الثلاثاء 11 من ربيع الثاني 1435 هــ 11 فبراير 2014 السنة 138 العدد 46453

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هنا القاهرة

◀ بقلم : بهاء جاهين
لم يكن سر قلقى عدم الاستمتاع. بالعكس, الرواية بها شخصيات فاتنة، خاصة الشخصية التى تلعب البطولة الثانية: سعيد صابر، وسنأتى إليها. وهى مليئة بالشجن الضاحك أو الضحك الشجى والنماذج الإنسانية العجيبة والطريفة. ولكنى وأنا أكاد أغلق الرواية بعد انتهائى من سطورها الأخيرة اكتشفت سر قلقى: إنه العنوان.

«هنا القاهرة»..عنوان رواية إبراهيم عبد المجيد الجديدة الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية..أعطانى انطباعا خاطئا بأن هذا العمل يُلخص قاهرة السبعينيات، وينفذ إلى جوهرها، بينما هو فى الحقيقة سيرة بعض مثقفى السبعينيات، خاصة اليساريين منهم، ممن كانوا يقيمون فى القاهرة فى مرحلة التحول الرأسمالى (1974 1979)، أو ما اصطلحنا على تسميته الانفتاح. هناك إشارات لارتفاع الأسعار لكن شخصيات الرواية تعانى أكثر من الحب. إنها رواية نخبوية - بالمعنى الثقافى للكلمة- وهذا ليس عيبا، إلا أن العنوان يجعلنا نتوقع رواية مختلفة.

ولكن ما العيب فى عنوان يحدد مكان وقوع الحدث؟ لا عيب.إلا إذا أثر على التلقى فأثار توقعات عند القارئ لا تعد بها الرواية ولا تقصدها. إنى أكتب عن رواية جميلة ظلت مستحوذة على خيالى ومهيمنة على وجدانى طوال مدة قراءتها, و لكن طوال الوقت أيضا كان هناك وسواس يوسوس لى أن هناك خطأ ما . ومع الأسطر الأخيرة اكتشفت أنى كنت أنتظر من الكاتب عملا ليس هو روايته ولا ينبغى أن يكون.

كنت أنتظر أن ألمس قلب القاهرة المنصهر, أن تغوص الرواية فى جرح الفقر والغضب المتقيح, لمجرد أن العنوان يقول «هنا القاهرة»

فإذا طرحنا مسألة العنوان جانبا، فأنا أقرأ الرواية كالتالى: إنها رواية عن الضحك. عن ناس يضحكون كأسلوب حياة. هم ليسوا سعداء بالمعنى التقليدى. بالعكس، فمالهم قليل، وتعاستهم فى الحب أكبر من سعادتهم، ويخافون أمن الدولة حتى يزورهم فيضحكون فى الزنزانة. منهم من شارك فى أحداث يناير 1977 لكن البنت الجميلة التى التقاها فى المظاهرة تبدو أهم لديه من الحدث نفسه.

إنها رواية كالموسيقى الخفيفة التى يستمع إليها البطلان عبر البرنامج الموسيقى بعد منتصف الليل. الأول روحه كراقص الباليه، «حبّيب» رومانسى أكثر منه ثائرا سياسيا، طويل جدا واسمه صابر سعيد، وكذلك صاحبه وساكن حجرته سعيد صابر، قصير جدا لكنه كصاحبه رومانسى وإن كان يعلن فلسفة أبيقورية شهوانية لا يلتزم بها تماما، لأنه يقع فى الحب كصاحبه من حين لحين.

الأول الطويل ناقد أدبى لكنه له روح فنان مرهف، بينما صاحبه القصير فنان مرهف يمارس الإخراج المسرحى. يلتقيان فى عالم الثقافة الجماهيرية حيث يعملان معا، ويسكنان الحجرة نفسها، وتتطور بينهما صداقة نادرة، خاصة بعد أن سكنا الزنزانة معا لأسباب عبثية.

الرواية فى معظمها سجل لقفشات سعيد وصابر، القزم والعملاق اللذين يشبهان من الخارج ثنائياً من فن المسخرة مثل لوريل وهاردى، ورفيعة هانم والسبع أفندى، ولكنهما فى الجوهر روحان فى غاية الرقة، يكادان أن يكونا توءمين، لولا أن سعيد القصير أكثر جرأة وواقعية، ولكنهما معا يتعذبان بالحب بالقدر نفسه، ويقفان فى نهاية السبعينيات عاجزين عن الاستمرار أمام قاهرة تزداد توحشا وغلاء، فيسافر أحدهما إلى السعودية والآخر سعيد- يسافر إلى باريس لتحضير رسالة دكتوراه فى المسرح.

وفى السعودية يكتب صابر وهو الناقد الأدبى- روايته الأولى, وهى الرواية نفسها التى أعرضها لك عزيزى القارئ, إلا أن إبراهيم عبدالمجيد كتبها فى الحقيقة ، وصابر سعيد أبدعها فى الخيال: قصة صابر سعيد وسعيد صابر، تلك الرواية المضحكة التى يتخللها الدمع، والتى لا تدعى أنها تعبر عن فقراء القاهرة الذين نزل عليهم الانفتاح كالزلزال.

فى العمل إشارات عابرة لبدء تكون العشوائيات ومحال الأطعمة الأمريكية والتجريف، وهناك ذكر بالطبع لانتفاضة يناير 1977، لكن تظل الرواية رواية مثقفين، يشتغلون بالسياسة أى نعم لكنهم يهتمون بالحب أكثر، مجموعة فنانين وكُتَّاب يمارس بعضهم العمل السرى فى تنظيمات خائبة. خيبات فى السياسة وخيبات فى الحب , لكن يظل الضحك الجميل المبدع هو بطل العمل، يستغرق أكثر صفحاته، وهو ضحك فى ذيله شجن لا يُصرَّح به لكنا نلمحه حين يخلع سعيد صابر نظارته ليمسح غيمة شفيفة تكثفت على زجاجها.

هذه الشاعرية المرهفة من سمات الموسيقى الخفيفة فى أفضل نماذجها, وكذلك المرح، وكلاهما من فضائل هذه الرواية الممتعة بحق، التى أنصحك بكل تأكيد وأحضك على قراءتها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق