الأحد 11 من ربيع الأول 1435 هــ 12 يناير 2014 السنة 138 العدد 46423

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

طريق العدالة الاجتماعية‏..‏ إلي أين؟

يعيش المصريون منذ انطلاق ثورة‏25‏ يناير‏,‏ وما تلاها من موجة ثورية أخري في يونيو حالة من الترقب المجتمعي لحلول سريعة وفعالة للعديد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية‏.‏

فمنذ اللحظة الأولي لإنطلاق شرارة الثورة رفع المصريون شعار عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية, إلا إنه وعلي مدار الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تاهت ملامح وركائز تحقيق هذا الشعار لكي يصبح واقعا ملموسا يستشعره المواطن المصري البسيط. فمنذ ذلك الحين, مازال الحديث مستمرا عن آليات تحقيق العدالة الاجتماعية, باعتبارها العنصر الأساسي نحو تحقيق باقي عناصر الشعار العيش والحرية.فالعدالة الاجتماعية مطلب تبنته غالبية فئات المجتمع ومؤسساته وأحزابه السياسية المختلفة التي أدرجته في برامجها, إلا إنها تعني للمواطن البسيط تحسين وضعه المعيشي للأفضل عن طريق التوزيع العادل للثروة في المجتمع, وإزالة الفوارق بين الطبقات. إن العدالة الاجتماعية التي ننشدها نعلم تمام العلم أنها لن تتحقق بين ليلة وضحاها وتحتاج إلي وقت حتي تؤتي ثمارها, ولكن لكي تتحقق لابد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الحقيقية التي لابد أن تلتزم بها الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة.
فأكثر من خمسة أشهر مرت علي تولي الحكومة الحالية إدارة شئون البلاد في ظل ظروف استثنائية تشهدها البلاد منذ يناير.2011 وكغيرها من حكومات ما بعد الثورة, تواجه الحكومة الحالية العديد من الانتقادات في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية غاية في الخطورة والتفاقم, فمعدلات النمو المتواضعة تمثل تحديا رئيسيا أمام أي جهود يمكن أن تبذل لتحقيق التنمية.
وبدون الدخول في تفاصيل أداء الحكومة علي المستوي قصير الأجل من محاولات تنشيط الطلب من خلال ضخ حزم تمويلية, من أجل خلق فرص العمل والتشغيل, والبدء في اتخاذ الإجراءات المبدئية في منظومة العدالة الاجتماعية مثل إقرار الحدين الأقصي والأدني للأجور, والحديث عن الضريبة التصاعدية والضريبة العقارية. إلا أن الطريق ما زال طويلا, وقضية العدالة الاجتماعية هي قضية محورية للأمن والسلام الاجتماعي لهذا الوطن ولا يمكن أن تختزل في الحدين الأقصي والأدني للأجور, ولكن يجب أن تشتمل علي منظومة متكاملة من قواعد تضمن تكافؤ الفرص, وخفض معدلات الفقر, ورفع جودة الخدمات التعليمية والصحية والمرافق العامة, وخلق شبكات الضمان الاجتماعي لجميع المواطنين. ويتلخص المأزق الذي تواجهه الحكومة الحالية في كيفية التوفيق بين الحاجة إلي التوسع في الإنفاق ـ وهو ما اعلنته الحكومة بالفعل عن تبنيسياسة توسعية لمواجهة قضية التشغيل وخلق فرص عمل ـ وبين ضرورة خفض عجز الموازنة.
مما لا شك فيه أن معدلات النمو المتواضعة في العامين الأخيرين أعباء جسيمة علي أي جهود للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ولتحقيق العدالة الاجتماعية. فتنامي معدلات البطالة يمثل تحديا قويا أمام واضعي السياسة الاقتصادية حتي يتمكنوا من تحديد الطلب ودفع القدرات التشغيلية لقطاعات الاقتصاد الوطني لتتمكن من توفير ما بين750.000-850.000 ألف فرصة عمل جديدة سنويا, ناهيك عن احداث خفض تدريجي سنوي في معدلات البطالة السائدة والتي تصل إلي13% في المتوسط. في حين تصل هذه المعدلات إلي ذروتها بين الشباب والحاصلين علي مؤهل عال لتبلغ37% في المتوسط.
وكذلك استمرار ارتفاع معدلات الفقر ووصولها إلي25% في المتوسط, وإذا اضفنا لها التفاوتات الإقليمية فتصل معدلات الفقر إلي أعلي مستوياتها في ريف محافظات الوجه القبلي لتبلغ50%. ويزيد حدة المشكلة التفاوت الكبير في توزيع الدخل بين الطبقات; حيث أوضحت البيانات الصادرة عن وزارة التخطيط أن افقر20% من السكان يحصلون علي10% من الدخل في حين يستحوذ أغني20% من السكان علي40% من الدخل, بما يعكس الخلل الشديد في منظومة العدالة الاجتماعية. بالإضافة إلي ما سبق, فإن بنود الإنفاق في الميزانية تمثل هي الأخري تحديا كبيرا; حيث يذهب80% من الإنفاق إلي بنود الأجور والمرتبات ودعم الطاقة والغذاء. ويزيد من حدة المشكلة اتسام فاتورة الدعم بقدر عال من عدم العدالة; حيث يتسرب الجزء الأكبر من هذا الدعم لغير مستحقيه وينحاز لصالح الأغنياء أو الوسطاء بدلا من الفقراء. وتشير التقديرات إلي أن45% من دعم الطاقة والذي يقدر بـ115 مليارا يستفيد منه فقط أصحاب الدخول العليا, أما أصحاب الدخول المحدودة فلا يستفيدون إلا بحوالي10% فقط. لذا فأنا من ذلك الفريق الذي اسعده إلغاء مجلس الشوري, لما يتيحه ذلك من اعطاء فرصة أكبر لوجود قنوات بديلة أهم في هذه المرحلة, تتمثل في إنشاء مجلس استشاري يختص بمناقشة الأمور الاقتصادية والاجتماعية.وقد يأخذ هذا المجلس الاستشاري الشكل المتعارف عليه لدي أغلب دول العالم, فيما يعرف بالمجالس الاقتصادية والاجتماعية أو المجلس الاقتصادي القومي(NEC).
ومثل هذا النوع من المجالس دورها استشاري, ولكنه يهدف بشكل أساسي إلي دعم المشاركة المجتمعية في مناقشة كافة الأمور الاقتصادية والاجتماعية وكافة السياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. كما تساعد ـ وهو المطلوب في ظل هذه الظروف السياسية والاقتصادية غير العادية ـ في قياس الانعكاسات والمردود الاجتماعي لكل السياسات الاقتصادية المختلفة علي مكون مهم وهو العدالة الاجتماعية, ولها أن تقترح مشروعات قوانين أو سياسات اقتصادية مختلفة علي الحكومة أو البرلمان. و يوجد نحو84 دولة علي مستوي العالم لديها مجالس اقتصادية واجتماعية أغلبهما في دول آسيا وافريقيا. وهذه المجالس أغلبها أجهزة مستقلة تكتسب وضعها القانوني إما من خلال وضعها في الدستور مثل فرنسا وجنوب افريقيا أو بقرار جمهوري مثل ماليزيا أو بموجب قانون أو لائحة خاصة مثل البرازيل وكوريا والأردن( دراسة لمركز العقد الاجتماعي). وايا كان الاتجاه أو الطريقة لإنشاء مثل هذا المجلس وقد كنت أتمني ان ينص علي إنشاء مثل هذا المجلس في الدستور مثل بعض دول العالم, ولكن يمكن ايضا انشاؤه بقانون او بقرار جمهوري كحالات عديدة أخري.
حسنا فعل دستور2014 في المواد الاقتصادية منه, حيث نص علي أن هدف النظام الاقتصادي هو تحقيق الرخاء من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية, بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي, ورفع مستوي المعيشة, وزيادة فرص العمل, وتقليل معدلات البطالة والقضاء علي الفقر. كما يلتزم النظام الاقتصادي والاجتماعي بضمان تكافؤ الفرص والتوزيع العادل لعوائد التنمية, وتفعيل الفوارق بين الدخول, والالتزام بحد أدني للدخول يضمن حياة كريمة. وكذلك أعطي الدستور اهتماما بالتنمية البشرية التي تعد الثروة الحقيقيه لهذا الوطن, وتظل المعضلة الأساسية المتمثلة في السياسات, وبرامج العمل, وترتيب الأولويات, وحساب التكلفة والعائد من كل سياسة. إن الطريق الي العدالة الاجتماعية يحتاج الآن وأكثر من أي وقت مضي الي توافر الإطار المؤسسي والإرادة السياسية ولا يزال هو الطريق الوحيد إلي الأمن والسلام الاجتماعي لهذا الوطن.
< عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.


لمزيد من مقالات د.هالة حلمى السعيد

رابط دائم: