الجمعة 1 من شوال 1436 هــ 17 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46974

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فن عصرنة وإرهاب

ظبية خميس
كان يمكن أن يرقد جثمانه فى تابوت أنيق فى كنيسة جميلة وتعزف الألحان وتغنى الترانيم الجنائزية ويدفن فى مقبرة تحت الصليب بقرب أمه وأبيه وأجداده,أو فى مقبرة لكسمبورغ الجميلة فى باريس,لكنه رقد أمام صلاة الجنازة فى جامع,وورى الثرى فى مقبرة ما فى السيدة نفيسه فى القاهرة.

عمر الشريف حياة وموت يدعوان للتأمل.ازدوجت حياته بالاختيارات:من المسيحية إلى الإسلام,ومن تجارة الأخشاب إلى السينما,ومن الجذور اللبنانية إلى المصرية,ومن السينما المصرية إلى العالمية وربما ازدوجت جنسيته أيضا.وحتى فاتن حمامة حب حياته وزوجته الوحيدة المعروفة للعالم كانت من برج الجوزاء فيما كان هو من برج الحمل النارى.صنع حياة مختلفة لفنان عربى فقد سطع اسمه فى العالم وتجاوز فنه كل محلية وتصدرت أخباره كأشد النجوم وسامة العالم.لعب البريدج وصاحب نجمات هوليوود وعشق سباق الخيل وباريس وقدم شخصيات من كل مكان فى العالم من در زيفاجو الروسى إلى شى غيفارا اللاتينى إلى البدوى والأمريكى والبريطانى وغيرها من شخصيات.لكنه طوال الوقت كان يهذى بجذوره وبمصر ويحب أن يردد قصة حبه لزوجته السابقة فاتن حمامة حتى آخر عمره.

سنواته الأخيرة مؤلمة نفسيا له,صورة تكررت لأخطاء صغيرة وعصبية وحالة ذهنية مشوشة.فقد كل من أحبهم من أصدقاء من أحمد رمزى ويوسف شاهين وفؤاد المهندس ومعشوقته فاتن حمامة فكيف لا يصاب بالزهايمر والإكتئاب؟!وما الحياة بدون من نحبهم وما نتذكره من علامات طريق وبشر وحياة.لا المجد ولا الشهرة ولا المال ولا سياحة العالم تعوضنا عن ذلك الحب الشخصى العزيز على النفس والذى نراه فى بريق أعين من عرفونا وعرفناهم وكانت المحبة طريقنا معا لزمن طويل.

فاتن حمامة جسدت الأنوثة العصرية بإمتياز مع جيل من ممثلات أخريات كنادية لطفى وشادية وزبيدة ثروت وهند رستم وناريمان وزهرة العلا وسعاد حسنى وميرفت أمين ونجلاء فتحى وغيرهن من بنات عصرها وما بعده بقليل.وعمر الشريف جسد عصرية الرجل الشرقى على الشاشة مع زملائه مثل رشدى أباظة وكمال الشناوى وصلاح ذو الفقار وعماد حمدى وغيرهم.لقد غيرت السينما العربية طوال عقود من الزمان نمط الحياة ومفاهيم الأنوثة والذكورة وعصرنت المجتمعات العربية بطريقة حياتها وقصص التمرد والحب والتحولات الإجتماعية والسياسية كما قد فعلت روايات إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ ويوسف السباعى وغيرهم على الشاشة الفضية.لم يعد البيت العربى معزولا عن أفكار هذه النخبة الفنية والأدبية فى كل الدول العربية,فحتى موديلات الملابس والأزياء وديكورات المنازل بل حتى تعبيرات الحب وقصص الغرام كانت صدى لذلك الذى تطرحه الشاشات والأغانى والكتب العصرية فى ذلك الزمان.من لم يحب على وقع غناء أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة,ومن لم تحلم بفساتين ليلى مراد وصباح وفاتن حمامة ,ومن لم يكن فتى أحلامها يشبه رشدى أباظة وعمر الشريف من الأجيال السابقة؟

كانت جنازات الفنانين جنازات أحلام وصداقة ومحبة بين الجمهور والفنان كما حدث فى جنازات أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ بل جنازة سعاد حسنى وفاتن حمامة وغيرهم.كان وداعا من القلب لفترة زمنية وذكريات وجدانية عاشتها أجيال ما.كان هناك مكان للحزن والدموع بل والإنتحار أحيانا كما فعلت فتيات ألقين بأنفسهن من الشرفات عندما مات عبدالحليم حافظ مثلا.

عاد عمر الشريف ليقضى سنواته الأخيرة فى مصر وليموت ويدفن فيها كما قد نقل عنه.ولكنها مصر الذاكرة والمشاعر القديمة الحلوة التى صاحبته فى تنقله بين القارات.لم يعد إلى بيت بل إلى فنادق,ولم يعد إلى أصدقاء فقد ماتوا,ولم يعد إلى عائلة ففاتن قد تركته منذ سنين طويلة وماتت هى أيضا.

فى الأسابيع الأخيرة من حياته,كانت التفجيرات تضرب القاهرة من مصر الجديدة إلى وسط البلد,وكانت سيناء تشتعل بالإرهاب أيضا,وضرب زلزال القاهرة كما ضربتها رياح عاصفة.مبنى المركز الثقافى الإيطالى التاريخى قد هشمته التفجيرات,كما قد فعلت قبل ذلك بالعديد من الكنائس ومراكز الشرطة ومبان أخرى.

هذه ليست مصر الأربعينيات والخمسينيات التى عاشها عمر الشريف وفاتن حمامة المسلمة والمسيحى الذان تزوجا وأنجبا بشكل عادى جدا فى بلد متسامحة وعصرية ومتقدمة تحلم بالذهاب أكثر نحو التطور والحداثة والتعايش.ليست مصر أفلام الأبيض والأسود المترعة بالأناقة والرومانسية وحفلات الرقص والغناء وشياكة الشباب وأناقة النساء الأوروبية والعشق فى حديقة الأسماك والسهر فى الأوبرج.هذه مصر أخرى أفلامها ومسلسلاتها تمتلئ بوجوه فظة عن قصص القتل والدعارة والمخدرات والإرهاب والكيف والكوميديا الثقيلة برجال لا وسامة لهم إطلاقا ونساء منفوخات بإبر البوتكس والفيلينج والمكياج الثقيل والشتائم والسباب فى مسلسلات وأفلام يشاهدها الأطفال قبل الكبار.عصر المطاوى والسينج والجرائم السايكوباتية.

هذه شاشات تتحدث عليها أفواه فاغرة شفاهها عن كلمات الحرام والحلال وعذاب جهنم وكارهة لغير المسلمين وللمسلمين أيضا.شاشات تنقل القتل وقطع الرقاب وتدمير المدن وفتاوى ضد الحداثة والعصرنة وتحرير المرأة وحرية الإنسان على الهواء مباشرة.زمن نجومه بوحة وصافى ناز وداعش والغبراء وشوارع مهلهلة وإعلانات تجمع التبرعات لمرض السرطان وأطفال الشوارع جنبا إلى جنب مع إعلانات العقارات الفاخرة والمقوى الجنسى وعمليات التجميل!

بالتأكيد ليس زمن فاتن حمامة ولا عمر الشريف ولا نجيب محفوظ ولا إحسان عبدالقدوس ولا فاروق ولا جمال عبدالناصر ولا عبدالحليم حافظ ولا فيروز ولا أمل دنقل ولا نزار قبانى.رحم الله الزمان ورحم كل رموز الحداثة والعصرية والتحضر العربى الذى نودعه يوما بعد يوم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق