الجمعة 23 من ربيع الأول 1435 هــ 24 يناير 2014 السنة 138 العدد 46435

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عالم الاجتماع الكبير د‏.‏ علي ليلة‏:
25‏ يناير و‏30‏ يونيو‏..‏ ثورة واحدة امتدت ثلاث سنوات

حوار‏:‏ صلاح غراب وسمير محمد
لا تزال القراءات والتفسيرات الاجتماعية لثورة‏25‏ يناير في مرحلة متأخرة عن مسيرة الثورة‏,‏ فالثورة نسفت كل التفسيرات الاجتماعية التي سبقتها‏,‏

 إذ إن الثورة مثلما هي حدث سياسي عظيم, فإنها بطبيعة الحال حدث اجتماعي أعظم قدرا, وستكون له تداعيات علي البناء الاجتماعي المصري. ومن ثم, كان د.علي ليلة, أستاذ علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية بجامعة عين شمس هو الرجل الأنسب لمثل هذا الحوار, حيث بين ماذا فعلت الثورة بالمهمشين, الذين كانوا جذوتها التي أوقدتها, ونواتها التي انطلقت منها, وشرارتها التي أشعلتها, وأوضح أن بناء الأخلاق سيحتاج إلي وقت, وأن الشعب أصبح هو السيد.. فإلي تفاصيل الحوار.
a هناك من يري أن ثورة25 يناير هي الثورة الحقيقية, وأن30 يونيو هي ثورة مضادة, كيف يتم فض الاشتباك بينهما؟
لا أعتقد أن هناك تناقضا بين ثورة25 يناير وثورة30 يونيو, ولكن علينا أن ننظر إليهما بحسبانهما موجات لثورة واحدة, إحداهما- أي ثورة25 يناير- أطاحت بنظام مبارك, ونجحت في ذلك, غير أن جماعة الإخوان استولت عليها واختزلتها, وكادت تطيح بالحدث الثوري ذاته, وتقضي علي طموحات المجتمع, فطور العقل الجمعي للمجتمع موجة ثانية للثورة ذاتها, صححت مسار الثورة, وأعادتها إلي المجتمع الذي فجرها. لا تناقض بين الموجتين الثوريتين, هي ثورة واحدة امتدت لفترة من الزمن لثلاث سنوات تقريبا, ويحدث في كل الثورات الأمر نفسه. الموجة الأولي من الثورة25 يناير قام بها الشعب, ووقف الجيش حارسا له. وفي الموجة الثانية30 يناير, تدفقت جماهير الشعب, وتحول الجيش إلي أداة للشعب في تنفيذ إرادته. في ثورات مصر الشعب والجيش دائما علي تضافر.
بمناسبة الذكري الثالثة لثورة25 يناير, ماذا فعلت الثورة في المجتمع المصري خلال تلك الفترة وحتي الآن؟
لقد قويت إرادة الشعب خلال الفترة من25 يناير وحتي30 يونيو, تملك الشعب الغيظ حينما رأي أن فصيلا سلب ثورته التي سالت من أجلها دماء, ورأي أن مكاسبه ضاعت منه, وأن هناك من انحرف بمسار الثورة, وتكاد مصر ذاتها تضيع. ثار في الموجة الأولي من الثورة ليسترد إرادته من نظام فاسد, وثار في الموجة الثانية ليدعم هذه الإرادة في مواجهة نظام منحرف. وعبر ثلاث سنوات, تغيرت ثقافة وقيم الشخصية المصرية. لقد أصبح الشعب هو السيد, صاحب الإرادة والاختيار, وما الدولة والحكومة وكل المؤسسات سوي أدوات لتنفيذ إرادته. أعتقد أن مصر تبدأ تاريخا جديدا, وأن الشخصية المصرية تتحرك عبر هذا التاريخ بروح جديدة, وقيم جديدة, وثقافة جديدة, وإرادة تفرض رؤية مجتمع حر كريم, ينشد العدل, والكرامة, وتأمين لقمة العيش.
ولكن لم يطرأ تغيير علي الأحوال المعيشية للناس؟
أعتقد أنه قد وقعت تغيرات عديدة في المجتمع المصري, فقد تمكن المجتمع بمواطنيه من الإطاحة بنظامين أثقلا كاهل المجتمع, وأعاقا عملية التنمية والتحديث, نظام عجوز دب فيه الفساد, وساعد في تآكل قدرات المجتمع المعنوية والمادية علي السواء, وحولنا إلي مجتمع عالة علي النظام العالمي, برغم امتلاكنا للقدرات والموارد التي تجعل منا أمة عظيمة. وبثورة عظيمة, استطاع شبابنا, واستطاعت أمتنا أن تثور عليه, وتلقي به في صندوق مخلفات التاريخ, بعد أن اعتقد أننا ملكية خاصة, وكاد يورثنا لأعقابه.
ثم جاء نظام الإخوان فاستلبوا منا ثورة25 يناير. في أثناء فرحة المجتمع وسعيه لإعادة ترتيب أوراقه, فادعوا الإسلام, والإسلام العظيم الحقيقي المتسامح, والصادق, والوسطي برئ منهم, زيفوا وعي البسطاء, وكادوا يمزقون جسد الوطن إلي أشلاء ودويلات, كادوا يبيعون أجزاء منه للغير, كأنهم ورثوا ملكية هذا الوطن, وقام الشعب في ثورة30 يونيو, وانتزع الثورة والمجتمع من بين أيديهم, وأعاد تدفق الثورة في مجراها الطبيعي.
برأيك أين يقع المهمشون من الثورة, وهم الذين كانوا نواتها وشرارتها؟
لم يقم المهمشون بالثورة, بل قام بها الشباب من أعلي الطبقة المتوسطة الذين استطاعوا التعامل مع تكنولوجيا الاتصال الحديثة. وبغض النظر عن عبث بعض الأصابع الخارجية ببعض تفاعلات الثورة وأحداثها, إلا أن شروط الثورة كانت قائمة بالداخل. وحينما دعا الشباب إلي الثورة, التحقت بهم مختلف طوائف المجتمع, التحقت الطبقة المتوسطة, والتحق المهمشون وغيرهم, غير أن المهمشين لم يقودوا الثورة. حينما يقع الظلم علي الإنسان, إما أن يتمرد ويثور, أو يتكيف رغما عنه مع واقعه. وأعتقد أن المهمشين تكيفوا مع واقعهم. غير أنه حينما لاح أمل الثورة والتغيير, وإمكانية رفع الظلم, التحقوا بالثورة وصفقوا لها, وربما شاركوا في بعض أحداثها. لقد فجر الشباب الثورة, ثم بدأت دوائرها تتسع لتشمل المجتمع بكامله.
هل كان الدين عاملا في دغدغة عواطف الناس, وهدهدة مشاعرهم, الأمر الذي أدي إلي صعود الإسلام السياسي؟
نعم استخدمت بعض الفصائل الدين لدغدغة عواطف المواطنين, فنحن شعب متدين بطبيعته, المسلمون والمسيحيون علي السواء. ندين بالإسلام الوسطي المعتدل, والإيجابي, والمتفائل, ديننا ليس عبئا علينا, ديننا سمح ينص, اتباعا لسلوك نبينا الكريم, علي أن نلتقي بالآخر, وأن ننسج خيوط المحبة والمودة معه, ديننا ينظر إلي الأمام, وينتقل بالمجتمع إلي ما هو أفضل, ليس دين هؤلاء الذين يشيعون الفوضي في حياتنا, ولا دين الذين يدفعون الأطفال إلي حمل أكفانهم, ولا دين الذين يشيعون الفرقة بالوطن, ولا دين الذين يستغلون فقر البسطاء ليبيعوا أفكارهم, البعيدة عن الدين. لقد استغل المنحرفون بالدين العواطف الدينية للبشر, وحولوا اتجاه هذه العواطف لصالحهم, لكنني أعتقد أن المجتمع بدأ يمتلك الآن قدرا واضحا من الرشد, وهذه كارثة بالنسبة لبعض الفصائل التي تعبث بالدين في السياسة. لا شك في أن الدين فيه سياسة, ولكنها ليست سياسة التآمر والقتل, والكذب, وتزييف وعي الآخرين.
فما الحل إذن؟
الحل أن نعود إلي ديننا الصحيح, الدين الوسطي, الذي يقود راياته الأزهر الشريف, والذي يدعو إلي بناء الانسان المؤمن, ليس الإنسان الذي يتربص بالسلطة ليقفز عليها ويقتنصها, دين الإنسان الذين يتعامل وفق قيم نقية وطاهرة مهما تكن الظروف وليس العابث بالدين, أو التطرف والعنف به, أو الذي يشده إلي مرجعيته المنحرفة. وأعتقد أن الأزهر يقع علي كاهله مهمة ثقيلة, أن يعمل باتجاه تعريف المواطنين بصحيح الدين, وأن يدرس ذلك في مختلف مراحل التعليم, أن يدرس صحيح الدين الإسلامي والمسيحي علي السواء, حتي يشب أبناؤنا ومواطنونا علي معرفة بصحيح الدين, فلا يغرر بهم أحد, ولا يدفعهم في الاتجاه الخاطئ. سوف تتحسن الأحوال الاقتصادية, وأنا علي يقين من ذلك, سوف يستعيد المجتمع ثقته بذاته وسوف يتاكد انتماء المواطن لمجتمعه, وسوف نتحول إلي أمة عظيمة, قوه إقليمية لا بأس بها, سوف تكون لدينا موارد تضخ في المجتمع بلا فساد, سوف تكون لدينا حرية يحميها دستورنا بلا خوف أو تهديد, سوف نكون بإزاء أمة قادرة علي الانطلاق بقوة. ثم تأتي المرحلة الأخيرة حينما يكتمل بناء الأخلاق, أخلاق المجتمع, المستندة إلي التدين المعتدل الذي يعكس الروح الجوهرية للإسلام. فبناء الأخلاق سوف يحتاج إلي وقت, ولا مانع أن يبذل الأزهر الشريف جهدا في دعم حركة التجديد والتأويل الديني, بحيث تصبح الأخلاق النقية الطاهرة, أخلاق العمل والجهد والاجتهاد, هي التي تقود حركة المجتمع.
متي يختفي الكيد السياسي والاحتراب من المشهد المصري؟
حينما يمتلك المجتمع عافية وصحة اجتماعية, سوف يحكم المجتمع بعقله علي مواقف المحتربين, فالمجتمع له عقل يسمي العقل الجمعي, وسيلفظ المجتمع السليم, الذي يمتلك اقتصادا جيدا, وأخلاقا متماسكة, هذا الاحتراب, ويعمل منطلقا إلي الأمام, وفقا لمشروع اجتماعي واقتصادي واضح, علي رفض الاحتراب والكيد, لأن الكتلة الأساسية في المجتمع سوف تصبح رافضة لكل انحراف يعطل المسيرة, أو يشوه طبيعتها. فالاحتراب والكيد السياسي نوع من تشويه الممارسات السياسية السليمة, والانحراف والإضرار بها.
من الملاحظ أن المواطن المصري لم يعد يخاف بطش السلطة.. ماذا تغير في الشخصية المصرية؟
لم يعد هذا الشعب يخاف, الشعب الذي أطاح بسلطتين في ثلاث سنوات لم يعد يخاف. لقد عقدت موجات ثورة25 يناير و30 يونيو صلحا تاريخيا بين الشعب وسلطته, بما في ذلك بين الشعب وشرطته.
المواطن لا يخاف من بطش السلطة, فهو يحبها إذا أدرك أنها تعمل لتحقيق مصالحه. أما إذا فسدت, أو مارست الظلم, أو بدأت تضر بمصالح الوطن, فإن المواطن يرفض ذلك, قد يتجنبها أحيانا, ثم يصعد موقفه بأن يجعل السلطة موضع سخرية, من خلال النكتة التي تثير الضحك, ثم يتمرد ويثور عليها. البرهنة علي ذلك أنه منذ ثورة القاهرة في1805, وقع نحو خمس ثورات, وخمس هبات في مائتي سنة. معني ذلك أن هناك شعبا يمارس الرفض حتي القيام بثورة كل نحو2520 سنة, وهذا لا يحدث لشعب في الدنيا, هو شعب علي ثورة دائما. يكفيك أنه في ثلاثة أعوام, أطاح برئيسين, وانتزع جماعة ظلت قائمة لثمانين عاما من جذورها, حينما أدرك أنها سوف تضر بمصالحه. غير أنني أستطيع أن أقول لك إنه قد حدث تغير في الشخصية المصرية, لقد أدركت أن السلطة ضعيفة, إذا وقف الشعب كتلة صلبة في مواجهتها. أدرك الشعب أن السلطة لم تعد ذلك الوحش الذي يخيف, ساعد علي ذلك المناخ العالمي الذي يرفض التعسف بمقدرات الشعوب, كما ساعد علي ذلك أيضا حجم التغيير الذي أحدثه الشعب في ثلاث سنوات, ابتداء من القيام بثورة25 يناير2011, وحتي30 يونيو2013, إنه الشعب الذي يخلع السلطة من جذورها إذا هي انحرفت, وأصابها بله أو عته الغرور.
هل تري أن الإرهاب يمكن أن يفت في عضد المصريين, ويوهن من عزمهم تجاه الاستحقاقات السياسية المقبلة؟
لا أعتقد, فنحن شعب استرد وعيه, أدرك أن الإرهاب وجماعات الارهاب يمكن أن تبدد موارده, وتعطل حركته, وهو يريد أن ينطلق. انظر حولك حين يلاحق المواطنون فلول الإخوان, ويشكلون ظهيرا للجيش والشرطة. وأعتقد أن زمن الإرهاب محدود, في المجتمعات التي انتشر فيها, الشعب وقف محايدا بين الإرهاب والسلطة. أما في مجتمعنا, فالشعب يشارك بفعالية في اجتثاث الارهاب, لذلك سوف تصبح مصر بيئة خانقة للإرهاب. وكلما زاد الارهاب انحرافا وسوءا, زاد تصميم الشعب علي اجتثاثه من جذوره, وأنا مطمئن لذلك. في ريفنا المصري حينما تذبح الدجاجة, فإنها تقفز قفزات فوضوية وعشوائية, حتي تلفظ الروح, ولقد ذبح الشعب دجاجة الإرهاب.
هل من روشتة لعلاج الأمراض الاجتماعية التي برزت بعد الثورة؟
أعتقد أن المجتمع, وهو يستعيد عافيته, سوف يعالج أمراضه. وكلما دبت الصحة والعافية في بنيته, قوي جهازه المناعي, أيضا كان أكثر قدرة علي التخلص من أمراضه. بيد أننا ينبغي أن نساعده بإجراءات عديدة: أولا أن نفعل القانون للحصول علي الحقوق, وفرض الواجبات, حتي نؤسس المواطنة المتوازنة. من الضروري أن نعيد بناء الأخلاق, وأن نتفق علي منظومات القيم التي ينبغي أن توجه سلوكياتنا في مختلف المجالات, وأن تشكل هذه القيم ميثاق شرف, تلتزم به التنشئة الاجتماعية في الأسرة, ويلتزم بها الإعلام والتعليم, حتي نعيد بناء أخلاقنا ومجتمعنا, فالأمم تبقي ما بقيت أخلاقها. من الضروري تفعيل القانون بقسوة في مواجهة أي انحراف, أو فساد, أو تعطيل للمصالح, أو أي مظهر من مظاهر الفوضي غير المبررة. في الفترة القادمة, لا بد أن نشارك جميعا في إعادة بناء المجتمع, كل في موقعه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق