الجمعة 25 من شعبان 1436 هــ 12 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46939

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حكايات من أوراق قديمة
٢٠٠ جنيه مصرى ضمانة لتعيين مخزنجى مشروبات السلطان عام ١٩١٧

تقدمها : أمـــل الجيـــار
الأوراق القديمة كالأحلام .. كل حلم يحكي حكاية قد تكون غريبة أو لطيفة أو خيالية أو رومانسية أو واقعية، ولكنها في النهاية مرتبطة بالإنسان ، وكذا الأوراق القديمة كلها حكايات مثيرة وجديدة وقد تكون غير تقليدية ولكنها في النهاية تحكي واقعا كان يعيشه الناس منذ عشرات أو مئات السنين

.. وما أغرب و أعجب ما تقصه علينا بعض الأوراق ومنها ورقة هذا الأسبوع ، وهي ورقة حكومية رسمية صادرة من نظارة الخاصة السلطانية المصرية عام ١٩١٧- أي أثناء حكم السلطان حسين كامل ابن الخديو إسماعيل وثامن حكام أسرة محمد علي وأول حاكم في الأسرة العلوية يحصل علي لقب سلطان -، والوثيقة تحمل شعار نظارة الخاصة السلطانية وهي عبارة عن مكاتبة داخلية خاصة بالوزارة وموجهة الي الحسابات لترتيب دولاب العمل وتقول الوثيقة المكتوبة بالحبر الشيني : حيث إنه صدر النطق الكريم ( أي الأمر السلطاني ) بوجوب تعيين مخزنجي وكاتب خاص لمخزن المشروبات الذي سمي من اليوم المخزن الخصوصي (أي مخزن مشروبات جلالة السلطان وأعتقد أن المشروبات المقصودة هنا هي المشروبات الروحية ) ويكون مساعداً لكاتب إدارة المطابخ ، لهذا قررنا تعيين محمد أفندي عوض حسنين وهو من حملة شهادة الدراسة الثانوية قسم ثان أدبي ومن التلاميذ الذين وجدوا تحت التمرين زمناً بديوان الأوقاف السلطانية ابتداء من أول إبريل ١٩١٧ براتب قدره خمسة جنيهات شهرياً ، وبعد تقديمه الشهادات الدراسية الحاصل عليها وشهادة حسين السير والسلوك بالطريقة المتبعة في الحكومة تماماً وضمانة مالية لا تقل قيمتها عن مائتي جنيهمصري يجري قيده كما ذكر كاتب ثان لإدارة المطابخ ، أما أبو المعاطي أفندي محمد فيكون كاتب أول للإدارة . الإمضاء أحمد عفيفي ناظر الخاصة السلطانية بتاريخ ٣١ مارس ١٩١٧ ، وعلي الوثيقة ختم الإدارة العمومية لقلم المستخدمين والعمال بسكك حديد وتلغرافات وتليفونات الحكومة المصرية .

و هذه الوثيقة في نظري غاية في الأهمية علي طرافتها وغرابتها، فهي توضح أنه كانت توجد نظارة أو وزارة مختصة بالشئون السلطانية أو المنشآت والأفراد والمستخدمين الذين يعملون في خدمة السلطان تقوم علي رعاية مصالحه، ويدخل ضمن نطاق عملها مطابخ القصور والمخازن المشروبات والأغذية السلطانية ، أما الأغرب فهو اختلاق وظيفة مخزنجي لمخزن المشروبات السلطانية وهي تعني بالضرورة المشروبات الكحولية، ففي هذا الوقت من الزمان لم تكن المشروبات الغازية قد عُرفت أو أُخترعت بعد ولم يكن معروفاً في مصر الا المشروبات الطبيعية مثل الليمونادة والعرقسوس والسوبيا وغيرها من المشروبات التي عرفها الشارع والمواطن المصري البسيط، والتي لم تكن لتستدعي وجود مخزن أو مخزنجي أو كاتبا لتقييد الصادر والوارد وبالتالي فالأقرب للتصديق والعقل أن يكون الحديث عن المشروبات الكحولية والتي عرفتها القصور السلطانية لكثرة وجود الأجانب في مصر في ذلك الوقت، ولإنفتاح مصر علي أوروبا والعالم الخارجي ، ولكن هل كان ذلك يستلزم وجود مخزن خاص لتلك المشروبات وتعيين كاتب خصوصي لها حسن السير والسلوك علي أن يتم اختياره من الذين سبق أن تدربوا بديوان الأوقاف السلطانية، لاشك كان الأمر يستحق فهذه المشروبات لم تكن تُصنع في مصر فكان يتم استيرادها بمئات الجنيهات خصيصاً للقصور السلطانية لذا لزم تقييد الداخل والخارج منها بواسطة موظف أمين ( شبعان ) لضمان عدم التلاعب والسرقة والاختلاس ( والحق يقال لم تذكر لنا الوثائق القديمة أو علي الأقل التي وقعت تحت يدي حتي الآن هل كانت السلطان حسين كامل يحتسي الخمور أم كان تقدم للضيوف الأجانب فقط وإن كنت أعتقد أنه لم يكن يتناولها ) . .. الشىء الآخر اللافت للنظر هو الشروط اللازم توافرها في هذا المخزنجي فهو بداية لابد أن يكون من حملة الشهادة الثانوية ولم يتم الاكتفاء بالقراءة والكتابة، وهو أمر غريب وغير دارج في هذا الوقت مما يعني أن السلطان كان معنياً باختيار الموظفين الأكفاء والمتعلمين الذين يعملون بمعيته حتي وإن كانوا سيعملون بالمخازن والمطابخ، فالهدف في النهاية هو حسن اختيار العمالة ، وأن يكون لديه شهادة رسمية بحسن السير والسلوك وهذا طلب ليس بغريب في هذا الوقت فهو من مسوغات التعيين في أي مصلحة حكومية بشهادة إثنين من الموظفين المحترمين، أما الشرط الثالث والعجيب فهو وضع ضمانة مالية قدرها ٢٠٠ جنيه قبل بدء العمل وهذا المبلغ يضمن عدم قيام الموظف باختلاس أي شىء ولكن الغريب هو من أين سيأتي هذا الموظف البسيط بهذا المبلغ الضخم وإذا كان يملك هذا المبلغ فما حاجته للعمل إذن ؟ ولكن مما لاشك فيه أنه سيقوم باقتراضه أو جمعه من أي مكان .. فالعمل في نظارة الخاصة السلطانية وبمعية السلطان فرصة لا تعوض والراتب المحدد مبلغ ضخم ( خمسة جنيهات .. حتة واحدة ) . ومن هذه الوثيقة نتبين أن مصر في ذلك الوقت كانت تهتم بالتعليم وتوظيف العمال الأكفاء المتعلمين في كل الأماكن بدءاً من أبسط درجات السلم الوظيفي وحتي أعلاه .. بقي أن أقول إن السلطان حسين كامل هو ابن الخديو إسماعيل والأميرة نور فلك هانم وحكم مصر في الفترة من ١٩ ديسمبر ١٩١٤ وحتي توفي في ٩ أكتوبر ١٩١٧ خلفاً لابن أخيه الخديو عباس حلمي الثاني، وقبل توليه الحكم تولي نظارة الأشغال العمومية وأنشأ سكة حديد القاهرة – حلوان، ثم نظارة المالية ثم رئاسة مجلس شوري القوانين وقد توفي بالقاهرة عن عمر يناهز ٦٣ عاماً .. والله علي مصر وسلاطينها زمان .

amalgayar@ahram.org .eg

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق