دفعها حال خروجها على التوافقات الجديدة، من عوامل نموها اقتصاديا، ومنسوب الثقة بها سياسيا.

وثالثها: حاجة الأجيال الإيرانية الجديدة للإنفتاح على العالم، ما يفرض على الملالى إعادة ضبط إيقاعاتهم، حتى لايقع صدام مروع بين الجمهور وبين ولاية الفقيه، حيث عاش نظام الجمهورية الإسلامية لما يقارب الأربعة عقود على قاعدة المذهب الإمامى الإثنى عشرى، بإلهام نزعة مهدوية، أخذت تستبدل ـ منذ صدر كتاب الخمينى (الحكومة الإسلامية) عام 1971م ـ الشيعية التقليدية التى يمتلأ زمانها بانتظار الإمام الغائب، بشيعية (سياسية) تقول بولاية الفقيه، ذلك الرجل القادر على استبطان الحقيقتين الدينية/ الروحية، والعملية / السياسية. وهكذا تم تشكيل نظام خلاصى، طالما ادعى القداسة الدينية تأميما لمفهوم السياسة الدنيوية، باعتباره الوكيل الوحيد للفعل الإلهى الفاضل فى التاريخ.

وإذ كان التاريخ قد وشى دوما بأن كل محاولات الخلاص خارج قوانينه لم تكن سوى هوامش على متنه، فالأغلب أنه سيصرخ بهذه الحقيقة فى البرية الإيرانية. وعندها سينمو الصراع حول المرجعية الدينية، على منوال ما جرى إبان الثورة الخضراء، أعقاب انتخابات 2009م، التى أوقعت دماء وطرحت أسئلة تم قمعها بعنف، أملا فى زوالها، ولكنها لن تزول بل الأغلب أن تتجدد بدرجة أكبر من العمق والجذرية. فالنظام الإيرانى، ككل نظام مغلق، ينمو على العزلة، ويتغذى على مشاعر الخوف، ويتقوى بالحصار. فما أن ينتهى الخوف، ويتفكك الحصار حتى تتوالى الأسئلة، التى سرعان ما تتحول إلى مساءلة، تقود جميعها إلى مطالب مشروعة لشعب عريق فعلا، له الحق فى تقرير مستقبله والسيطرة على مصيره. وإذا كان الولى الفقيه قد تخلص من آفة انتظار الإمام الغائب، ليأخذ الزمن بيده، ويصنع التاريخ بنفسه، فالأغلب أن تنزع الأجيال الإيرانية الجديدة إلى الخلاص من آفة انتظار الولى الفقيه نفسه، لتأخذ حاضرها بيدها وتصنع مستقبلها على أعينها.

صعود وهبوط الدور المصرى

فى المجال الجغرافى العربى

لعبت مصر فى الحقبة الحديثة الممتدة عبر مائتى عام تقريبا تلت حكم محمد على، دورا محوريا فى محيطها الإقليمى استنادا إلى موقعها المركزى وكتلتها الحيوية الكبيرة نسبيا، وأيضا سبقها الإقتصادى داخل الإقليم على أرضية الثورة الزراعية، وكذلك ريادتها الثقافية سواء الموروثة تاريخيا عن احتضانها للأزهر قلعة الإعتدال السنى، أو المكتسبة بفعل سبقها إلى الحداثة الفكرية، وتجسيدها لدور الجسر الذى عبرت عليه إلى جل المجتمعات العربية. غير أن هذا الدور قد اتخذ أشكالا عدة فى مراحل تاريخية متباينة:

المرحلة الأولى هى التمدد الجغرافى ـ العسكرى، وتتمثل فى مشروع محمد على باشا، الذى انتقل بمصر من بنية العصور الوسطى إلى فضاء العصر الحديث على أصعدة التعليم والزراعة والتصنيع، خصوصا العسكرى حتى شهد مؤرخ غربى بحجم توماس لوتسكى بأن ترسانة الإسكندرية البحرية تفوقت على مثيلتها بطولون الفرنسية، نهاية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، فى تصنيع بعض أنواع البوارج البخارية، مثلما تفوق الأسطول المصرى على نظيره الفرنسى فى نسبة السفن البخارية قياسا إلى السفن الشراعية.

فى موازاة ذلك صعد دور مصر الإقليمى على نحو جعلها رقما صعبا يكاد يرث الحضور التركى فى المعادلة الدولية، ويدق بوابة المشروع العربى، الأمر الذى حفز قيادات عربية عديدة إلى السير على طريق محمد على فى مواجهة القوى الإستعمارية، ومحاولة بناء دول مركزية قوية من المجتمعات الموروثة، شبه الإقطاعية، وخصوصا داود باشا فى العراق، والأمير بشير الشهابى فى لبنان محتميا بدعم محمد على وابنه إبراهيم باشا، والباى أحمد فى تونس. كما حفز المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين بقيادة أحمد بك فى مدينة ططرى بعد استسلام حسين باشا داى فى العاصمة. غير أن المشروع العلوى عانى انكسارا حادا أمام الضغط الأوروبى بتوقيع معاهدة لندن عام 1840م التى قلصت الحيش المصرى من 250 ألف إلى 18 ألف جندى، وحاصرت الحيوية المصرية، خصوصا وأن الدولة الحديثة كانت تتمحور حول الجيش الذى لعب دور الحامل التاريخى لها، وعندما تم تفكيكه، انهار المشروع كله قبل أن ينجز استنارة مجتمعية عميقة أو يرسخ تحديثا واسعا وإن وضع فى التربة بذورا أزهرت بعد حين.

أما المرحلة الثانية فدشنتها ثورة يوليو 1952م، حيث كان الإنتشار السياسى الثقافى لمصر الناصرية التى تمكنت من قيادة حركة التحرر العربى، بفعل ما امتلكته آنذاك من موارد ديمغرافية واقتصادية وعسكرية وثقافية، مثلت ربع كتلة العرب السكانية، ونصف قوتهم الإقتصادية، وثلثى طاقتهم الثقافية، وثلاثة أرباع قوتهم العسكرية، وهى القدرة الشاملة التى مكنتها من التصدى منفردة لمطامع العراق فى الكويت مطلع الستتينيات. غير أنها أفرطت فى الإنفاق منها بلا رشد، عندما تورطت فى التزامات عسكرية أثقلت كاهلها خصوصا فى اليمن، حتى كانت هزيمة يونيو التى شغلتها بنفسها، واستهلكت طاقاتها فى مجرد تجاوز محنتها بعبور أكتوبر المجيد، الذى فتح أمامها طريق العودة. ولكن عندما أخذت هى فى العودة كان العالم قد أخذ فى التغير، فيما عجزت هى عن ملاحقته بالإيقاع نفسه، فأخذ دورها فى التآكل ومالت هى إلى الإنكفاء، الذى تغذى على حال الإستقطاب السياسى العربى أعقاب معاهد السلام مع إسرائيل. ولهذا لم يكن ضمن حساباتها مجرد التفكير فى المواجهة المنفردة للغزوة العراقية الثانية، مطلع التسعينيات، ولم تقدم أكثر من دعم لوجيستى من داخل محور إعتدال عربى، لعاصفة الصحراء تحت القيادة الأمريكية، حيث وضعت العقود الثلاث وما شهدته من انتشار لعناصر القوة بين دول الإقليم، العديد من القيود على حرية تحركها.

وقد زاد من تلك القيود الدور الذى لعبته الولايات المتحدة فى حصار الحيوية المصرية، إذ نظرت دوما بارتياب إلى دورها القيادى المعطل لإعادة هيكلة المنطقة ضمن مفهوم الشرق الأوسط بشتى تجلياته. وعندما انفردت بالقطبية العالمية، قام العقل السياسى الأمريكى بعملية إسقاط تاريخى لجديد العالم الإستراتيجى (انتصارها فى الحرب الباردة) على واقع العرب السياسى، فسلك على أساس أن العالم العربى قد انهزم بالضرورة أمام إسرائيل عندما انهزم الإتحاد السوفيتى أمام الولايات المتحدة. وأن القومية العربية قد هُزمت أمام العقيدة الصهيونية، كما هُزمت الإيديولوجيا الشيوعية أمام الرأسمالية، وكأن القومية العربية، بكل عمقها التاريخى، مجرد إيديولوجيا سياسية قابلة للهزيمة والتلاشى. وكما تداعى نمط الحياة السوفيتى الإشتراكى بكل مقوماته أمام النمط الأمريكى الفردى، فقد توجب على العالم العربى أن يسلم قياده لإسرائيل كقطب إقليمى منفرد. وكما تم تفكيك الكتلة الاشتراكية حول روسيا ليتبدى انكشافها أمام الغرب، جرى محاولات تفكيك الكتلة العربية حول مصر ليتأكد انكشافها أمام إسرائيل.

وعلى رغم السمات الإيجابية للسياسة المصرية، والتى تبلورت منذ أربعة عقود على الأقل حول ثلاثية السلام والإعتدال والاستقرار، قياسا إلى إسرائيل، التى طالما عاكست تلك القيم وأثارت القلق فى الإقليم، فقد انحازت الولايات المتحدة لإسرائيل، كونها بنتا للحضارة الغربية، ومنوالا فى نشوء الدول نسجت عليه التجربة الأمريكية، فكلتيهما، بحسب تصورات اختزالية صهيو ـ مسيحية، بمثابة مدينة مقدسة تقبع فوق التل، تتمدد هنا فى ظل شرعية العهد القديم للكتاب المقدس، وتتمدد هناك بإلهام العهد الجديد من الكتاب نفسه. وفى المقابل تبقى مصر، تلك القوة التليدة، صاحبة الدعوة التوحيدية للمنطقة العربية، والمدرسة الوسطية فى الثقافة الإسلامية، هى الأبعد عن القلب الثقافى الدينى، ولو اقتربت من العقل السياسى الإستراتيجي. ومع اندلاع الحروب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واللبنانيين عامى 2006، 2008م بدت مصر فاقدة للشعور بالسيطرة على مصيرها، عاجزة تماما أمام العدوانية الإسرائيلية، إلى درجة فسرها البعض بالتواطؤ، على نحو جرح كبرياء الجماعة المصرية، وأسهم فى الغليان الثورى الذى أفضى إلى 25 يناير.

وهكذا نجد أن الولايات المتحدة، انطلاقا من رؤية قصيرة النظر تنحاز إلى المشروع الإسرائيلى التوسعى على حساب الدور المصرى التوحيدى، ومن رؤية اختزالية تعتقد أن التصدى للأصولية السنية وحدها يمثل واجب الوقت، قد غضت الطرف عن التطرف الدينى اليهودى، وأقامت حربها ضد الإرهاب على معايير مزدوجة تفتقد إلى الإتساق، رغم أن المقاومة الناجحة له تفترض تجفيف كل مصادره، وليس أحدها فقط، ولا من التحالف مع الأقل سوءا ضد الأكثر شرا.. نعترف هنا أن الأصولية السنية تشهد ذروة إنفجارها اليوم، بما لايدع مجالا سوى الاحتشاد فى مواجهتها لكن، وفى المقابل، ثمة أصوليتين: أولاهما يهودية تتغذى على جسد إسرائيل العلمانية، وتسعى إلى تحويلها دولة دينية تذكى الحروب الطائفية، حيث تبرر انتهاكات الحريديم/ اليهود الأرثوذكس للمقدسات الدينية، وعلى رأسها الأقصى، كل أشكال التطرف السنى. وثانيتهما شيعية، تغطى على طموح إيران القومى، حيث أفضى الاضطهاد الأمريكى للمكون السنى فى العراق، مع محاباة المكون الكردى، والحياد السلبى إزاء المكون الشيعى، قبل الإنسحاب منه، وإخلاء الطريق أمام إيران للتغلغل فيه، إلى ميلاد وتوسع تنظيم الدولة (داعش) بكل وحشيته، التى تكاد تفتكك بسوريا مع العراق، كرد فعل مأساوى على المظلومية السنية، فى بلد عرف تاريخيا بحدة شخصيته الوطنية، وميله إلى توسل العنف فى كل الاتجاهات.

مهمات ثلاث ضرورية

لاستعادة الحيوية المصرية

يكاد يكون مستحيلا مجابهة الضغوط المتزايدة على المنطقة وتوقيف الإنهيارات المصاحبة للعديد من الدول الوطنية العربية من دون استعادة الحيوية المصرية كاملة، وذلك عبر النهوض بثلاثة مهام أساسية، تبدأ جميعها فى موازاة التعاطى الفعال والسريع مع أزمتيها الكبريين: الإقتصادية، وهو تعاطى بدأت بوادره فى مؤتمر شرم الشيخ أو الإرهاب الذى تخوض ضده معركة عنيفة وربما طويلة.

المهمة الأولى تنشيط دورها العسكري، خروجا على الحذر الموروث عن عقود ثلاثة ماضية، لم تخرج خلالها عن حدودها إلا ضمن الحشد الدولى لتحرير الكويت، ولم تكن قادرة على تحريك مدرعة فى سيناء إلا بموافقة إسرائيلية وربما وساطة أمريكية. ولهذا كانت الضربة الجوية لداعش ليبيا تطورا لافتا ومهما على هذا الصعيد، أبرز ما فيه أنه حدث دون استئذان من أحد. فرغم كل التحولات التاريخية فى بنية الأدوار الإقليمية والعالمية، تبقى للقوة العسكرية مركزيتها.. نعم لا يكفى السلاح وحده لصناعة المكانة الاستراتيجية، التى تتطلب عناصر قوة أخرى ناعمة، ولكن غيابه يفقد هذه العناصر كلها العمود الفقرى الذى تستند إليه، ما يدفع إلى تناثرها ويسحب سلطان الهيبة من صاحبها.

يبقى مهما هنا صياغة إطار (شرعى) للدور العسكري، ومن ثم تكمن أهمية مشروع القوة المشتركة التى أقرتها القمة العربية الأخيرة (مارس 2015م)، كأداة تفعيل لاتفاقية الدفاع العربى المعطلة منذ عقود، وإشارة رمزية لميلاد إرادة عربية، تتجاوز حالة الخوف، والإنكفاء على النفس. غير أن ترتيبات بنائها تكتسب أهمية كبرى ليس فقط فيما يتعلق بالمسائل الفنية: تشكيلها ومستوى تسليحها، بل أيضا، وربما أساسا، بالإطار السياسى والأخلاقى الضابط لها، ما يفرض إخضاعها لقيدين: أولهما ميثاق أخلاقى يضبط العلاقة بين الجماعات القومية والأقليات المذهبية، وبين الدولة الوطنية العربية، على نحو يحمى تلك الأقليات من ديكتاتورية الأغلبية، ويحمى الأغلبيات من غطرسة الأقليات، وذلك عبر التحديد الصارم لمعايير التدخل انطلاقا من أساس مبدئى يتمثل فى الحفاظ على أركان الدولة الوطنية. وثانيهما مجلس عربى للسلم والأمن، يتكون من سبع دول، مثلا، من بينها ثلاث دائمة بحكم مركزيتها فى بنية هذه القوة، مع انتخاب الأعضاء الأربعة الباقين دوريا لمدة عامين، تمثلا لأقاليمهم الجغرافية. على ألا يخضع التصويت لشرط الإجماع، ولا لحق الفيتو، لأن كليهما معطل، بل يكون بأغلبية خمسة أعضاء من سبعة، ينبنى عليها قرار تدخل تلك القوة فى مناطق النزاعات.

والمهمة الثانية صوغ مشروع سياسى لدولة وطنية، يمتلك عنصر الجاذبية، ويتأسس على القيم الأكثر حداثة، المفترض أن يحوزها القائد التاريخى، فالمكانة ليست هبه إلهية لها طابع الأبدية، والأدوار ليست منحا تعطى لأحد أو تنتزع منه، بل ثمرة طبيعية لشخصية المكان، وفاعلية البشر فى الزمان، وقد يأتى وقت يفقد فيه البشر قدرتهم على مواكبة روح المكان لعارض يصيبهم، غير أن هذا لا ينال من شخصية المكان، ولا يحول دون قدرة أهله على مراجعة أنفسهم بغية تعديل المسار واستعادة السيطرة على المصير. وإذا كان سبق مصر إلى "الحداثة الثقافية"، ولعب دور الجسر الذى عبرت عليه القيم، والفنون، والفكر الحديث، إلى العالم العربي، وفر أرضية جذابة لدورها على مدى قرنين مضيا، فقد تقادمت تلك الجاذبية، وصارت بحاجة إلى تجديد سحرها بقيم "الحداثة السياسية" كالدولة الوطنية، والعلمانية المعتدلة، والنزعة الفردية، والديمقراطية التمثيلية. ولكن تبقى طريقة التبشير بتلك القيم بالغة الأهمية، فليس مطلوبا هنا تكرار المسالك الاقتحامية لمصر الناصرية، التى أحالت (العروبة الثقافية) إلى إيديولوجية سياسية حاولت فرضها على طريقة الخمينى فى تصدير الثورة الإسلامية، بل تجسيد النموذج المرغوب داخليا، والتعويل على الأثر الإشعاعى له فى تحقيق المطلوب منه، ليقتفى أثره من يرغب فيه بشكل طوعى، بحسب تقاليده الثقافية، ومواريثه المجتمعية، احتراما للدولة الوطنية العربية كفضاء سياسى معتبر وراسخ، حاولت القومية المؤدلجة اختراقه، بينما تأسس الإسلام السياسى على إنكاره، بفعل رغبتيهما فى صوغ أطر فوقية أوسع منها، فإذا بهما يورطان فى صراعات طائفية تقودنا إلى ما هو دونها.

هذا النموذج، الجذاب هو الأقدر على إعادة صف الكتلة العربية، ودعم المحور السياسى الناشئ بين مصر ودول الخليج، خصوصا السعودية والإمارات، كنواة تحالف عربى يجمع بين: جمهورية رئاسية، وملكية تقليدية، وإمارة رئاسية، تختلف فيما بينها حول نظام الحكم ومرجعياته، ولكن يجمع بينها قيم الإخاء العربى، وتضامناته، على نحو تجسد من ناحية فى الدعم المالى والسياسى الخليجى، الذى يكاد يمثل مشروع مارشال عربى، صلب عود المصريين فى واحدة من أخطر لحظات وجودهم، أعقاب الثلاثين من يونيو. ومن ناحية أخرى فى الدعم المصرى السياسى والعسكرى لدول الخليج، دفاعا عن حياض العروبة فى اليمن، ضد الإنقلاب الحوثى والإختراق الإيرانى.

أما المهمة الثالثة فهى التحديد الدقيق لمعالم رسالة ثقافية، تمنح للقوة العسكرية شرعيتها الأخلاقية، وللمشروع السياسى جاذبيته الإنسانية، فلا يعنى استعادة الدور أن تصبح مصر فتوة الإقليم، بل قائده الملهم، الذى لا يتعصب لمشروع قومى شوفينى ضد الفرس والترك والكرد، ولا يتورط فى حروب دينية مذهبية بين السنة والشيعة، على منوال حرب الثلاثين عاما الأوروبية، بل يؤسس لمشروع عربى متمدين يستوعب الأقليات العرقية والمذهبية فى الإقليم على قاعدة الإسلام الحضارى، ويفتح الباب لعلاقة بناءة مع تركيا وإيران، من دون عقد نقص، فمصر دولة حضارة هى الأعرق بالقياس إليهما، ودولة مركز تحوز من موارد القوة ما يعادل الأولى ويفوق الثانية.

هنا يتعين على مصر ألا تغلق الباب أمام استعادة تركيا، بعد عودتها المنتظرة عن المسار المتطرف الذى تورطت فيه بتأثير طبيعة أردوغان الشخصية، حيث يتلاقى الطموح الكاريزمى مع الطبيعة الحادة، والتسرع فى صوغ الرؤى، مع الجذرية فى اتخاذ المواقف، وهو ما تجلى فى مقاومته المستميتة لانكسار الموجة الإخوانية فى الثلاثين من يونيو 2013م، ودفعه إلى عداء الجمهورية الثانية المتولدة عنها. وترتيبا على ذلك يتوجب عدم الشماتة فى التراجع الحالى للنموذج التركى، لأن تركيا الكمالية، حيث العلمانية المتطرفة المتنكرة للإسلام فى الداخل، والمتحالفة مع إسرائيل فى الخارج، لم تكن هى النموذج المرغوب عربيا، قياسا إلى النموذج الذى جسده العدالة والتنمية لنحو العقد، قبل أن ينحرف باتجاه إسلام إخوانى، وهو انحراف حاول الشعب التركى نفسه تصحيحه سلميا فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وعلينا أن ننتظر ثمار المحاولة، وأن نبنى عليها.

ولا مانع هنا من أن تبدى مصر درجة من المرونة إزاء أدوار محتملة للتيارات المنسوبة إلى الإخوان المسلمين سواء فى ليبيا أو سوريا أو اليمن، رغم قناعتى بضرورة اجتثاث تنظيم الجماعة الأم هنا، فلكل بلد ظروفه، وإذا كان البديل للجماعة فى مصر يتمثل فى القوى المدنية، فقد يكون هو داعش أو النصرة أو القاعدة فى بلدان أخرى. ومن ثم لا يجب خوض حرب طواحين هواء ضد بؤر الإخوان فى الخارج، ربما مثلت عامل إرهاق وتعطيل أمام مهمة إعادة بناء تحالفات مصر الإقليمية خصوصا مع تركيا، وفى صون تحالفاتها القائمة خصوصا مع السعودية، فالمهم لدينا أن تلتزم البؤر الإخوانية خارج مصر باحترام الدولة الوطنية القائمة هناك، وأن تحترم تركيا كل الخيارات المصرية المتعلقة بالأوضاع الداخلية، لينفتح الطريق أمام تعاون ثلاثى مصرى سعودى تركى، لا مانع من أن تلعب فيه المملكة الشقيقة دور الوسيط.

كما يتعين ممارسة السلوك نفسه إزاء إيران، التى تقضى أى استراتيجية حصيفة للأمن القومى العربى بالحوار المباشر والتفاوض الشجاع معها بدلا من اللهاث خلف ذيولها، والتورط فى حروب مذهبية بالوكالة، القاتل والقتيل فيها عربا. وإذا كانت المشاركة المصرية فى عاصفة الحزم ضرورة استراتيجية لحماية باب المندب، وموقف مبدئى لدعم أشقاء الخليج، فمن المهم لمصر الإصرار على تعريف الصراع سياسيا لا مذهبيا، ليبقى التدخل العسكرى فى إطار رفض إنقلاب جماعة سياسية أقلوية على شرعية سلطة حاكمة، وليس حربا مذهبية من دول سنية ضد أقلية شيعية. صحيح أن ثمة عاملا إيرانيا، ولكن على العرب تعريفه باعتباره طموحا سياسيا قوميا، فالتعريف القومى للصراع إنما يحشد مشاعر العرب خارج اليمن، ويكسب قلوب الزيديين من غير المنتمين للحوثيين، بل ويدغدغ مشاعر الحوثيين أنفسهم، فلا يمانعون فى الجنوح للسلم، ولا يشعرون أن عودة التزامهم بالشرعية بمثابة هزيمة مطلقة، ما يقصر من أمد الحرب، ويفتح الباب أمام حلول سياسية يمكن لمصر أن تلعب فيها دور الوسيط بين الحوثيين وإيران من جانب، ودول الخليج خصوصا السعودية من جانب آخر، بإصرار يفوق ما هو قائم الآن، مع توظيف علاقتها المتنامية بروسيا فى تفعيل تلك الوساطة، تسهيلا لحل أزمات المنطقة الأخرى خصوصا فى سوريا وليبيا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق