الأثنين 30 من جمادي الاولى 1435 هــ 31 مارس 2014 السنة 138 العدد 46501

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ربيع عربى .. ولكن فى الأدب
كلنا يعرف كيف تربع الكتّاب المصريون على عرش الثقافة العربية طيلة القرن العشرين، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم بما إذا كان هذا الوضع مازال مستمرا أم انتهي، لقد ظهرت بالطبع، خلال المائة عام الماضية، أسماء لامعة فى هذا البلد العربى أو ذاك

لأدباء وشعراء ومؤرخين وعلماء اجتماع، من خارج مصر، ولكن الريادة والقيادة استمرت لمصر بلا منازع، ولأسباب لا حاجة للخوض فيها.

أذكر أنى عندما زرت لبنان لأول مرة، وأنا طالب سنى سبعة عشر عاما، وكان لبنان أول بلد عربى تطؤه قدمي، فوجئت، وسررت بالطبع، بأن أجد أسماء الأدباء المصريين الكبار، كطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم، هم أيضا الأدباء الكبار فى نظر اللبنانيين، ثم تكررت الملاحظة نفسها عندما زرت بعد ذلك بلدا عربيا بعد آخر، وعندما زرت اليمن لأول مرة وأنا فى الخمسين من عمري، كم سرّنى ما سمعته من أديب يمنى يكبرنى فى السن، إذ قال لي: إنه فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، كانت تصل إلى صنعاء نسختان من مجلة «الثقافة» الأسبوعية، وكانت مع مجلة «الرسالة» أرفع المجلات المصرية الأدبية شأنا، فيتبادلهما المثقفون اليمنيون، بين صنعاء، وتعز، وتعودان فى النهاية إلى صنعاء وصفحاتهما مهلهلة من كثرة الأيدى التى تعاقبت عليهما، سمعت أيضا، منذ فترة طويلة، من يقول إن «المصريين يكتبون، واللبنانيين ينشرون، والعراقيين يقرأون»، وهو قول رغم ما فيه بالطبع من مبالغة وتبسيط شديدين، كان بلاشك يحمل بعض الصدق، فما الذى حدث منذ ذلك الوقت؟

تضاعف عدد المتعلمين فى كل البلاد العربية «ذكورا وإناثا»، وأنشئت الجامعات فى بلد عربى بعد آخر «بمساعدة المصريين وغيرهم»، وانفتحت البلاد العربية على العالم، فتضاعف عدد القراء والناشرين والكتّاب، والمبدعين من كل صنف، حتى جلس إلى جانب المصريين على عرش الثقافة العربية ممثلون لكل البلاد العربية، وهو تطور لابد أن يفرح به المصريون، كما تفرح الشقيقة الكبرى برؤية أشقائها وقد أصبحوا منافسين لها فى الجمال والإبداع.

تعددت الأمثلة التى صادفتها خلال الثلاثين عاما الماضية لتأكيد هذه الظاهرة: أن مصر لم تعد وحدها على عرش الثقافة العربية لا فى تأليف الكتب، ولا فى الترجمة أو النشر أو القراءة، ولا فى التأليف الموسيقى أو الإنتاج السينمائى أو التليفزيوني، ثم حدث لها فى العامين الماضيين ما أتاح فرصة الاقتراب الحميم من الأدباء العرب، مصريين وغير مصريين، فتأكدت لى هذه الظاهرة التى لم يعد ثمة شك فيها، وهى التى يمكن وصفها بـ»الربيع العربي.. فى الأدب«.

ففى منتصف سنة 2012، اتصل بى من يخبرنى باختيارى رئيسا للجنة التحكيم فى جائزة البوكر العربية أو بالتعبير الدقيق »الجائزة العالمية للرواية العربية«، فى الدورة السادسة لها، لنقوم باختيار أفضل رواية عربية صدرت فى عام 2011/2012، ومعى فى لجنة التحكيم أستاذ لبنانى فى الأدب، وأستاذة جزائرية، وفنان سوري، ومستشرقة بولندية متخصصة فى الأدب العربي، دُهشت للخبر بمقدار سرورى به، فأنا اقتصادى بحكم التخصص والمهنة، وإن كنت أحب الأدب أكثر مما أحب علم الاقتصاد، ورغم دهشتى فقد قبلت على الفور، إذ اعتبرت المهمة واعدة بقدر كبير من المتعة والفائدة، ولم أعتبر »خطأ أو صوابا« أنى أقل قدرة من غيرى على القيام بهذه المهمة.

كان يجدر بى أن أشعر بالخوف والقلق عندما علمت أن عدد الروايات المقدمة للمسابقة 133 رواية، بعضها يزيد حجمه على 600 صفحة، ولكنى سرعان ما هدأت وزال قلقي، فقد كان لديّ تجربة سابقة بصدد جائزة مماثلة، وان كانت أقل شهرة، كان عدد الكتب المقدمة فى التجربة السابقة 75 كتابا، ولكن سرعان ما اكتشفت فى تلك المسابقة، كما اكتشفت فى هذه المسابقة أيضا أن السخافة فيما تقرؤه، شأنها شأن السخافة فيمن نقابلهم من أشخاص، يسهل اكتشافها بسرعة، ومن ثم يسهل استبعاد بعض الروايات بعد صفحات قليلة، أو بعد صفحات كثيرة إذا أردت الوصول إلى يقين تام بسخافتها.

ومع ذلك فقد تبينت لدينا حصيلة كبيرة من الأعمال الأدبية الرائعة الآتية من مختلف البلاد العربية، والتى يحار المرء فى أيها أفضل من الأخري، وانتهينا إلى قائمة قصيرة من ست روايات، اتفقنا نحن الخمسة على أنها أعمال جيدة جدا، قبل أن نختار منها أفضلها، وكانت مفاجأة سارة لنا أن المؤلفين الستة ينتمون إلى ستة بلاد عربية مختلفة، دون أى تعمد من جانبنا للوصول إلى هذه النتيجة، فكان هناك التونسى حسين الواذ وروايته »سعادته السيد الوزير«، والمصرى إبراهيم عيسى »مولانا«، واللبنانية جنى فواز الحسن »أنا، وهى والآخريات«، والعراقى سنان أنطون »يا مريم«، والكويتى سعود السنعوسي: »ساق البامبو«، والسعودى محمد حسن علوان »القدنس«، ثم اخترنا الرواية الكويتية »ساق البامبو« للفوز بالجائزة الأولي.

ها قد تأكد لى مرة أخرى أن هناك »ربيعا عربيا« فى الثقافة، ليس فقط لأننا عثرنا على ست روايات بالغة الجمال من ست دول عربية مختلفة، بل لقد عثرت أنا أيضا من بين الأعمال الأخرى المقدمة للمسابقة، على روايات أخرى بالغة الجمال أيضا، وإن لم تتفق بشأنها آراء المحكمين الخمسة، وهى نتيجة حتمية لتأثر تقييم الأدب ببعض اعتبارات تتعلق بالذوق الشخصى لمن يصدر الحكم. وأذكر من بين هذه الروايات روايتين جميلتين، إحداهما لروائى مصرى موهوب، هو هشام الخشن، كنت قد قرأت له أعمالا جميلة من قبل، ثم قدم هذه الرواية الجميلة أيضا »آدم المصري« الدار المصرية اللبنانية 2012، أما الأخرى فرواية »أحلام ممنوعة« لكاتبة سعودية من أب سعودى وأم مصرية، هى نور عبدالمجيد، ثم قرأت لها بعد ذلك رواية جديدة »صولو« ـ دار الساقى 2014، وكان فرحى بها أكبر من فرحى بـ »أحلام ممنوعة«، إذ وجدت فيها ثلاث صفات يندر أن تجتمع وهى الموهبة والشجاعة والحكمة.

فى أثناء قراءتى لرواية »صولو« شاهدت فيلما سينمائيا جديدا، اعتبرته من أجمل ما رأيت من أفلام على الإطلاق، اسمه »واجدة«، وكان يعرض عندما رأيته فى مختلف الدول الأوروبية والأمريكية فى الوقت نفسه، ويشترك فى المنافسة على جائزة الأوسكار، فرحت بالفيلم كما فرحت عندما عرفت أنه أول فيلم سعودى على الإطلاق، كتبت قصته وأخرجته وكتبت السيناريو سيدة سعودية »هيفاء المنصور«، وجرى تصويره فى السعودية.

قد لا يكون الفصل الذى تمّر به البلاد العربية الآن هو فصل الربيع فى السياسة، ولكننا بكل تأكيد نمّر بربيع عربى فى الأدب.


لمزيد من مقالات د‏.‏ جلال أمين

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة