الجمعة 1 من شوال 1436 هــ 17 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46974

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عمر بعيون عبدالحليم حافظ

منير عامر
لم أكن أعلم أنا كاتب هذه السطور أنى سأعود إلى أيامى مع عبد الحليم حافظ حين إختارنى فى يناير 1964 لأكون الشاهد والكاتب لأيامه ،

 وكتب خطابا بذلك لروز اليوسف موصيا بأن يكون ما أكتبه هو المرآة التى حكى فيها أيام عمره ، سواء أثناء حياته أوبعد رحيله . أتذكر أنى كتبت عنه ما قرأه بعيونه وما صار شاهدا عليه بعد رحليه ، وهاهو صديق أيام البدايات عمر الشريف يرحل ، لأفتح من جديد صفحات التذكار .

الآن صار من السهل لقاء الأصدقاء الأربعة أبطال فيلم «أيامنا الحلوة» والذى كانت وقائعه غيرقابلة للتصديق ، لكنا أحببناه ، فـ»أيامنا الحلوة « قد تبدو بعيدة عنا رغم أن أيا منا إستطاع الزمن أن يخفف أوجاعا مضت ، يرجو الأيام ألا تحمل له أوجاعا أخرى .

الآن يلتقى عمر الشريف مع صديق أيامه الأوروبية عبد الحليم حافظ ، وأحمد رمزى هذا الشاب اللاهى ، رغم أن اللقاء الوحيد بينى وبينه حمل عدة عتابات لعبد الحليم حافظ ، وعلى الرغم أيضا أن اللقاء الوحيد قد جرى بعد رحيل عبد الحليم بسنوات ، لكن عتابا شديدا بقى فى قلب أحمد رمزى لأن المسافة بين بيته وبيت عبد الحليم لا تتعدى عشرات الأمتار ، ورغم ذلك لم يكن يسأل عنه ؛ و على الرغم من وجود عمر الشريف فى قارة أخرى إلا أنه لا يمل من السؤال عن أحوال أحمد رمزى .

يتذكر أحمد رمزى كيف كان عبد الحليم لا يفارقه أثناء مهرجان التليفزيون الأول بالمنتزه ، فقد كان عبد الحليم معجبا بغير حد بكلوديا كاردينالى ضيفة هذا المؤتمر ، وكيف أخرجت لعبد الحليم لسانها وهى تقول له « أنا من أصل عربى .. وأنت من نفس الأصل .. لكن غربة الأجداد جعلتنا لا نتواصل إلا بلغتك الإنجليزية الركيكة ، وعجزى عن فهم لغتك العربية ، لكن صديقك يتحدث الإنجليزية بطلاقة . وأخرجت كلوديا لسانها لعبد الحليم وهى تصحب أحمد رمزى ليشرح لها معظم ما يقال حولها بالعربية . كان سبب إخراجها للسانها أنها تعلم أن عبد الحليم مشهور بأنه « فرانك سيناترا السويس « فهو صوت انتصار مصر فى السياسة بعد تأميم قناة السويس ، وهو من غنى للعرب وللمعارك ، وأنه مشهور فى الجزائر والمغرب أكثر من أى نجم آخر ، لكنه ليس فى وسامة عمر الشريف الذى تتمنى أن تصادقه لكنه يقبل صداقتها ب»أدب بارد « عكس صداقته مع صوفيا لورين التى يمكن أن يقال عنها أنها صداقة بين شاب وفتاة تربيا فى حى شعبى إيطالى . وكان عبد الحليم لا ينسى كلماتها عن عمر الشريف ، وكيف أنها تفضله عن فرانك سيناترا ، هذا الذى لم تحبه أبدا لغروره ولانه يبدو كمن قام بجريمة ثم راح يستغل صوته كى يخفيأ آثار الدماء التى خلفتها جريمته .

**

وكان عمر الشريف الحاضر دائما فى رأس عبد الحليم وأحمد رمزى ، كان عمر الشريف هو مفتاح لندن وباريس والولايات المتحدة بالنسبة لعبد الحليم، فلم ينس عبد الحليم أبدا أنه إحتاج ذات يوم إلى ألفى جنيه إسترلينى طالبته بها معامل تحميض الأفلام الملونة بلندن ، وما أن علم عمر الشريف بذلك حتى ترك باريس إلى لندن وليسدد المبلغ نيابة عن عبد الحليم صاحب شركة صوت الفن المنتجة لفيلم « أبى فوق الشجرة « ، وما أن وصل عبد الحليم إلى لندن حتى بادر بلقاء عمر الشريف ليرد له الدين ، بعد أن إستطاع تحويل المبلغ من مصر . وأصر عمر على الرفض ، وأصر عبد الحليم على أن شركة صوت الفن هى التى تتحمل هذا المبلغ .

وكل من عمر وعبد الحليم ينظران إلى النقود نظرة واحدة يملكها كل «مدمن للعب الكوتشينة» ، فكل منهما له صولات مع أوراق الكوتشينة، عمر بطل محترف فى لعبة البريدج ، عبد الحليم بطل محترف فى لعبة الكومى والبلاك جاك . وكل من له علاقة بتلك الألعاب يعلم أن أغلى ما عند اللاعب هو ثباته ، وقدرته على المناورة ، وعدم الاعتراف فى أثناء اللعب بأن هزيمته قادمة ، فالهزيمة والنصر فى لعب الأوراق هو احتمال ، ومن يملك ثبات أعصاب يمكنه أن يقلب احتمال الهزيمة إلى إنتصار . أما النقود فهى ليست أكثر من « دلالة « ، لذلك يحتفظ أغلب لاعبى الورق بقدر من النقود بعيدا عن موائد اللعب ، كيلا يكون انسحابه مهزوما ماسا بكرامته الإنسانية ، فالنقود بحد ذاتها ليست الهدف من المكسب ، ولكن الهدف هو السيطرة على من أمامك ومعرفة كيف يمكن أن تنال منه .

وغالبا ما يعانى لاعب الورق من حالة «إمساك» تتبعها نوبات من « الإسهال « كما حلل هذا الأمر لى عالمنا النفسى الكبير محمد شعلان ؛ معلقا على نوبات الكرم غير التقليدية التى كان يعيشها عبدالحليم، فيشترى بالطو كشمير من هارودز للسفرجى الخاص به « عبد الرحيم « ولا يأذن بمائة جنيه سلفة للتمرجى الذى كان يقيم تقريبا فى منزل عبدالحليم ، وهو من طلب هذا المبلغ ، لأن إبنه الذى نجح بمجموع مرتفع فى الثانوية العامة صار رافضا لإرتداء الملابس القديمة المستعملة من عبد الحليم حافظ ، فقد كان الابن حالما بأن يرتدى ملابس جديدة تخصه وحده ولم يستخدمها أحد من قبل ، وطبعا لم يوافق عبد الحليم ، لأن عبد الحليم شخصيا بعد عام 1967 كان يفرح عندما يهديه الملك الحسن بعضا من ملابسه المستعملة ، فقد كان من عادة الملك الحسن أن يهدى من يحبهم بعضا من ملابسه. ولم يكن عبد الحليم يعلم أن رفضه لإقراض التومرجى مبلغ المائة جنيه سيتسبب فى إنتحار الممرض ، الذى بكاه عبد الحليم كثيرا وتكفل بنفقات تعليم أولاده ، ولم يغفر لنفسه أبدا الرفض السابق لإقراضه مائة جنيه .

**

وبعد هزيمة يونيو 1967 صار سفر عبد الحليم إلى لندن يتكرر بكثرة ، لأن النزيف كان يترصده ويهاجمه كثيرا . ولولا تكفل الملك الحسن بنفقات علاج عبد الحليم لكان الأمر شاقا . ولكن كانت مساندة عمر الشريف لعبد الحليم جاهزة طوال الوقت .

فقد ربط بينهما أكثر من خيط . لعل أهم تلك الخيوط هو التربية بعيدا عن عائلة ، فعبد الحليم قد عاش سنوات فى الملجأ ، لا يخرج منه إلا لبيت الخال ، الذى كانت زوجته قاسية بعض الشيء ، وعمر الشريف تربى فى كلية فيكتوريا ، وهى إقامة دائمة تشمل النوم فى عنابر فيها العديد من الطلبة . وقد يكون المستوى الإجتماعى لمن يتعلمون فى كلية فيكتوريا أعلى مئات المرات عمن يعيشون بالملجأ ولكن كل من الفئتين يعلم أنه محبوس فى جدران لا يعيش فيها أب وأم وأخوة ، بل كل الموجودين من نفس العمر ، تتراوح أنماط سلوكهم عدوانا أو صداقة ، ولكل منهم خيال يشتعل أثناء المراهقة بحكايات بعضها له لمحة من واقع وكثير منها مزيف .

والحقيقى عند عمر الشريف أن علاقة حب نشأت بينه وبين فتاة تكبره قليلا من مدرسة إنجليزية سكندرية ، وعندما اقترض سيارة الأسرة وسافر بها إلى القاهرة للقاء الحلوة حسب إتفاق مسبق ، كان اللقاء عند طريق خال تقريبا من البشر بجانب فندق مينا هاوس ، وفجأة ظهر الحبيب الفعلى للفتاة فى سيارة أكثر فخامة من سيارة عمر الشريف ، لتقول له البنت «شكرا لقد أوصلتنى لمن أحب فى الميعاد» وتركته وحيدا ، فترك هذا التصرف فى قلب عمر حالة عدم ثقة بالجنس الأخر على الإطلاق . ومن روى تلك الواقعة لى اثنان أولهما هو عبد الحليم حافظ عندما كان يحبس محمد الموجى فى فندق مينا هاوس ليتفرغ تماما لتلحين أغنية « رسالة من تحت الماء « ، ورواها لى أيضا السفير حسن عيسى طالب فيكتوريا الذى كان يعرف دبة النملة عند أى زميل له بكلية فيكتوريا.

أما عبد الحليم ، فنفس الحكاية تكررت معه فور أن بدأ مشواره الفنى ، فهناك راقصة كان اسمها «ميمى فؤاد» أحبت عبد الحليم ، وكانت واحدة ممن يرقصن ضمن تابلوهات الراقصة الأولى تحية كاريوكا، وكانت ميمى فؤاد تحلم بأن ترقص بمفردها أثناء غناء عبد الحليم حافظ ، لكنه كان لا يرغب فى تقليد فريد الأطرش الذى ارتبط أداؤه برقصات سامية جمال، وتلاه فى ذلك عبد العزيز محمود وعبد الغنى السيد وكل مطرب ظهر بعد شهرة فريد الأطرش ، كان عبد الحليم مسكونا بفكرة « التفرد « ، ولذلك تركته ميمى فؤاد لتقبل عرض زواج سريع من محمد الموجى ، وقد أثر ذلك فى عبد الحليم لبعض الوقت ، وظل هاجس التفرد يسكن عبد الحليم طوال أيام عمره ، فلم يمنح قلبه لإمرأة بشكل مطلق إلا للسيدة التى حصلت على الطلاق كى يتزوجا ، ولكن تذبذب عبد الحليم بين رأى إحسان عبد القدوس الناصح بأن يتزوج الرجل بمن يحبها ، وبين رأى مصطفى أمين بأن المطرب إن تزوج فالمعجبات سيقل عددهن ، فضلا عدم الثقة المتأصل عند عبد الحليم من تجارب تهرب فيها الحبيبة إلى أى طالب للزواج ، هذا هو ما وقف حائلا بين عبد الحليم والزواج سواء أكانت المرأة هى ميمى فؤاد أو سعاد حسنى أو ابنة الطبيب الباشا الذى حاولت إبنته الكبرى زوجة السفير المنتمى لثوار يوليو أن تدفع شقيقتها للزواج من عبد الحليم ، فتهرب عبد الحليم من اللعبة بأكملها ، كما تهرب من مذيعة ظلت تطارده لسنتين ، ولم تفلح ، ولم يتقرب عبد الحليم من فكرة الزواج إلا من واحدة تمت بصلة قرابة لزوجة مطرب كبير وهى التى غزلت له ملاءة سرير قالت أن خيوطها مغسولة بمياه نهر الأردن ، نهر تعميد نبى الله يحيى ، ومياه بئر زمزم ، وأن من ينام عليها ستتم له النجاة ، وبالفعل فرشها عبد الحليم على سريره الذى رقد عليه رقدته الأخيرة ، لكنهم أرادوا تغييرها ذات صباح ، وما أن قاموا بتغييرها حتى حدث النزيف الذى أعقبته وفاة عبد الحليم .

أما علاقة عمر الشريف بالمرأة : فكلنا يعلم قصة الحب العارم الذى ربطه بفاتن حمامة فى أول تصوير لفيلم «صراع فى الوادى» ، وكيف إستمر الحب قويا إلى أن لعبت فكرة العالمية بذهن عمر الشريف لتحصل فاتن على الطلاق . وبقى أثر ترك الحبيبة الأولى التى خذلت عمر الشريف تطارد كل علاقاته فهو من يستجيب للمرأة ، لكنه أول من يهرب من فكرة الإستمرار فى العلاقة ليعلق على شفتيه جملة « لم أحب بعد زوجتى الأولى امرأة تقنعنى بالزواج «

**

فى فينسيا وأثناء مهرجان سينمائى سنوى جاء اللقاء الثانى بين عبد الحليم وبين كلوديا كاردينالى ، وكان الثالث للقاء هو عمر الشريف.

كان موقف عبد الحليم مما جرى فى مصر بعدوان يونيو 1967 مختلفا عن موقف عمر الشريف ، فالصداقة كانت تجمع عبد الحليم بالمسئولين عن هزيمة 1967 أولهم عبد الحكيم عامر ، ومدير مكتبه شمس بدران الذى كان كثير الزيارات لعبد الحليم وكان عبد الحليم يغلف لقاءه بشمس بستار من الشكوى المرضية كيلا يطول اللقاء ، كما أن صلاح نصر كان يرصد عبد الحليم بعد أن شكاه لعبد الناصر حين دبر مسألة خطف سعاد حسنى لتكون إحدى محظياته . ولذلك كان عبد الحليم يخشى صلاح نصر متمتعا بإمكانية الوصول لعبد الناصر إن دبر له صلاح نصر أى أمر غير حقيقى ، خصوصا وأن صداقة عبد الحليم بكمال أدهم مدير المخابرات السعودية كانت محل تقييم ونظر طوال وقت حكم الرئيس عبد الناصر . أما عمر الشريف فهو من إستجمع شجاعته مع فاتن ليرفض الإثنان التعاون مع صلاح نصر بأى طريقة كما عرض عليهما ذلك الأمر .

ولذلك كان رحيل عمر الشريف للتمثيل خارج مصر جاء بعد إنتقال فاتن حمامة إلى بيروت لتقيم هناك .

إنسانيا كان عبد الحليم يرعى مصطفى أمين بعلم عبد الناصر أثناء سجن مصطفى أمين فى قضية التجسس ، فهو من تأتى إليه روايات مصطفى أمين التى تنشرها مجلة الشبكة أو الصياد ببيروت ، وكان صاحب المجلتين هو سعيد فريحة الذى يتلقى معظم تمويله من مصر ، وكان يرسل مكافأة المقالات لعبد الحليم ، وكان يسلم القيمة لأسرة مصطفى أمين . كان عبد الحليم لا يرفض طلبا لمسجون أو لصاحب رأى مختلف عكس عمر الشريف الذى كان يرى أن خلافات السلطة هى خلافات سياسية ، وخلافات السياسة عند عمر الشريف تتطابق مع خلافات العصابات ، لذلك كان يرفض على سبيل المثال أى لقاء مع فرانك سيناترا ويتجنبه وكان يتجاهل أى حديث عن الصهيونية أو الدولة الإسرائيلية ، فعمل الممثل فى الغرب مرتبط برأسمال أغلبه يهودى ، ولابد أن هناك صلة بين أى رأس مال وبين إسرائيل .

وكان اللقاء فى فينسيا بين كلوديا كاردينالى وعبد الحليم وعمر الشريف يتناول أى أمر إلا السياسة ، كانت كلوديا تذكره بمطعم السمك فى أبى قير الذى عزمها على الغداء ، ولم تكن تعلم أن هذا الكرم الحليمى كان بتوصية من د. عبد القادر حاتم الذى أقام أول مهرجان للتليفزيون بمصر ودعا إليه كلوديا كاردينالى .

وكان اللقاء الثالث مع كلوديا كاردينالى بين عبد الحليم وعمر الشريف بعد انتصار أكتوبر 1973 .

سقط من مشاعر عبد الحليم أيامها هذا الإحساس بأن كل الكلمات فارغة من أى معنى وهو الإحساس الذى غمرنا نحن المصريين بعد هزيمة يونيو ، ولكن بعد حرب أكتوبر صار للكلمات معنى ، ولكن تبقى فى ذاكرتى هذا الحوار الغريب الذى دار بين عبد الحليم وبيننا مجموعة أصدقاء وهو يتسلم بدلة شامواه على هيئة الملابس العسكرية أرسلها له الملك الحسن ، وكان لونها زيتيا بنفس لون العربة المرسيدس الأسبور والتى سبق وأهداها الملك الحسن لعبد الحليم . قال عبد الحليم : سأغنى بهذه البدلة أغنية « خلى السلاح صاحى « وهى الأغنية الوحيدة التى قبل كمال الطويل تلحينها لعبد الحليم من أغانى حرب أكتوبر ، فقد رفض تلحين أغنية « عاش اللى قال « ، كان كمال الطويل قد رفض بعد هزيمة يونيو أن يلحن أى أغنية تمجد لأى شخص اللهم إلا المواطن المصرى العادى . أضاف عبد الحليم : معلوماتى تقول أن السلام سيأخذ خطواته إلى حياتنا بعد هذه الحرب « . ظننت أن ينطق تخريفا ، فتاريخ اليوم فى رأسى هو الثامن عشر من أكتوبر 1973 ، قلت لعبد الحليم « إن الحرب مازالت دائرة « ، فقال : وخطوات السلام بدأت من المغرب .

وجاء سفر عبدالحليم إلى الخارج بعد إنتهاء الحرب ليتمشى فى شوارع باريس، لا أنسى أنه همس لى أنه تمنى أن حرب أكتوبر قد دارت أثناء حياة عبد الناصر لا بعد موته ، فلم يكن يكن محبة للسادات على الرغم من أنه وضع صورة له فى غرفة مكتبه ، وأرسل الصورة التى كانت تجمعه بعبد الناصر إلى مكتبه بشركة صوت الفن .

كان عبد الحليم على باب أحد محلات صغيرة عند مدخل ملهى « الليدو « حيث يوجد محل تملكه «مروة الجزائرية» التى كانت تبيع الأغانى العربية للمقيمين من العرب المقيمين بباريس . وكان عبد الحليم بصحبة عمر الشريف الذى ناوله « سن أبرة « ذهبية ليحملها ليوسف فرنسيس ، وكان عمر الشريف قد سمع بحكاية هذا السن اثناء تليفون من عبدالحليم ليوسف فرنسيس بالقاهرة . وكان عبد الحليم يعلن انه مدين ليوسف فرنيسى بتغييرات فى سيناريو « أبى فوق الشجرة « ، ساهمت بشكل كبير فى نجاح الفيلم بصورة لم يسبقه فيها فيلم مصرى . وفرح عبد الحليم بتلك الهدية وكأنها له شخصيا ، حيث سيكون سن الإيرة دقيقا فلا يسبب هذا الألم المعتاد الذى تسببه أسنان السرنجات العادية لمريض السكر ، ويوسف فرنسيس كان من أشهر مرضى السكر .

وتوقف عمر وعبد الحليم أمام المحل ليرقبا ثمانية من أنهار الضوء فى هذا الشارع.. شارع الشانزليزيه . وظهرت كلوديا كاردينالى ، كانت تعرفه جيدا ويعرفها ، لكنه كان يعلم أن الخجل كان يطل من لمسة يد أى مصرى يصافح يدا أجنبية بعد هزيمة يونيو التاريخية ، الآن تغير الموقف مع كلوديا كاردينالى هذه الفتاة الجميلة العفوية التى تعرف جيداً أن الإنسان العادى يحلم بالحب وبالوجبة الدافئة وبالحياة السهلة وبإجازة عطلة الأسبوع دون تكدير. ولكن التكدير فى كل مكان. وعلى حد كلماتها: «لماذا تبدو الأرض وكأنها كئيبة لا تحس أن سكانها يطلبون الحب وكلهم عطاشى للحنان. إننى لا أفهم. ولأنها لا تفهم ولأنها جميلة ولأنها حائرة أصبحت معبودة الشباب العادى فى أوروبا.

قالت: أهلاً بصوت السويس.

أحب عبد الحليم هذا الوصف ، قال لى ما أنقله الأن عن مذكراتى التى كنت أكتبها يوميا :كأنى سافرت لحظتها من باريس إلى السويس. جبل عتاقة يلون الأفق بألوان زرقاء وبنفسجية ورمادية وحمراء وبيضاء. يبدو كل شيء حقيقياً تماماً فى هذه المدينة. وجوه الناس. مصانع تكرير البترول. المباني. القناة. البحر. الكبائن. بيوت بور توفيق. ذهبت هناك أغنى للجنود. كانت عيونهم تقول أن 1967 يونيو كانت فخاً. تآمر العالم كله على طيبة الإنسان المصري.

واقترب من كلوديا صحفى باريسى وكان الحديث بينهما عن ميكانيكا الحياة. كيف تحول كل شيء إلى صناعة وكيف أن الرشاقة نفسها أصبحت صناعة وان لقاء الحب أصبح مهنة لها متخصصون.. وأن كل شيء فسد وأن المطلوب للإنسان هو لحظة عفوية يعيش فيها حراً بعيداً عن سجون الإعلان وسجون التجارة وسجون البضائع. وكانت كلوديا تتكلم كثائرة جميلة صغيرة السن تريد أن تقول أن الحياة لابد أن تكون أكثر جمالاً مما هى الآن.

**

مرة أخرى يكون اللقاء بين عبد الحليم وعمر الشريف فى لندن

جو لندن شتاء. لندن ليست دافئة إلا بلون بشرة جميلاتها. إنهن يرفعن درجة حرارة قلب الإنسان. المرأة فى لندن زهرة برية نقية تخرج من جبل الصقيع. يفرح بها الإنسان كثيراً. كانوا ثلاثة يسيرون فى الطريق. سير لورانس أوليفيه يقبل دعوة غداء وجهها عمر الشريف له ولعبد الحليم كان عبد الحليم مشدوهاً لبساطة سير لورانس أوليفيه. هذا الرجل الذى لعب معظم مسرحيات شكسبير.و صفقت له ملايين الأيدي، عاش قصة حب هائلة مع فيفيان لي، وكان الفصل الأخير من قصة الحب تدور أحداثه. اختلف لورانس أوليفيه مع فيفيان لي.. واقترب الطلاق. قالوا سر الطلاق هو البخل الشديد لسير لورانس. فجأة برز أمام الثلاثة شحاذ إنجليزي. قال الشحاذ بصوت جاف تختلط فيه الذلة بالكبرياء: سير، لا أريد أن أزعجك كثيراً. لكن هناك زوجتى تلد الآن. ليس معى نقود.. أطفالى سبعة. أنا لا أملك حق الدفء إلا بحب زوجتى لذلك فأطفالنا كثيرون. لا أكذب عليك وأدعى أنه ليس معى نقود. فى جيبى ثلاثة جنيهات. ماذا تفعل هذه الجنيهات لأسرة كبيرة العدد ولرجل يحب زوجته لأنها خمره الذى يسكر بحبها كل ليلة. إننى لم أسأل رئيس الوزراء لأنى أعطيت صوتى الانتخابى لمنافسه. سقط منافسه وسقطت معه بعض أحلامي. سيدى السير أريد مساعدتك المادية. لأن الديمقراطية الإنجليزية لا تلتفت إلى أحلام حب رجل فقير وزوجته.

وقف عبدالحليم وعمر الشريف مندهشين تماماً لأن سير لورانس أوليفيهأ خرج من جيبه النقود كلها وأمسكها بيديه ليعطيها للرجل نقداً وعداً-إليك أيها الرجل. عشرة جنيهات. عشرين. ثلاثين. أربعين. خمسين. ستين. سبعين. ثمانين. مائة. مائة وخمسين. مائة وسبعين هل تكفيك..

لم تتغير لهجة الرجل. كان الذل والكبرياء موجودين فى صوته. قال:

- أنحنى لك يا سير لورانس. هذا فوق ما أتمني. أشكرك.

وأشار الشحاذ إلى تاكسي، ركبه واختفي.

عند ذلك خبط عبد الحليم كفا بكف. ما الذى فعله سير لورانس. قال عمر الشريف للممثل العالمى ضاحكاً: أسمح لى أنك تؤكد عملياً أن البخل هو إشاعة كاذبة. أطلقها عليك من لا يحبك.

قال سير لورانس: أبداً.. إما أن هذا الرجل ممثل خطير لم يجد الفرصة للظهور وفاته قطار الصدف الذى يقابل كل فنان، وإما أنه فى أزمة خطيرة بالفعل. قهره الزمن ووضع كمية هائلة من الذل فى صوته. ولكن كبرياءه مازالت موجودة لذلك أعطيته كل ما معي. أما مسألة أننى بخيل. فالعصر الذى نحيا فيه غريب بالفعل.

إن الناس أصبحت ورقاً مطبوعاً عليه فئة الجنيه والأكثر من ذلك. إن كرامة الأفراد شيء منفصل عنهم فى هذا الزمن.. تتحكم فيها آلات طباعة أوراق النقود. ويتحكم فيها قلة. هذا الوضع يحزننى تماماً لذلك أترك النقود تتراكم فى البنك. أصرف منها أقل القليل. أكره عالم الحسابات ولكنى لا أتنازل عن حقي. لأن السوق غابة وأترك حصيلة ما أعطته لى الغابة فى البنك. لا يهمنى بعد ذلك أن يقولوا بخيل. لا يهمنى أى شيء. الذى يهمنى هو أنى أضع الإنسـان أمام مشـكلته عندما يدخل المسرح. تماماً كما تضع أنت يا مستر شـريف الإنسـان أمام مشـكلته عندما يدخل السينما وتماماً كما يضع صديقك عبد الحليم جمهوره أمام عواطفه. أعتقد أن مهمة الفن لم تعد هى إمتاع الإنسان فقط، ولكنها إنقاذ له من عالم التفكير فى النقود.و من وضعه كسلعة تباع وتشتري.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق