الأثنين 28 من جمادي الآخرة 1435 هــ 28 أبريل 2014 السنة 138 العدد 46529

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هل يمكن أن يتعارض الفن الجميل مع الأخلاق؟

قامت ضجة كبيرة فى الأيام الأخيرة «ولا تزال مستمرة»، حول قرار لرئيس الوزراء بمنع عرض فيلم جديد اسمه «حلاوة روح»، على أساس منافاته للأخلاق والآداب العامة، وبإرساله إلى هيئة الرقابة على الأفلام لإعادة النظر فيه.

اشترك فى التعليق على هذا القرار بعض أصحاب الأقلام المعروفة والبارزة، بين مؤيد بشدة ومعارض بشدة، قال بعضهم إن القرار قد يكون بداية لاتجاه من التسلط والحجر على الحريات فى الفكر والسياسة، وحذر آخرون من أن المنع والمصادرة سوف يؤديان إلى زيادة عدد مشاهدى فيلم لم يكن يستحق الاهتمام أصلا، وكان من الأفضل إهماله بدلا من لفت الأنظار إليه، وذهب البعض إلى أن الفيلم سيئ جدا من الناحية الأخلاقية ومفسد لأخلاق صغار السن، وقال آخرون إن الحكومة بهذا القرار تحاول إلهاء الناس عن فشلها فى حل المشكلات الكبرى بالانشغال بأمر تافه.

وقد وجدت فى كل من هذه الآراء شيئا من الحقيقة، ولكنى لم أشعر بأن أيّا منها قد حسم الأمر، وأغلق الموضوع، بل أثارت هذه الآراء لدى السؤال الآتي: هل يمكن حقا لعمل فنى يستحق هذا الوصف، أن يكون غير أخلاقي؟ أم أن العمل الفنى هو بالضرورة عمل أخلاقى فى الوقت نفسه، وأن العمل القبيح أخلاقيا لابد أن يكون أيضا قبيحا فنيا؟

إنى أميل للإجابة على هذا السؤال بالقول: «لا يمكن»، وهذا هو ما أريد الآن أن أقنع القارئ به.

لقد لاحظت من استعراض أمثلة كثيرة سابقة ثار حولها مثل هذا الخلاف، إننى فى كل حالة بلا استثناء، كان العمل فيها فى رأيى جيدا فنيا، كنت أراه أيضا جيدا من الناحية الأخلاقية، والعكس بالعكس: العمل القبيح أخلاقيا كان أيضا ضعيفا فنيا، أو ليس بعمل فنى على الإطلاق.

تذكرت مثلا رواية الطيب صالح الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال»، ورواية محمد شكرى الشهيرة أيضا «الخبز الحافي». أما الأولى فقد اشتهرت لجمالها، وأما الثانية فاشتهرت لجرأتها فى الحديث عن علاقات جنسية، وقد تصادف أن رئيس الجامعة الأمريكية اتخذ (منذ سنوات عديدة) قرارا بمنع تدريس الرواية الثانية للطلبة، على أساس أخلاقي، فلما قرأتها وجدت هذا القرار صائبا، ولكنى عجزت أيضا عن رؤية أوجه الجمال فيها، وقد أدى هذا القرار إلى خشية بعض أساتذة الجامعة نفسها من أن تثير رواية الطيب صالح مشكلة مماثلة «وقد كانت تدرّس وقتها فى الجامعة»، وذلك بسبب أحد فصول الرواية، يدور فيه الكلام بصراحة عن الجنس، فبادروا باستبعاد تدريسها لهذا السبب، وقد وجدت هذا القرار خاطئا تماما لأن رواية ،الطيب صالح هذه بديعة فنيا، والفصل موضع الاتهام فيها، وإن كان يتضمن فعلا كلاما صريحا عن الجنس، فهو من أجمل فصول الرواية، ولم أجد فيه أى شيء مشين أخلاقيا، بل اعتبرت أنه على مستوى أخلاقى رفيع.

ثم تذكرت أمثلة أخرى كثيرة تؤيد هذا الرأي، أى الاعتقاد بأن الصفتين متلازمتان، وبأن الحسّ الجمالى والحسّ الأخلاقى قد يكون منبعهما واحدا (وربما كان بيولوجيا) يؤيد هذا ما نلاحظه من أن الشعور بالنفور عندما نصادف عملا قبيحا (من الناحية الفنية) شبيه جدا بالشعور بالنفور عندما نصادف عملا غير أخلاقي، وكأن العملين القبيحين (فنيا أو أخلاقيا)، يصيبان بالأذى عصبا واحدا فى النفس الانسانية.

إذا كان هذا صحيحا، فما هو سبب المشكلة إذن؟ ما الذى يؤدى بكثيرين إلى الاعتقاد بأنه من الممكن أن يكون العمل الفنى غير أخلاقى (فينادوا بعدم المساس به حفاظا على حرية الإبداع)، وينادى غيرهم بمنعه ومصادرته، حفاظا على الأخلاق؟

يبدو لى أن سبب المشكلة أحد الخطأين الآتيين: هناك أولا خطأ الاعتقاد بأن أى كلام صريح فى الجنس هو بالضرورة كلام غير أخلاقي، ومن ثم إذا أردنا الالتزام بالأخلاق فعلينا منع التعرض بصراحة لموضوعات جنسية.

الحقيقة أنه ليس هناك «موضوع» أخلاقى و«موضوع» غير أخلاقي، وإنما الأخلاقى واللا أخلاقى هو فى طريقة تناول الموضوع وليس فى الموضوع نفسه، إن الطبيب والجراح وأستاذ التشريح يعالجون موضوعات جنسية، وبصراحة فلا يثير هذا اعتراضا، فلماذا لا نسلّم بأن الفنان يمكن أيضا أن يفعل الشيء نفسه دون أن يرتكب عملا غير أخلاقي؟ إنى اعتبر من قبيل هذا تناول الجنس فى روايات الطيب صالح وروايات علاء الأسوانى مثلا، من أدبائنا المعاصرين، كما اعتبر من قبيل ذلك أعمال الفنانين التشكيليين العظام الذين رسموا أو نحتوا أجساما عارية دون أن يقدموا لنا أعمالا غير أخلاقية، إنى استغرب أن البعض لا يرون ذلك فى هذه الأعمال الأدبية الرقيقة، كما استغرب ما سمعته من انخفاض اقبال الطلاب على الالتحاق بقسم النحت فى كليات الفنون الجميلة، وأفسر هذا الموقف بأحد أمرين: إما عجز عن فهم المغزى الانسانى لهذه الأعمال الفنية، أو نفور دفين من موضوع الجنس بصفة عامة لأسباب نفسية لا علاقة لها بالأخلاق.

هناك من الناحية الأخرى إسراف شديد وتساهل مذهل فى إسباغ وصف «العمل الفني» أو «الإبداع» على أعمال لا تستحق هذا بالمرة إن وراء هذا الخطأ، فيما يبدو، خلطا مؤسفا بين الفن والإبداع من ناحية، وبين مجرد الجرأة (أو حتى الوقاحة) من ناحية أخري، وقد استغل كثيرون من غير الموهوبين هذا الخطأ، إذ رأوا أن مجرد التجرؤ على المقدسات أو حتى مجرد الخروج على الآداب العامة، سوف يجد لهم من النقاد من يدافع عن حريتهم فيما يسمونه «الإبداع» أو «الخلق» ..إلخ، بينما قد لا تزيد أعمالهم عن أعمال الإثارة الجنسية أو إحداث صدمة بالخروج عن المألوف، وهؤلاء يحتاجون إلى من يذكرّهم بأن المرأة (وكذلك الرجل) إذا سارت عارية فى الطريق العام، لا تمارس عملا من أعمال «الإبداع»، وإنما هى فقط امرأة مجنونة أو ساقطة.

هل يؤدى بنا هذا إلى المناداة بمنع عرض أفلام أو مصادرة كتب من هذا النوع الأخير؟ ولكن كيف نضمن ألا يمتد المنع إلى أمثلة من النوع الأول التى تنطوى على أعمال فنية حقيقية؟ إنه لم يمض وقت طويل على قيام رقيب «بل وزير الثقافة نفسه» بمنع رقص الباليه على أساس تهديده للأخلاق، وقد قامت ثورة لحسن الحظ لعزله فما الذى يضمن لنا ألا يعود مثل هذا من جديد؟

أصارح القارئ باعتقادى بأنه، فى الظروف التى نمر بها اليوم، أى فى ظل إفراط سقيم فى الناحيتين: تعتيم مفرط لأعمال فنية حقيقية، وتساهل مفرط فى تسمية الجرأة إبداعا، قد نكون فى حاجة إلى رقيب يستطيع التمييز بين العمل المبدع والأخلاقى من ناحية وبين العمل السيئ فنيا وأخلاقيا، ولكن من أين لنا بهذا الرقيب الرائع؟

يبدو أن الحل الحقيقى لهذه المشكلة العويصة هو العمل المستمر لتحقيق نهضة أخلاقية وفنية، ليس بالمنع والمصادرة، ولا بإلقاء المواعظ، ولكن بالقضاء على الجهل والفقر.


لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: