السبت 17 من رمضان 1436 هــ 4 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46961

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أبوحنيفة النعمان..
إمام أهل الرأى

مهما بلغ من عظمة إنسان وعلو قدره واستنارة فكره واتساع أفقه وعظيم إخلاصه وارتفاع مروءته وفضل دينه وسلامة طويته وكرم ممتده وشلال جوده وكرمه، وصدقه وغزارة علمه ونور قلبه وشجاعة موقفه وجميل صُنعه وحُلو معشره وطُهر مظهره ومخبره،
فهناك على الدوام، وفى كل الأزمان، من يفترى عليه كذباً لينزله من شموخ عليائه إلى ساحة الذم والقدح واللغط والتشنيع والتطاول، وذاك ما حدث فى سيرة الفقيه الورّع الطاهر أبوحنيفة النعمان الإمام الذى كثر مادحوه وكثر ناقدوه فى حياته وبعد موته، ليغالى أتباع مذهبه فى الثناء عليه حتى تجاوزوا به رتبة الفقيه المجتهد، والطاعنين فيه قد أفرطوا فى القول حتى أنزلوه عن رتبة المسلم الذى يجب أن يُصان عرضه ودينه.. ويعود السبب الرئيسى فى هذا التباين والتضاد لأنه كان فقيهاً مستقلا، سلك فى تفكيره الاجتهادى مسلكا مستقلا لا يستطيع مجاراته فيه أحد من ناقديه، أو من الملتزمين المتزمتين بأقوال السلف وحدها وما عداها عندهم فهو من البدع المنكرة، وإذا ما كان هناك تطرف فى الأحكام المتناقضة عن أبى حنيفة فإن ذلك هو طابع عصره، وفى نفس الوقت يعود إلى سلوك الإمام وسيرته واقتحاماته الفكرية الجسورة، فقد كان يدعو إلى الأخذ بالرأى لا يُبالى فيه بأحد، عارفاً بأحوال الحياة، مستوعباً ثقافات من سبقوه وعاصروه، خبيرًا بالرجال، شديدًا على أهل الباطل، مرير السخرية بالمزيفين، لاذعاً مع المنافقين من متعاطى الفقه والعلم والثقافة فى عصره.. عصر التطرف.. عصر الكبار والصغار.. عصر الأئمة العظّام: محمد الباقر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، وأنس بن مالك، والليث بن سعد، وهو فى نفس الوقت عصر الصعاليك الصغار وأنصاف الرجال.. ومهما يكن من تعدد أصناف المهاجمين وكثرة كـلامهم ولغطهم ضد إمامنا فقد أنصف التاريخ أبا حنيفة ممن كاد له فى حياته، وممن افترى عليه كذباً بعد مماته، وبقيت كلماته نورًا ودليلا على أن الإنسان مهما عظم قدره وفكره وإخلاصه ومروءته ودينه لا تسلم قافلته من ملاحقة النباح، لكنه سيظل خالدا فى تاريخ الإسلام بما مكّنَ للشريعة السمحة من التعميم والانتشار لتظل كما أنزلها اللـه عصرية فى كل عصر بفضل الرجل الذى أعلن الحرية فى كل مكان وفى كل زمان، فى الماضى والحاضر والمستقبل، فى التجارة وفى المُلك، وفى التصرفات وفى حقوق النساء، وفى حقوقة الرعية.. حرية وتسامح قاوم صاحبهما طغيان الأمير والخليفة والسجان وطغيان التقاليد والجمود والتعصب وجلود التماسيح وقلوب قُدَّت من حجر صوّان لينشئ مدرسة الرأى فى الإسلام لتكون أم الفقه الإسلامى ومنبعه على مر الدهور، ليحق القول فيه من معاصريه فى القرن الثانى آلهجرى من أن أبا حنيفة النعمان كان «مخ العالم»..

شديد التواضع، كثير الصمت، مقتصدًا فى الكـلام، لا ينبس ببنت شفه إلا إذا سُئل، وإذا ما أغلظ أحدهم له فى الخطاب حاكى فى صبره معه أيوب النبى، وإذا ما دخلت عليه امرأة تستفتيه قام إليها تاركاً مجلسه ليجنبها أحداق الرجال، وقد نبع هذا التقدير والتوقير لمنزلة المرأة من حبه الشديد لأمه وحرصه الدائم على إرضائها، وفهمه العميق للمساواة فى الإسلام فى عصر بدأت المرأة فيه تتحول إلى سقط المتاع، لتصله اجتهاداته الذكية لفتواه بأن الإسلام يبيح للمرأة حق تولى جميع الوظائف العامة بلا استثناء.. حتى القضاء.. وأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها وهى حرة فى اختيار زوجها لأن إساءة الفتاة البالغة فى اختيار زوجها أخف ضررا من قهرها على زواج من لا تريده.. ولقد كان فى حرصه على رضاء من أنجبته مضرباً للمثل.. ومن أمثلة ذلك حملها فوق الدابة وهو يسير على قدميه أميالا إلى جوارها لرغبتها فى الصلاة خلف أحد الفقهاء الذى كان يرى فى نفسه أن أبا حنيفة ابنها أفضل منه بالكثير، ويظل الابن لا يرد لأمه طلبا ولا يؤخر لها رغبة حتى ولو كان الأمر مجحفًا به مثلما أمرته أن يتفرغ للتجارة وينصرف عن دراسة الفقه الذى استولى على لبِّه قائلة له: ما خير فى علم يصيبك بهذا الضياع؟! فرأى أبوحنيفة أن يشرك معه تاجرا آخر كى يحقق رغبة أمه وفى نفس الوقت يكون لديه متسعا لطلب العلم والتفقه فى الدين.. ولكم تحمل فى السجن من سياط العذاب، فى مشوار الحياة، حتى ورم رأسه، ليسأله جار المحبس عما يبكيه الآن بالذات وهو الفقيه القوى الصلب؟! فأجابه من خلال سطور دموعه: «ما أوجعتنى السياط بل تذكرت أحزان أمى فبكيت تجاوباً لدموعها الغالية»..

فى الكوفة كان مولد أبى حنيفة فى سنة ٨٠ من الهجرة النبوية لأب فارسى النسب اسمه «ثابت بن زوطى»، وبالكوفة نشأ وبها تربى فى بيت التجارة والثراء حيث رأى «ثابت» الأب أباه «الزوطى» يهدى الإمام علىّ بن أبى طالب حلوى الفالوذج فى عيد النيروز، ولم يكن يأكلها إلا الموسرون، ورأى الإمام علىّ وهو يضع كفه على رأس أبيه الزوطى ويدعو له ولذريته بالبركة، ومن هنا ورث الابن أبى حنيفة النعمان عن أبيه وجده حباً لآل البيت فما كان فى ذلك العصر رجال ينبذون التفرقة بين المسلمين العرب وغير العرب ممن لهم جذور فارسية وحبشية إلا آل البيت.. و..بالكوفة حفظ أبو حنيفة القرآن الكريم واستوى على العود فى سن الصبا داخل مجتمع يعيش فيه العرب والسريان والفرس وأبناء خراسان حيث تلتقى فلسفات اليونان والفرس ومذاهب الشيعة والسنة والخوارج والمعتزلة، وتتضارب آراء الفرق فى السياسة مثل تضاربها فى العقائد ليجادل أبو حنيفة بفطرته المستقيمة دفاعا عن الإسلام.. و..فى الكوفة إلى سن الثانية والعشرين مستغرقاً فى التجارة بين الأسواق نادر التواجد فى حلقات العلم فى المسجد إلى أن أخذ بنصيحة الفقيه إبراهيم الشعبى الذى لمس فيه علامات النبوغ، فتفرغ التاجر الشاب الثرى للعلم تاركاً أمر تجارته إلى شريك مخلص يتابعه من بعد بعين اليقظة، ففلسفته أنه كلما بعد الفقيه عن الحاجة قربت الفتوى من اللـه، وكلما أغناه الخالق عن الخلق أدناه إلى الحق، وإذا لم يكن الفقه أداة للطعام تداول الدنيا كلها بين أنامله، ويلخص الإمام مشواره العلمى بعدما تجاوز الأربعين بقوله: «جعلت العلوم كلها نصب عينى لأفكر فى عاقبة كل منها ومبلغ نفعه، فقلت فى البدء آخذ علم «الكـلام» فوجدت عاقبته سوء ونفعه قليل وإذا ما أكمل الإنسان فيه فلن يستطيع أن يتكلم جهرًا، بل ورُمى بكل سوء، وقيل عنه إنه صاحب هوى.. ثم تتبعت أمر الأدب والنحو فإذا بآخرته الجلوس مدرسا لتلميذ أعلمه النحو والأدب وأعيد وأزيد.. وذهبت إلى الشعر فوجدت عاقبة أمره المدح والهجاء والكذب بأوزان القافية.. ثم فكرت فى علم القراءات فوجدتنى إذا ما بلغت فيه شأوًا لن أخرج فى النهاية عن الجلوس إلى أحداث يعيدون القراءة علىّ، والكـلام فى القرآن ومعانيه صعب.. فقلت أطلب الحديث فوجدت أننى إذا جمعت منه الكثير أحتاج إلى عمر طويل حتى يحتاج الناس إلىّ، ولعلهم يرموننى بالكذب وسوء الحفظ لتلاحقنى تلك الصفة إلى يوم الدين.. وفى النهاية لمّا قلبّت الفقه وأدرته لم أجد فيه عيباً، ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به».

ومن هنا لَزِّمَ أبو حنيفة أستاذه الفقيه حماد بن أبى سليمان فى مسجد الكوفة ملازمة تامة استمرت على مدى ثمانى عشرة سنة حتى بلغ الأربعين، وإثر وفاته أجلسه تلامذته حماد ورفاقه وابنه إسماعيل فى مجلس الشيخ ليتبوأ منصبه ثابتاً وقورًا كأنه داخل المحراب، حتى أن حيّة سقطت يومًا من السقف فى حجره فهرب الناس من حوله، فما زاد هو على أن نفضها بيده اليسرى واستمر متدفقاً فى الدرس وكأنه لم يقع ما يُريب، وتظل فى النفس ذكريات أستاذه حماد ليقول: «إنى لأدعو لحماد مع أبوى» بل لقد أطلق على بيته اسم «دار حماد» وسمى ابنه إسماعيل تيمُنًا باسم إسماعيل حماد.. ويكمل أبوحنيفة مشوار العطاء مؤثرا مشاركة الغير فى البحث عن الحق عن طريق القياس والرأى، حيث يتناظرون من حوله فلا يستبد برأيه، ولا يرضيه الأخذ بكـلامه كقضايا مسلمة حتى يفهموه، فيقول: «لا يحل لمن يفتى من كتبى أن يفتى حتى يعلم من أين قلت».. ويقول: «رأينا هذا أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا».. يريد من تلامذته أن يتعلموا الحرية معه ليكونوا أحرارا مع غيره، فلن يتعلموا الحرية فى التفكير إذا إذا مارسوها فى التعبير، ولن يتعلموها مع الناس إلا إذا تعلموها مع شيخهم وهو عندهم خير الناس..

وأبدًا لم تكن حلقة أبى حنيفة كغيرها على مدى ثلاثين عاما، فقد تميزت بطابع التطهر فى الجسم والعقل معاً فلا يستعملون فيها الماء إذا استعمله سواهم، ومن أجل ذلك اتخذ أتباعه للوضوء حياضًا ذات صنابير فنسبت تلك إليه «الحنفيات» لأن استعمالها للوضوء يمنع استعمال الغير لنفس الماء، حيث يرد الماء صفوًا من الشوائب، ومن أجل النظافة قال أبوحنيفة بأن السواك من سنن الدين، ونصح به عند كل وضوء وصلاة ويقظة من نوم، على أن يكون عود السواك لينًا غير يابس، وأن يغسله صاحبه قبل استعماله، وألاّ يستاك به وهو مضطجع، ويرى أبوحنيفة أحد جلسائه فى ثياب رثة فيضع تحت موضعه من المصّلى ألف درهم ليسر إليه جانباً بأن يغيّر بالمال حاله فيبلغه صاحبنا بأنه زاهد رغم ثرائه، فيقول له: أما بلغك الحديث بأن اللـه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

وإذا ما كان الإمام البخارى قد اختار من الأحاديث النبوية سبعة آلاف، ومنها ثلاثة آلاف مكررة من ستمائة ألف حديث كانت متداولة عندما وضع صحيح البخارى، وقال «حنبل بن اسحق» عن ابن عمه الإمام أحمد بن حنبل: «جَمعنا ابن العم وقرأن علينا المسند قائلا إن هذا الكتاب جمعته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا، ولم يكن المسند يزيد على أربعين ألفا»، وكان الإمام مالك يتخير أحاديثه من الموطأ لينقصها عاماً من بعد عام، وفى هذا الشأن يقول الإمام أبوحنيفة النعمان: «عندى صناديق من الحديث ما أخرجت منها إلاّ اليسير الذى ينتفع به»، فقد أتى النعمان لينقصها من أطرافها ويغربلها وينخلها حتى ليروى بعض المؤرخين أن ما صح عنده سبعة أحاديث متواترة، أو كما قال ابن خلدون «إن أبا حنيفة بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها، ولقد حمى أبوحنيفة الفقه من الضياع بالمبادرة إلى تدوينه، فنقل إلى الأجيال اللاحقة فقهه وفقه السابقين، وكان الورق وقتها بعيد المنال حتى أن الدولة فى عهد المنصور «136 ــ 158» كانت تكنز القراطيس مخافة نفادها، وذات يوم ضاق المنصور بكثرتها فى خزائنه ففكر بالتخلص منها ببيع كل طومار ـ صفحة ـ منها بـ«سُدس درهم» وكان ثمنها المتداول درهمًا كاملا، لكنه عدل عن قراره فى الصباح مستبقياً القراطيس مخافة حادث يقطع عليه استيرادها مع التوصية بالاستعانة بالجلود تخلصاً من الحاجة الزائدة إلى الورق الذى لا يصنع فى بلادهم، وكان أبوجعفر المنصور يأمر بتصغير الخط حتى لا تضيع المساحات بين الكلمات سُدى، ويعد الخليفة الوليد بن عبدالملك أول من كتب فى الأوراق، وفى خاتمة القرن الأول كتب عمر بن عبدالعزيز ردًا إلى أحد الولاة الذى أرسل يطلب مزيدًا من القراطيس: «دقق القلم وأقلل من الكلم تكتفى بما عندك من قراطيس»، ولكن الكتابة كانت شغل مدرسة أبى حنيفة الشاغل فى عهد المنصور وما قبله، فقد كان يدوّن لنفسه المسائل وهو تلميذ فى حلقة حماد، كما كان الأئمة والمجتهدون يطالعون كتبه فى حياته حتى أبلغ رسالته فى كل مكان، وسجلها تلامذته فى كتبهم ليتحرك دولاب العلم مستخدما القلم والدواة.. وما جاءت كتبه ــ كما يقول بعض المؤرخين ــ لأنه والد لفتاة اسمها «حنيفة» وإنما لأن حنيفة مـؤنث «حنيف» والحنيف هو المائل للدين، وفى قوله تعالى «قل صدق اللـه فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا»، وقال جل شأنه: «فأقم وجهك للدين حنيفا»، ولذلك تسمى الشريعة بالحنيفية السمحة كما قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السمحة»، هذا ويضاف لمعنى الاسم وجذوره أيضا ما أورده ابن حجر «من فضل أبى حنيفة فى تدوين الفقه الإسلامى ملازمته للقلم والدواة حيث إن الدواة تسمى (حنيفة) بلغة أهل العراق».. ويروى عن الإمام مالك قوله: «وضع أبوحنيفة ستين ألف مسألة فى الإسلام» ويرسل فى طلب كتب أبى حنيفة، ويلحظ سفيان الثورى تحت رأسه كتاباً يستأذنه فى قراءته فإذا هو كتاب فى «الرهن» لأبى حنيفة فسأله: أتنظر فى كتبه؟! فيجيبه الإمام مالك: «وددت أنها كلها عندى».

الحُسن كان مظهره ومخبره، فهو الكثير العناية بثيابه يختار منها الأفضل الذى يصل ثمنه إلى 30 دينارا من ذهب، النعمان بن ثابت وكنيته أبى حنيفة كان طويل القامة عظيم الهامة، حسن الطلعة واللحية، يضوع المسك منه على القرب وعلى البعد حتى ليشيع الأريج فى الأجواء إذا ما خرج من داره، فتعرف بقدومه قبل أن تراه، تعلوه سُمرة فى وجهه من أثر السجود، يمشى الهوينى فى تؤدة ورزانة لا يلتفت يمنة ولا يسرة، تعلوه قلنسوة طويلة سوداء، وقميصه بأربعمائة درهم فى زمن كانت فيه الثمانية أرطال سمن بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا منه بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم، ولحم الغنم ستون رطلا بدرهم، ولحم البقر تسعون رطلا بدرهم.. بل الكبش كله بدرهم!!.. ومن ثيابه فى الشتاء للصلاة جبّة من فراء سنجاب، إلى جبة ثعلب، إلى جبة من فنك ــ فراء المِنك ــ فى زمن لم يكن يُرى الفنك فيه إلا فى عباءة خلافة هارون الرشيد.. وكان إذا أراد الصلاة تزين حتى يسرح لحيته ولو كان مستخفيا فى الظلام، وكثيرا ما ارتدى ثوبا قيمته ألف وخمسمائة درهم والناس نيام، فيسألونه عما إذا كان ذاهباً للقاء الخليفة أو الاجتماع العظيم فيأتى رده: التزين للـه عزّ وجلّ أولى من التزين للناس، ولما ختم ولده حماد سورة الفاتحة طفلا منح معلمه ألف درهم فاستكثرها على فاتحة الكتاب، فقال له: لا تستهن بما علّمت ولدى فلو كان معنا أكثر لدفعناه تعظيما للقرآن.. وكان أبو حنيفة إذا جمع المال تسابقت كفّاه فى تفريقه.. وكيفما كان ثراؤه عريضا كان سخاؤه عجباً، فيهدى إليه يوماً ألف نعل فيفرقها على إخوانه ليُرى بعدها بيومين يشترى لولده نعلا، وكان أرحب الناس صدرًا بالأذى والسفاهة، فرسالته حرب على التعصب والجمود والجهل، وعلاجه تجريد المتعصب من سلاحه بالحلم والصبر، وفى اليوم الذى قام فيه سفيه بسبه فى المسجد لم يقطع عليه سبابه بل قام إلى داره يتبعه الرجل بسيل شتائمه، حتى إذا ما بلغ داره التفت يستقبل الرجل بوجهه قائلا: هذه دارى وأريد دخولها فإن كان لديك باقياً فإنى واللـه سأنتظره حتى تتمه، فاستحى الرجل مغادرا.. كان مفتاح شخصيته هو التيسير والتسامح والحرية مع نفسه وبين تلامذته، وبين نفسه وبين الناس، وفى الأقوال والأفعال والأموال والعبادات والآراء، وفى البيع والشراء، وفى كل الأشياء، وكان تلامذته يخالفونه لمجرد أن يخرجوا ما عنده من كنوز، ولطالما قال أبوحنيفة: «اللـهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له».. ولقد أفتى إمامنا بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان، فذهب إلى أن الشك لا يُلغى اليقين، وضرب لذلك مثلا بأن من توضأ ثم شك فى أن حدثا نقض وضوءه، ظل على وضوءه فشكه لا يضيع يقينه، وأفتى بأنه لا يحق لأحد أن يمنع المالك من التصرف فى مُلكه، ولا يحق لأحد أن يحم على مسلم بالكفر ما ظل على إيمانه باللـه ورسوله حتى لو ارتكب المعاصى، ومن كفّر مسلما فهو آثم.. وأفتى بأن قراءة الإمام فى الصلاة تغنى عن قراءة المصلين خلفه فتصبح صلاتهم دون قراءتهم اكتفاء بقراءة الإمام وحده.. وأفتى بحرمة تملك الخليفة للـهدايا التى ترسل إليه من الدول الأخرى ولابد أن تدخل خزينة الدولة، وكان يطالب الناس بأن يسألوا فى العلم بلا حرج، على أن يحسنوا السؤال، وكان يقول: «حسن السؤال نصف العلم».. وقيل له: «الناس يتكلمون فيك، ولا تتكلم فى أحد»، قال: «هو فضل من اللـه يؤتيه من يشاء».. و..قسما عظماً لو أُخذ بوصايا الإمام أبى حنيفة فى التربية فى يومنا هذا لما ساء الأدب وفسد الولد وسادت الضغينة واستشرى الفساد وطفح الإرهاب على خرائط البلاد.. لقد أوصى الإمام تلميذه الذى سأل كيف التعامل مع الناس فأجابه: «متى أسأت عشرة الناس صاروا لك أعداء ولو كانوا لك أمهات وآباء، وإنك متى أحسنت عِشرة القوم صرت لهم فى منزلة الأبناء، وأنزل كل رجل منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظّم أهل العلم، ووقّر الشيوخ، ولاطف الأحداث، واصحب الأخيار، ولا تتهاون لسلطان، ولا تحقرنّ أحدًا، ولا تخرجن سرك إلى أحد، وإيّاك والانبساط إلى السفهاء، وعليك بالمداراة والصبر، واستجّد ثيابك، وأكثر استعمال الطيب، وابذل طعامك فإنه ما ساد بخيل قط، ومتى عرفت بفساد فبادر إلى صلاح ومتى عرفت بصلاح فازدد فيه رغبة وعناية، واعمل فى زيارة من يزورك ومن لا يزورك، والإحسان إلى من يُحسن إليك أو يسىء، وتغافل عما لا يعنيك، واترك كل ما يؤذيك، وبادر فى إقامة الحقوق، ومن مرض من إخوانك فعده بنفسك، ومن غاب منهم تفقد أحواله، ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت عنه، وأفش السلام ولو على قوم لئام، ومتى جمع بينك وبين غيرك مجلس وجرت المسائل، وخاضوا فيها بخلاف ما عندك، لا تبد لهم خلافا، فإذا سئلت عنها أخبرت بما يعرفه القوم، ثم تقول: وفيها قول آخر، وهو كذا، والحجة له كذا، فإن سمعوه منك، عرفوا مقدار القول ومقدارك، ولا تبد لأحد منهم ضيق صدر أو ضجرًا، وكن كواحد منهم، ولا تكلف الناس ما لا يطيقونه، وقدم إليهم حُسن النية، واطرح الكِبْر جانباً، وإياك والغدر وإن غدروا بك، وأدِّ الأمانة وإن خانوك، وتمسك بالوفاء واعتصم بالتقوى، وعاشر أهل الأديان وأحسن معاشرتهم، ولا تجزم ببطلان قول مخالفك، بل ترجح قول نفسك قائلا: «فيه صواب يحتمل الخطأ» وتقول فى قول مخالفك: «فيه خطأ يحتمل الصواب».. وقيل له يا أبا حنيفة هذا الذى نفتى به هو الحق الذى لا شك فيه فقال واللـه لا أدرى لعله الباطل الذى لا شك فيه».

وقال للبعض: «لا تسلنى عن أمر دينى وأنا ماشى، أو أحدث الناس، أو نائم، أو متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجال!»..

وتمر فى حياة الإمام أبو حنيفة النعمان محنتان تنتهى كل منها بالسوط والسجن والآلام والسبب الرئيسى فيهما يعود إلى رفضه الجاه والمنصب والمال.. لقد عرضَ عليه الأمويون منصب القاضى فرفضه فسجنوه وعذبوه حتى ساءت صحته لتتجمع الثورة ضد الخليفة الأموى احتجاجاً على ما يحدث له فيطلق سراحه ليهرب إلى الحجاز حتى سقطت الدولة الأموية فعاد إلى موطنه، لكن العباسيين لم يتركوه، فمنذ شعر بخيبة أمله منهم لاصطناعهم المرتزقة من الفقهاء بدأ يجهر برأيه فى استبدادهم وطغيانهم رافضاً كل هداياهم، كما رفض هدايا الأمويين من قبل، وعرضوا عليه منصب قاضى القضاة فأبى، وتمسك بالتفرغ للعلم، فقالوا له إنه قد حصل من العلم ما يجعله فى غنى عنه فأتى رده: «من ظن أنه يستغنى عن العلم فليبك على نفسه»، واقترحوا على الخليفة أن يمتحن ولاءه فيرسل إليه هدية، فأرسل له مالا كثيرا وجارية، فرد الهدية شاكرًا، ثم أرسل الخليفة إليه يلح عليه فى ولاية القضاء أو فى أن يكون فقيهاً للدولة يرجع إليه القضاء فيما يصعب عليهم القضاء فيه، ورفض أبوحنيفة، ويسأله المنصور عن سبب رفض هداياه فيجاوبه بأنها من بيت مال المسلمين ولا حق فى بيت المال إلا للمقاتلين أو الفقراء أو العاملين فى الدولة بأجر وهو ليس واحدًا من هؤلاء.. فيأمر الخليفة بضربه، ويظل يُضرب بالسياط فى قبو سجن مظلم ورسل الخليفة يعرضون عليه هداياه ومنصب القضاء والإفتاء وهو يرفض، ويشرف على الهلاك، ويخشى معذبوه أن يخرج ليروى للناس أساءته فلم يفرجوا عنه إلا وهو فى معاناة سكرات الموت ليوصى قبل النفس الأخير بأن يوارى التراب فى أرض طاهرة لم يغتصبها الخليفة أو أحد من رجاله.. وعندما شعر بالموت سجد فمات وهو ساجد.. ويضطر الخليفة أن يصلى عليه فى ركن هادئ ليس مِلكاً لأحد ليهمهم «من يعذرنى من أبى حنيفة حيا وميتا».. يرحل إمام كان مذهبه عندما سئل: «إذا قلت قولا وكتاب اللـه يخالف قولك؟ قال: «أترك قولى لكتاب اللـه».. قيل: فإذا كان خبر رسول اللـه يخالف قولك؟! قال: «أترك قولى بخبر رسول اللـه».. قيل: فإذا كان قول الصحابى يخالف قولك؟! قال: «أترك قولى بقول الصحابى».. قيل: فإذا كان قول التابعى يخالف قولك؟ قال: «إذا كان التابعى رجلا فأنا رجل».. نعم كان أبوحنيفة رجلا والرجال قليل.. إنه الرجل الذى اجتهد برأيه وحكّم عقله فصدرت عنه فتواه، واستطاع من ألف ومائتى عام أن يفضَّ الحُجب عندما قال: «إنى أرى»!..

30 يونيه

أردناها ذكرى لثورة الأبطال.. ثورة النضال.. ثورة الالتحام.. ثورة استرداد الوطن من إخوان الشيطان.. وسنمضى للأمام وعلى الجبين نور.. وفوق الهامة نور.. ودم الشهيد فوق الرمال نور.. وفى السويداء موكب نور كان صاحبه نائباً للشعب عامة..
sanaaelbssi@ymail.com


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: