الجمعة 30 من ربيع الأول 1435 هــ 31 يناير 2014 السنة 138 العدد 46442

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المفكر اللبناني كريم مروة‏:‏علي الحركات الإسلامية التعلم من تجاربها في السلطة وخارجها

حوار‏:‏ كارم يحيي
لعائلة مروة من جنوب لبنان حكايتها مع مصر والمصريين فـ حسين ابن عم والد المفكر كريم مروة كتب في عام‏1955‏ مقدمة كتاب في الثقافة المصرية للراحلين عبد العظيم أنيس و محمود أمين العالم في طبعته الأولي ببيروت

وهو كتاب كان له شأن في الثقافة والنقد الأدبي, فيما كان مؤلفاه لاجئين في بيروت بعد فصلهما من الجامعة. أما كريم نفسه فقد جاء القاهرة للمرة الأولي عام1954 ليتعرف علي الأديب عبدالرحمن الشرقاوي والعديد من مثقفيها. والآن وبعد ستين عاما عامرة في السياسة والثقافة ومن مواقع اليسار ونقد اليسار عاد ضيفا علي معرض القاهرة للكتاب, وصدر له وجوه مصرية مضيئة في الفكر والادب والفن و أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي. ولذا فقد بدأنا حوارنا معه بسؤال في المقارنة بين مصر والعالم العربي في عام1954 علي اعتاب باندونج واطلاق حركة التحرر الوطني, وبين مصر والعالم العربي الآن بعد3 سنوات من ثورة25 يناير, وهل هي علي اعتاب مرحلة جديدة, فأجاب:
ـ التاريخ لا يتكرر. وكل محاولة لقراءة التاريخ كما لو أنه ثابت وشروطه لا تتغير تقود الي نوع من العبثية. لكن في بعض الأحيان تظهر ملامح متشابهة. وفي المقارنة بين حقبة54 المرتبطة بثورة23 يوليو والحقبة الراهنة شئ من الرومانسية, وأعني بها ما يتمثل بالشعارات التي يطرحها الشباب الراغبون في الخروج من أوضاعهم القائمة باتجاه شروط حياة أفضل وبسرعة استثنائية علي غرار( اليوم.. اليوم.. وليس غدا). لكن علينا نحن الذين علمتنا التجارب أن نقرأ اليوم بواقعية مايجري من احداث و ما تنبئ به هذه الأحداث بالنسبة للمستقبل. وفي يقيني بشئ من التحفظ اننا اليوم في مصر والعالم العربي نعيش في شروط تاريخية تهئ للقوي الراغبة في التغيير إمكان تحقيق مالم تستطع في الأزمنة السابقة. وأعني ان ما أسميه بالثورات العربية ـ بخلاف آخرين ـ قد فتحت الباب علي مستقبل جديد. لكنني بخلاف الشباب الطامح طموحا جارفا الي تغيير شروط حياته وهو محق أعتقد ان المرحلة المقبلة هي مرحلة بالغة الأهمية, ستكون طويلة في الزمن وستكون حافلة بالصراعات. وعلينا ان نعترف بذلك حتي لانقع فيما وقعنا به في الزمن السابق. وأنا اعتقد بمعزل عن التسميات وعن التوصيفات اننا نواجه مرحلة تغيير اقتصادي واجتماعي وثقافي بمعني معرفة حقيقة الواقع القائم ومعرفة الشروط الضرورية التي لابد من اخذها في الاعتبار في عملية الانتقال الي التغيير المنشود. وهذه الأمور تتطلب ارتقاء بالوعي عند الشباب من جهة وتخلص الكهول من جهة اخري من آثار الجمود وقراءة الجميع للماضي وتجاربه من اجل تجنب عناصر الخلل التي قادت الحركات الوطنية والاجتماعية في المراحل السابقة الي الفشل.
متفائل بدور مصر
وهل استوعبنا دروس واخطاء انكسار حركة التحرر الوطني؟
ـ عندما نتحدث عن مرحلة التحرر الوطني نعني بذلك المرحلة التي كنا نسعي لإنجاز مهمة تحررنا السياسي من السيطرة الأجنبية وتحقيق استقلال بلادنا السياسي. ويتبقي من قضية التحرر الوطني ومن مهامها أن نخرج بلادنا مما وقعت فيه بعد الاستقلال من قبضة الاستبداد بصيغة المختلفة.. فهل تعلمنا حتي لا نكرر المأساة التي واجهتنا في مراحل سابقة من تاريخنا. لكن شرط التعلم ان تقوم قوي المجتمع باطيافه المختلفة والقوي الديموقراطية علي وجه التحديد بتعبئة الجماهير في النضال من أجل قضاياها والوقوف في وجه كل المحاولات التي يمكن ان تودي بالقادة التاريخيين الي الانحراف عن المهام المطلوب انجازها وتصحيح مسار ودور الدولة لكي تلعب وظيفتها في الاقتصاد والاجتماع وهكذا. وبمقدار ما تكون قوي المجتمع حاضرة فانها تستطيع ان تجعل دور الفرد القائد ـ عندما يوجد اذا كان وجوده ضروريا ـ دورا ايجابيا بدلا من ان يكون سلبيا.
الي اي حد أنت متفائل بدور مصر المستقبلي بين العرب بعد طول غياب.. وماهي شروط هذا الدور القيادي الجديد؟
ـ أسارع الي القول بأنني متفائل بدور مصر القادم. الدور الذي انتظرناه طويلا. والمصدر الأساسي للتفاؤل هو ما شهدناه خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وهو ما لم نشهد له مثيلا وبمستواه في مصر ما قبل ثورة25 يناير علي اهمية ماكان يجري من نضالات. فخروج المصريين الي الشارع خلال هذه الأعوام الثلاثة بهذا القدر من التصميم والشجاعة وكسر حاجزالخوف تحت شعارات بسيطة جدا من عيش وحرية وكرامة كان مشهدا رائعا. وبالطبع المعركة طويلة. لكنها بدأت. وطول المعركة لا يقلل من اهميتها بشرط ان يرتقي وعي الشباب الذين نفخر بهم في مصر والعالم العربي وببطولاتهم للدخول في نضال مبرمج ومنظم وعلي قاعدة المرحلية في النضال وعدم الاستعجال علي الطريقة الرومانسية في الوصول الي المستقبل. لكن هناك شرطا آخر يتعلق بدور القوي الديمقراطية من يسار الي الليبراليين التي عليها هي الأخري ان تتعلم من تجاربها وأن تعمل بدأب من أجل تنظيم صفوف الجماهير بكل الصيغ المتاحة في متابعة المعركة مهما طال زمنها من اجل تحقيق ما يمكن تحقيقه والانتقال الي تحقيق أمور اخري من اهداف الثورة. بهذين الشرطين يمكن انتظار المعجزة التي بدأ يصنعها منذ ثلاثة أعوام الشعب المصري باتجاه اعادة مصر الي دورها التاريخي في العالم العربي وحتي في إفريقيا. وأكاد أقول علي الصعيد العالمي. و أنا متفائل بالمستقبل.
ما رأيك في الإدعاء بأن ثورات الربيع العربي مؤامرة خارجية وتحديدا أمريكية ؟
ـ أنا أرفض رفضا مطلقا مثل هذا القول لأنني احترم شعوبنا. وأحترم قرارها بالنضال لتغيير شروط حياتها انطلاقا من حاجتها الي ذلك.وهي ليست بحاجة الي من يرشدها الي هذا الطريق. وهذا القول هو تحقير للشعوب وتحقير لنضالاتها. لكن هذا لا يمنع ان هناك بعض الناس المرتبطين بالأجهزة الأمريكية وغير الأمريكية ممن يحاولون الانخراط في الثورات لكي يكون لهم موقع.
يلفت النظر في كتابك الأخير شخصيات مصرية مضيئة في الفكر والأدب والفن أن أيا منها(15 شخصية) لم تولد بعد الحرب العالمية الثانية.. وهذا يطرح استفهاما عن مرحلة الاستقلال الوطني وهل عجزت عن تقديم شخصيات رموز بالوزن والتأثير؟
ـ حقا..لا يوجد لدي جواب قاطع واضح. لكنني احاول ان اجيب مع التحفظ بالقول بأن المرحلة السابقة علي الاستقلال كانت مرحلة جامعة. كان المجتمع كله معنيا بتحقيق الاستقلال. وكان هذا الاستقلال قضية أساسية. ومن هنا جاءت الظاهرة التي تتحدث عنها إذ أن المجتمع كله كان مهموما بكيفية التحرر من السيطرة الأجنبية. وفي المرحلة التي اعقبت الاستقلال اختلفت الأمور وبدأت تتباين الاهتمامات والهموم. وبدأ نوع جديد من الصراع في المجتمع حول المرحلة التالية للاستقلال. والمشكلة الأساسية هي ان القوي التي تسلمت السلطة في مرحلة الاستقلال لم يكن معظمها في مستوي تقدير أهمية المرحلة الجديدة. ولم يكن المجتمع أيضا في مستوي تحديد كيف يواجه هذه المرحلة. هذا الارتباك والصراع المرافق له ربما يكون ـ ولست جازما في ذلك ـ هو السبب فيما أشرت اليه في سؤالك. وتحضرني باعتباري أحد أعضاء النخب السياسية المخضرمين أمثلة عديدة علي نوع الصراعات التي كان بعضها عبثيا بين القوي التي تحمل راية التغيير ويدعي كل منها ان مشروعها وبرنامجها وحزبها هو الذي يمثل قطعا الطريق الي المستقبل. ولقد انتهي الأمر بفشل الجميع وسيطرة أشكال سيئة من الأنظمة المستبدة.
أزمة الحركات الإسلامية واليسار
قلتم من قبل انه لا مستقبل للقوي الإسلامية في قيادة البلاد العربية.. فهل لديكم اليقين بأنها جميعا قد أفلست ؟ وما هي مآلاتها؟
ـ أكاد أصل الي رأي شبه قاطع بأن جميع الحركات التي ارتبطت بالدين الإسلامي وهي بالأصل ضد قيمه الإنسانية ـ ما وصل منها للسلطة وما لم يصل ـ غير مهيأة علي الإطلاق لقيادة دولنا. لذلك فإن من الأفضل لهذه الحركات الإسلامية ان تقرأ تجاربها في السلطة وخارجها كي تقرر كيف تخرج من الأزمة التي خلقتها لبلادها وتندمج في حركات التغيير الديموقراطية وتأخذ مكانها داخل هذه الحركات. وهذا حق لها ولما يرتبط بها من جمهور كبير. آن الأوان لكي تتعلم هذه الحركات من تجاربها. وفي يقيني ان الحل الأسلم والصحيح هو الاقرار بفصل الدين عن الدولة والخروج من اقحام الدين في شئون الدول. وبالمقابل أري ان علي القوي الديموقراطية ان تحسن معاملة المؤمنين وان تبذل كل جهدها لكي يندمجوا في حركة التغيير الديموقراطي التي جوهرها تغيير شروط حياة الناس نحو الأفضل دون ان يؤدي هذا الإندماج الي تغيير قناعاتهم الدينية.
تنادون منذ السبعينيات بيسار عربي جديد.. ماهي شروط ميلاد هذا اليسار واي دور له في واقعنا الراهن ومستقبلنا ؟
ـ آن الأوان لكي نستخلص تجربة اليسار بأحزابه ومرجعياته المختلفة في بلادنا ومن تجربة الاشتراكية التي انهارت بعد ثلاثة ارباع القرن من قيام ثورة أكتوبر في روسيا( عام1917). هذا ينبع من ان التاريخ يفرض علينا كيسار استنادا الي مشروع ماركس لتغيير العالم ان نجدد ونغير شعاراتنا ومقولاتنا ومفاهيمنا وفق ما تقدمه شروط العصر. والمؤسف جدا ان أحدا من أحزاب اليسار ـ وأسمح لنفسي بالإطلاق ـ لم يخرج من الأزمة التي ولدها انهيار التجربة الاشتراكية. وفي كتاباتي الأخيرة وضعت برنامجا لقوي اليسار في العالم العربي لا توجد فيه كلمة واحدة عن الاشتراكية. لا لأنني لست اشتراكيا بل أنا اشتراكي معاصر بالأصل. بل لأنني رأيت وما زلت أري ان المهمات المطلوب علي قوي اليسار النضال من أجل تحقيقها لا صله لها مطلقا بكلمة اشتراكية. وأقترح هنا أن تكون أول مهمة لليسار هي بناء دولة ديموقراطية مدنية حديثة في بلادنا.. لأنني اعتبر ان هذه الدولة لم تولد بعد. فقد عشنا فترة طويلة في ظل سلطات لادول. سلطات لشخصيات قادة تاريخيين كارزميين أقاموا حولهم احزابا او ما اشبه. والدولة التي نحتاج اليها هي التي تقوم علي مؤسسات تهتم بكل قضايا المجتمع. مؤسسات تتمتع باستقلالية نسبية عن الدولة ذاتها.
إيران علي اعتاب تحولات جذرية
كيف تري تأثير الثورات العربية علي القضية الفلسطينية ؟
ـ لا أري الآن أي تأثير مباشر لسببين: الأول هو ان المهام الأساسية لهذه الثورات هي تحقيق اهدافها المتعلقة ببلادها. فهذه الأهداف لها الأولوية. وهي محقة في ذلك. والسبب الثاني هو ان القضية الفلسطينية مع الأسف الشديد قد ضيعتها القيادات الفلسطينية و أفقدتها زخمها الذي اتصفت به في مطالع التسعينيات. وهو ما نراه من الانقسامات الحادة داخل الفصائل الفلسطينية. الأمر الذي جعل إسرائيل تزداد شراسة في مواجهتها للحقوق الفلسطينية.
وكيف تري مستقبل سوريا علي ضوء عسكرة الثورة وخياري: نظام استبدادي أو بديل تكفيري ؟
ـ لا استطيع إلا ان اتفاءل بالمستقبل رغم الصعوبات الكبري التي تقدمها لنا الوقائع الراهنة. نظام البعث مارس تدمير سوريا خلال أربعين عاما. لكن ما فعله بشار في سوريا وطنا وأرضا وشعبا لم يفعله أحد في بلده. لذلك لا مستقبل لهذا الطاغية في بلاده. وقد وقع خطأ من المعارضة عندما حولت ثورتها من السلمية الي المسلحة. وتجربتنا في الحرب الأهلية اللبنانية تشير الي هذا الخطأ الذي ارتكبناه نحن الحركة الوطنية وخصومنا في الجبهة اللبنانية عندما استعجلنا الدخول في الحرب الأهلية ودمرنا بلدنا, ولم نستطع وضع حد للحرب إلا بتدخل العالم وبالوصاية السورية علينا. والثنائية التي يطرحها النظام في دمشق( إما النظام أو التكفيريين) شهدنا لها نماذج في السابق. كلا لا النظام ولا التكفيريين.
وهل تري فرصا لنجاح مؤتمر جنيف2 ؟
ـ المؤسف أن الشعب السوري لم يعد قادرا بمفرده علي حل أزمته مثلما حدث بالنسبة لنا في لبنان. والأزمة السورية أصبحت في أيدي قوي اقليمية ودولية. ولكل من هذه القوي مصالحها. ومع ذلك فهي جميعا تسعي لايجاد حل سياسي. لكن هذا الحل لا يمكن إلا ان يكون في حده الأدني لمصلحة الشعب السوري وتحريره من نظام الاستبداد ووضعه أمام مرحلة قادمة لاعادة بناء الوطن السوري وإعادة الإعمار. ولا حل في سوريه الا باقامة نظام ديموقراطي يصوغة الشعب السوري تدريجيا. ولكن مؤتمر جنيف2 لن يكون من السهل له الخروج بحل سريع. سيحتاج الأمر ربما الي أكثر من جنيف.
هل تخشي علي لبنان من تداعيات الأزمة السورية بسبب تركيبته الإقليمية والتدخلات الخارجية؟
ـ لبنان دائما تتأثر بما يجري في سوريا. لذلك هناك رغبة عند الأكثرية الساحقة من اللبنانيين بعدم التورط في الصراع داخل سورية. وفي رأيي ان حزب الله أخطأ بالدخول في الصراع. وآمل ان يسارع الي تصحيح هذا الخطأ لمنع تداعياته علي لبنان. وفي رأيي أن هناك مايشير الي بداية هذه المراجعة من حزب الله. وفي المحصلة فانني استبعد انفجار الوضع في لبنان لأنه لا مصلحة لأحد في هذا.
في نقاش خاص معكم توقعتم تحولات جذرية في إيران.. ما هي شواهدكم علي ذلك ؟
ـ ما أراه الآن في إيران يشير الي بداية حقيقية من قبل سلطة الجمهورية الإيرانية لمراجعة نقدية لتجربة السنوات الثلاثين الماضية. وهذا ما يعبر عنه نجاح حسن روحاني الإصلاحي المعتدل في انتخابات الرئاسة مدعوما من المرشد خامنئي. وثانيا في سعي السلطة برئاسة روحاني الي تصحيح العلاقات مع المحيط الإقليمي والعالم من خلال اتفاق جنيف. فالوضع الاقتصادي والاجتماعي اليوم في إيران في أسوأ حالاته. وهذا يهدد بانفجار اجتماعي. وهو ما اعتقد ان روحاني وخامنئي يعملان لتجنيب إيران مخاطره. وأري انه بات من مصلحة إيران ـ وهي منغمسة في الحرب بسورية ـ أن يتم الاسراع بحل سياسي هناك. حل لن يكون لبشار الاسد مكان فيه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق