الأربعاء 21 من رمضان 1436 هــ 8 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46965

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

إحياء العلوم وفتاوى الإرهاب.. عقل الأمة بين كتابين

فى سبعينيات القرن التاسع عشر تكونت جمعية من كبار الموظفين والأثرياء المثقفين فى مصر, أطلقوا عليها اسم «جمعية المعارف»,أخذت على عاتقها طبع كتب التراث العربي، فكان فى مقدمة ما اختاروه للطباعة كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالى بجانب كتب مقدمة بن خلدون ونفح الطيب وكتاب الأغانى وكلها من عيون التراث العربي.

كان عمل هذه الجمعية مواكبا مع الموجة الثانية للنهضة فى مصر بعد أن توقفت بوفاة محمد علي، فما كان من حفيده إسماعيل إلا أن كرس عهده لاستكمال مشروع جده فى النهضة بالبلاد.

وقد كان لإعادة طبع «الإحياء» أثرا عظيماً, فصار من أهم وأكثر الكتب رواجاً, وشغل ركنا أساسيا فى مكتبة بيت المثقف المصري، فكتاب الإحياء كتاب جامع يجد فيه المسلم بغيته ويملأ فراغ روحه ويفسر ما التبس عليه من أمور عقائدية وعبادية. وقد قسم الغزالى كتابه إلى أربعة أجزاء أساسية أو كما أسماها «عبادات، عادات، مهلكات، منجيات», وكتبها الغزالى بأسلوب سهل جعل فهم الكتاب واستيعابه لا يستعصى على الإنسان العادي، دون الولوج فى غوامض فقهية أو مهاترات جدلية.

وقد وضع الغزالي, الملقب بحجة الإسلام، كتابه ليكون مرجعا للمسلم فى حياته, وشرح للأسس ببساطة معهودة عنه كفقيه متمكن ومفكر غير هياب للولوج فى أسرار العقائد. والغزالى قد قيل عنه إنه فيلسوف مع الفلاسفة ومتكلم مع المتكلمين ومتصوف مع المتصوفة، وهو إن كان الذى وصفه بهذا قصد القدح إلا أنه فى الحقيقة قد مدحه من حيث لم يحتسب، فالغزالى «450: 505 هجرية» مثقف موسوعى جامع للعلوم فى عصره،أخلص لعقيدته ودينه ودافع عنه دونما السقوط فى براثن التعصب. وهو فى العلوم الدينية كالمتنبى فى الشعر، فقد ملأ الدنيا وشغل الناس، إلى درجة أنه ندر من لم يقرأ له ولم يتأثر به. وكان كتابه «إحياء علوم الدين» كسفينة نجاة فى وسط بحر مضطرب، فالكتاب يبدو كرحلة يصحبك فيها آخذاً بيدك فيبين ويشرح ويفسر، وهو يتناول فى ربع العبادات الأمور المتعلقة بالعبادة فى العقيدة والطهارة والصلاة والصيام والحج، حتى يتطرق إلى الآداب المتعلقة بالعبادات والنوافل والأدعية والأذكارجميعا. ثم يتناول فى الربع الثانى «العادات»,أو الأمور المتعلقة بالحياة اليومية حتى الدقيق منها، ثم يعرج بك إلى الربع الثالث: «المهلكات», منذرا ومحذرا وشارحا لما يهلك الإنسان من اتباع الشهوات ومواقع الزلل فى طريق الإنسان من صفات ذميمة كالحقد والغضب والغرور والبخل والرياء.

ويرتقى بك «الإحياء» إلى الربع الأخير, الذى يعتبر تتويجا للكتاب ومنتهى للرحلة, بالاغتراف من أنهار الإيمان، فيتنقل إلى المقامات والأحوال التى يرتقى إليها المسلم فى مشواره، فالكتاب معنى بهداية المسلم وتهذيبه لا تخويفه وترهيبه، واهتم بالقلب والجوهر والمظهر والروح والجسد على السواء، دون تكلف أو اصطناع، ليجسد وسطية تعاليم الإسلام ويبشر بالمسلم النقى ويدعو لأن نكون, كما أراد القرآن العظيم، خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.

وكتاب الغزالى ظل سيدا للمكتبة الإسلامية, وقد قيل فيه إنه لو ذهبت كتب الإسلام وبقى «الإحياء» لأغنى عما ذهب, وقيل فيه ما هو أكثر من ذلك، وبلغ من تأثر المجتمع الإسلامى به أن قال أحد المستشرقين إن الإسلام فى بلاد الشرق «اصطبغ بصبغة غزالية».

غير أن كتابا آخر مالبث أن اقتحم المكتبة الإسلامية، ليزاحم كتاب الغزالى ويكاد يقصيه من على أرفف المكتبات وفرش الكتب المعروضة للبيع.

ذلك هو كتاب «فتاوى ابن تيمية». ورغم كثرة ما ترك ابن تيمية من تراث مكتوب ومنقول عنه، يبدو أحيانا فيها مفكرا قوى الحجة فى المسائل الكلامية والمنطقية، إلا أنه فى «الفتاوي» قد صار دليلا إلى التشدد والجمود والانغلاق، حتى أنه عندما بحث فقهاء الإرهاب عن السند الفقهى لاستباحة دماء المسلمين، لم يجدوا غير ابن تيمية، ففتاوى ابن تيمية المنتمى للمذهب الحنبلي، تضع المسلم دائما فى قفص الاتهام وتخرجه من حالة القلق الإيجابى إلى القلق السلبي. وكان منهج التكفير للمخالفين فى المذهب هو ديدن هذه الفتاوي، كما وضعت المسلم قيد الأسر وكبلته بعدما جعلت من العبادة التى هى وسيلة ارتقاء عند الغزالي، مجرد إجراءات يومية جامدة صارمة يثقل بها المسلم نفسه, وصار معنى الاقتداء هو التقليد الذى لا روح فيه، فلا مكان لـ«القلب» و«الروح» فى حياة الفقه السلفى المستند على فتاوى ابن تيمية، بل كأن الكلمتين من الكلام المذموم، فلا اهتمام بالروح فى تناول أمور العبادات ولا الحياة اليومية, وكل ذلك يستند إلى تجنب الزلل باتباع سنة «النبى صلى الله عليه وسلم» كما يرونها. وقد فرض السلفيون بذلك وصاية على المسلم,فبدا ابن تيمية فى فتاواه كمن يشهر السيف على مخالفيه، والعصا على أتباعه، فأصبحت حياة المسلم, فى ضوء فتاوى «شيخ الإسلام» ابن تيمية، حياة صراع,وتجسدت فى هيئة منفرة وتتبع لعورات الناس، فصرنا نرى المسلم وكأنه يقدم أقبح ما لديه بتصدير صورة يزعم أتباع ابن تيمية أنها مطابقة للسنة، فصار دم المسلم حلالا بيد أخيه تحت زعم محاربة البدع.

وقد يكون ارتباط فقه ابن تيمية بمرحلة ما - شأن أى فقه - خاصة الاضطرابات السياسية والمذهبية فى عصره, فقد ولد فى عام 661 وتوفى عام 728 من الهجرة, غير أن تأثيره هو المسئول عما ارتكب من مجازر استنادا لفقهه.

وكتاب «مجموع الفتاوي» هو فى ستة أجزاء تم نشرها فى مجلدات ضخمة وتوزيعها فى طبعات أنيقة وبأسعار أقل من سعر التكلفة، خاصة أنها كانت سند الدعوة الوهابية، وبدأت فى الانتشار بكثافة فى ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها بعد أكثر من مائة سنة من طبع «الإحياء».

وقد تجاهل السلفيون آراء كثير من علماء الإسلام الكبار فى ابن تيمية مثل الحافظ الذهبى الذى كان من المنبهرين به ثم عاد فانتقده نقدا لاذعا وكذلك الحافظ العراقى وابن حجر العسقلاني.

وروج السلفيون لذم الغزالى وكتابه حتى وصفه أحد كبار شيوخهم المعاصرين بأنه مليء بالسموم.. وحذروا تلامذتهم ومريديهم من الاطلاع على كتاب الإحياء الذى انزوى تحت دعاية مضادة هائلة وكاد يختفى من رفوف المكتبة المنزلية.

لقد كان من ثمرات ثقافة «الإحياء» دعاة وفقهاء للتنوير والاعتدال مثل محمد عبده ومصطفى عبد الرازق ومحمد شلتوت وعبد الحليم محمود والشعراوي، بينما أخرجت لنا فتاوى ابن تيمية فقهاء للدم والتكفير كسيد قطب وعمر عبد الرحمن والظواهرى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    محمد مجدي
    2015/07/08 13:04
    0-
    2+

    أقوال العلماء في الغزالي و كتابه
    وقال القاضي عياض: "والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة والتصانيف الفظيعة، غلا في طريق التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامتثل ذلك" نقله الذهبي 19/327.
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق