الثلاثاء 3 من جمادي الاولى 1435 هــ 4 مارس 2014 السنة 138 العدد 46474

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«نساء القاهرة – دبى»

بقلم : بهاء جاهين
ناصر عراق
لفتنى أكثر ما لفتنى فى هذه الرواية المعمار. نعم، الشخصيات حية، وتعكس مجتمعاً يضج بقضايا ساخنة أو عميقة، ولغة الحكى بسيطة وفى المجمل بليغة فى بساطتها.. كل هذا صحيح، لكنى قابلت كل هذا فى روايات كثيرة، أما المختلف والمتفوق هنا فهو البناء.

ولكن عن أى رواية أتحدث؟

إنها رواية ناصر عراق “نساء القاهرة - دبى” التى صدرت الشهر الماضى عن الدار المصرية - اللبنانية. وهى رواية أول ما فيها من العمارة ضخامتها، فهى تقع فى 670 صفحة. ولكن هذه السمة قد تكون خادعة، وبسهولة, فيمكن أن يأتى المرء بكومة من الهراء تقع فى ألف صفحة دون أن يكون لها رأس من ذنب. أما «نساء» ناصر عراق أو «القاهرة - دبى»، فهى بناء معمارى مركب، يجمع بين السيمترية أو التناسب والانسجام والتناغم الهندسى, وهى القاعدة الأم فى العمارة الكلاسيكية، وبين الحداثة.

فناصر عراق يضفر زمنين، أحدهما يمتد سنين والآخر ساعات، فتتناوب الفصول بين خمسة أو ستة فصول فى الامتداد الزمنى الكبير، الممتد بين عامى 1973 و1986، يتلوها فصلان، الوقت فيهما يستغرق دقائق أو ساعة فى يوم مذكور من أيام نوفمبر عام 2011، الفصل الأول على لسان مادلين ابنة سوزان بطلة الرواية أو إحدى بطلاتها، والثانى على لسان فيليب ابنها. والزمن الذى يقاس بالساعات تقع أحداثه فى دبى، ومعظمها يدور فى مستشفى، حيث ترقد سوزان بين الحياة والموت.

ثم نعود إلى الزمان القديم حين كانت سوزان فى مدينتها القاهرة طالبة تدرس الفن وتكتشف الحب بعد الحب، ونرى جدها الأستاذ جرجس التلميذ المستنير لطه حسين، وأمها إنصاف التى تعيش استشهاداً من نوع خاص بعد استشهاد زوجها فى عز شبابهما عام 1967. ونرى رفاق الجد فى المقهى فى حوارات تعكس زلزال السبعينيات وما تلاها حتى ينتهى الجزء الأول بموت الجد عام 1986.

ويستمر هذا التناوب بين فصلى دبى القصيرين (واحد على لسان مادلين والثانى دائماً على لسان فيليب)، وبين فصول القاهرة الأطول والأكثر عدداً والتى تغطى امتداداً أكبر فى الزمن، أو لحظات منه، يستمر فى الجزء الثانى حتى تصل الرواية فى فصولها لنقطة التقاء زمان القاهرة بزمان دبى، ويحكى لنا ناصر عراق أخيراً، بعد أن شوقنا طويلاً، حكاية سوزان فى دبى مع زوجها الذى تمقته وحبيبها الذى أحيا أنوثتها الموءودة، ثم ما حدث فى منزل سوزان بدبى وأدى إلى سقوطها فى غيبوبة، ومن ثم انتقالها إلى المستشفى، فى الفصول المعنونة: مادلين.. أو فيليب.. فى 24 أو 25-11-2011 .

وبعبارة تشبيهية، إن بناء هذه الرواية كشارعين أولهما طويل عريض، والآخر قصير ضيق، ينجح ناصر عراق فى أن يجعلنا بقدرة قادر نسير فيهما معاً، بقدم هنا وقدم هناك.

لكنه يطبق قانون المنظور الذى درسه فى كلية الفنون الجميلة، لنجد أنفسنا, عند نقطة ما قرب النهاية، نسير فى درب واحد بعد أن التقت التفريعتان.

إن دارس الفن فى كلية الفنون الجميلة يدرس فن العمارة، لكن هذه النقطة لا قيمة لها، لأن المهم هو العمل الذى أمامنا، دون النظر إلى الخلفية الدراسية لكاتبه.

“نساء القاهرة - دبى"، رواية تقنعك بشخصياتها، السياسة لا تتطفل كثيراً على الحياة فيها لكنها موجودة وبقوة دون أن تحول الشخصيات إلى دُمى, وعنوانها خادع نوعاً ما، لأن الرجال فيها شخصيات روائية لا تقل جاذبية عن النساء، وتدفق الحكى وفتنته رغم ضخامة العمل لا يجعلك تلقيه جانباً، بل تحب شخصياته، حتى غير الملائكية منها، لأنها جميعاً تنبض بالحياة، ولذلك تظل معهم حتى آخر سطر, وربما تحن إليهم فى يوم ما.. فتعود لنساء ورجال القاهرة ودبى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق