الجمعة 2 من رمضان 1436 هــ 19 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46946

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حكايات من أوراق قديمة
«الفندق الخديوى» بالإسكندرية يوفر غرفا لتدخين للسيدات عام ١٨٩٦

تقدمها : أمـــل الجيـــار
الحكايات فى مصر القديمة لا تنتهى... وما أن تنتهى حكاية وتقلب صفحتها وتظن أن الأمر قد انتهى ومجلد الحكايات قد نضب معينه وانتهت أوراقه حتى تجد ورقة أخرى أكثر منها جمالاً واكثر ثراء ومليئة بالتفاصيل ،

 والباحث الجاد الذى يغوص فى الحكايات و الأوراق القديمة لن يمل ، ففى كل ورقة حكاية بطعم ولون مختلف عن سابقتها ، وحكاية هذا الأسبوع بطعم الأناقة والشياكة وبنكهة الفخامة - إن جاز التعبير -  فهى عن مبنى قديم ليس له أثر الآن لا يعرف عنه الناس الكثير ، وبالتحديد فندق كان موجوداً فى الإسكندرية فى نهايات القرن التاسع عشر اسمه «الفندق الخديوى»  The hotel Khedival ...

 والوثيقة التى أتحدث عنها هذا الأسبوع  هى عبارة عن كارت بوستال ( كارت معايدة ) نادر وغريب على شكل مطوية من ثلاثة أجزاء ، وهذا الكارت اشتراه أحد أصدقائى من الأرمن المصريين الذى يعشق مصر وحكاياتها القديمة من أحد المعارض المتخصصة فى الأوراق والصور القديمة فى لندن بثمن مرتفع باعتباره من أندر الكروت المطبوعة عن مصر فتاريخه يرجع لعام ١٨٩٦ طبقاً لما هو مدون عليه ،  والكارت من الحجم العادى وهو من نوع الكروت المصورة ولكن بطريقة الرسم باستخدام الفحم أو ما يعرف بال Gravure - وهى الطريقة المستخدمة قبل إختراع التصوير لنقل أو رسم الواقع - وهو ما يرفع من ثمنها ومرسوم عليه مبنى أنيق يقع على مساحة ضخمة ومليء بالتفاصيل ويبدو من الصورة ضلعان للمبنى أحدهما المدخل الرئيسى للفندق بواجهته الفخمة وأمام البوابة عدد من الناس قد يكونون من النزلاء أو الزوار أو الباعة الذين كان من المعتاد رؤيتهم يعرضون بضاعتهم الغريبة أمام أبواب الفنادق فى ذلك الزمان من تماثيل وأنتيكات وتماسيح وسجاجيد وغيرها من البضائع ، وعلى الجانب الآخر من المبنى تبدو بعض الدكاكين واضحة وأمامها عدد من الأشخاص مما يعطى إيحاء بأن المكان كان مأهولاً بالزوار ومليئا بالحركة ويقع فى وسط المدينة حيث تكثر الحركة التجارية وينشط البيع  والشراء ، وقد أمعن الرسام فى الاهتمام بتفاصيل المبنى وما يحيط به من خضرة وأشجار ونخيل مما أعطى إيحاء بفخامة وجمال المبنى وموقعة ، وفى نصف الكارت الآخر مكتوب بخط أنيق وبحروف منمقة اسم الفندق بحروف أفرنجية والكارت كله مكتوب باللغة الفرنسية وهى اللغة التى كانت سائدة فى ذلك الوقت لكثرة عدد الأجانب الذين كانوا يتحدثون بها ولأنها كانت اللغة المتعارف عليها فى البيت الخديوى بجانب العربية والتركية ، ويبدو أن هذا الكارت كان من النوع الذى يتم توزيعه للدعاية أو يتم وضعة داخل الغرف لكى يستخدمه النزلاء فى مراسلاتهم ومكتوب عليه اسم الفندق وبعض المعلومات عنه مثل أنه فى الإسكندرية مع عدم ذكر العنوان التفصيلى مما يعنى أنه كان معروفاً لدرجة عدم الحاجة لمزيد من التفاصيل مع توضيح أنه فندق من الدرجة الأولى يقع فى أجمل منطقة بالمدينة وأسهب الكارت فى وصف خصائص ومحاسن الفندق منها أن الغرف واسعة وجيدة التهوية وأن الطعام يقدم فى  الهواء الطلق أو الحديقة وسط النخيل بالإضافة الى وجود غرف مخصصة للسيدات للتدخين والقراءة لمزيد من الخصوصية  حيث إن السيدات كن قد بدأن التدخين فى تلك الفترة ولكن ليس فى وجود الرجال مما يعنى ان الفندق كان راقياً جداً و مخصصاً لعلية القوم والأثرياء والأجانب.. أما باقى المطوية فقد قدمت خدمة غريبة وجديدة فى ذلك الوقت وهى جدول مواعيد القطارات من وإلى الإسكندرية  من أول سبتمبر ١٨٩٦  وكان أول قطار يقوم من الإسكندرية الساعة السابعة صباحاً ويتوقف فى عده مدن أولها دمنهور، طنطا وبنها ويصل القاهرة الساعة ١٠ و ٤٥ دقيقة أى يقطع المسافة فى ٣ساعات و٤٥ دقيقة، وأوضح الكارت أن السكة الحديد توفر أربعة قطارات فى اليوم والأخير ينطلق فى الحادية عشرة مساءً وكذا نفس الحال من القاهرة، ولكن الملاحظ أن مواقيت إنطلاق القطارات واحدة حتى الآن وكذا المحطات التى يقف عليها ، ولكن الملفت للنظر الدقة المكتوب بها المواعيد بالدقيقة مثل 12 و 9 وصول دمنهور وقيام 16 و 9 دقيقة مما يعنى الالتزام والانضباط وهو ما كان معروفا عن السكة الحديد وقطاراتها والتى كانت تحت رئاسة الأجانب وأغلبهم من الإنجليز وبالتالى لا مجال للخطأ. 

ومن غير المعروف حتى الآن موقع الفندق الخديوى القديم وإن كان أغلب الظن أنه كان يقع فى بداية شارع شريف فى الطريق الى ميدان القناصل ملتقى الأجانب والجاليات الأجنبية وكان الفندق كما تقول المصادر القديمة من أفخر فنادق المدينة ويضم قاعات للقراءة والتدخين وصالات طعام داخلية وخارجية ، ثم ولسبب ما اختفى الفندق وظهر فندق آخر جديد يحمل نفس الاسم هو «الفندق الخديوى الجديدة» وكان موقعه فى شارع رشيد بوسط المدينة ونال سمعه حسنة بين السياح والنزلاء. 

الجدير بالذكر أن الإسكندرية فى القرنين ال ١٨ وآل ١٩ كانت تضم جاليات أجنبية كثيرة من الإيطاليين والفرنسيين والمالطيين والشوام ولذا كان بها عدد كبير من الفنادق الفاخرة لاستقبال الأجانب والرحالة والسفن التى كانت ترسو فى الميناء ومنها فندقا أوروبا وآبات بميدان المنشية اللذان كانا يقدمان خدمات فريدة من نوعها مثل التدليك وحمامات المياه الساخنة لقاء قرشين  بالإضافة الى وجود مقاه تابعة لهما....

 ولكن الطريف  أن تاريخ المقاهى فى مصر غريب وقديم فقد بدأ منذ العصور المملوكية والفاطمية على شكل خانات لاستقبال التجار وبضائعهم وحيواناتهم مثل خان الخليلى بالقاهرة ثم سرعان ما تطور مع تطور الحياه لتظهر «النُزل» التى يقوم فيها النزلاء بخدمة أنفسهم وصولاً الى أفخم وأفخر الفنادق مثل « شبرد» ... والله على مصر وفنادقها زمان . 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق