الجمعة 9 من ربيع الأول 1435 هــ 10 يناير 2014 السنة 138 العدد 46421

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

"عمره 104 سنة "عميد معلمي مصر يتحدث

حوار خالد مبارك
نتمني أن لايأتي يوم ننسي فيها أساتذتنا وروادنا وقممنا التعليمية الذين أفنوا حياتهم في تعليمنا وصناعة أجيالنا ورموزنا فحق لهم أن يكونوا ورثة الأنبياء وحملة أعظم رسالات التنوير‏,‏

وأتمني أن يقرأ حواري مع عميد معلمي مصر الشيخ الجليل إبراهيم نصار كل الأجيال الحالية خاصة مما أخطأوا فهم معني رسالة المعلم والتعليم, فالرجل الوقور الذي يضيء الشمعة الرابعة بعد المائة من عمره يتحسر علي ماآل إليه حال المعلم والتلميذ في أيامنا هذه, ولايملك إلا الدعاء بصلاح الحال, وله الحق كل الحق فيما يقول, فهذه هي كليات ومعاهد ومدارس التعليم, وطالت التجاوزات جامعة الأزهر التي كانت أهم مصادر الإشعاع العلمي والديني لأكثر من ألف عام

بنبرة يكسوها الحزن يقول شيخ المعلمين: نعم هي مرحلة حرجة تعيشها مصر, وهي ليست المرة الأولي التي تعيش فيها تلك الظروف, ففي الماضي عاشتها بأطماع خارجية, وتغلبت عليها بعلاج وحيد هو تكاتف جهود جميع المصريين وتضافرهم علي اختلاف توجهاتهم السياسية ومعتقداتهم الدينية, وإن كان الأمر الآن يختلف فهو الأصعب لأن الاختلاف من الداخل وبدعم خارجي لايبغي لمصر الإستقرار, ولكن يمكننا القول إن العلاج هو نفس العلاج فيجب تضافر كل الجهود علي اختلاف الوان الطيف السياسي والانتماء الحزبي والديني لأننا نسيج واحد, ومن هنا يجب أن تكون نقطة البداية الحقيقية هي خروج جميع المصريين للإدلاء بآرائهم في الاستفتاء علي الدستور الثلاثاء والأربعاء المقبلين, وكواحد من قدامي المعلمين أدعو جميع معلمي مصر إلي الموافقة عليه حتي يتسني لنا الإستعداد للخطوة التالية والثالثة وهكذا حتي يتحقق الإستقرار النهائي ونبدأ مرحلة بناء الدولة, وبالطبع تلك المرحلة تتطلب قيادة مصرية قوية وحكومة تستطيع أن تحقق طموحات هذا الشعب, وتعيد إلي مصر مكانتها العربية والإقليمية والعالمية.


هل هذا يعني أنك تتابع الأحداث السياسية؟
فيجيب عميد معلمي مصر: لم أنفصل عن السياسة وأعايش حاليا أحداثها لحظة بلحظة, فأنا إلي جانب أنني معلم كنت في الثلاثينيات والأربعينيات عضوا فاعلا بحزب الوفد القديم قبل ثورة يوليو, وكان الحزب علي المستوي القومي وحتي مستوي المدينة والقرية يضم رموزا وكوكبة من مشاهير السياسة والاقتصاد وكل المجالات,وكانت الأحزاب قبل الثورة قوية جدا ومتقاربة المستوي ولكل حزب قاعدته الحزبية وتعيش منافسات ديمقراطية حقيقية دون تدخل من أحد, فكنا نعايش حزبا يدخل الانتخابات فينجح فيشكل الوزارة, وفي الدورة التالية يفوز الحزب المنافس فيعيد التشكيل فمرة ينجح الوفد وأخري ينجح الأحرار الدستوريون وهكذا, وبعد الثورة وحل الأحزاب التحقت بهيئة التحرير ولايعني ذلك التخلي عن المبادئ مادام الهدف في النهاية خدمة الوطن.
وفي إعادتنا لعميد معلمي مصر للحديث عن التعليم يقول المعلم الجليل الشيخ ابراهيم نصار: شتان بين مانسمعه الآن وما تربينا عليه وربينا عليه أبناءنا وتلاميذنا, كنا نتواري عندما نلمح معلمنا في المدرسة أو شيخنا في الكتاب يمشي في الشارع, والحق كنت ألمس هذا السلوك في تلاميذي, وربما اختلفت أساليب التربية والتعليم أيضا, ولكنني أري تحولا خطيرا يحتاج لأكثر من وقفة, وهذا لايمنع أن هذا شيء عام بل الكثير من الأجيال الحالية ملتزم وعلي خلق قويم, وهذه الوقفة يجب أن تعيد للمدرس هيبته بعد أن أصبح فاقد الهيبة, وأن نرسخ في نفوس النشء مبادئ احترام حملة ألوية العلم
وعن نشأة عميد مصر يضيف: أنا من مواليد مدينة قوص بمحافظة قنا بتاريخ25 اكتوبر1910 وحفظت القرآن الكريم كاملا وأنا في الثالثة عشرة من عمري بأشهركتاب بمدينة قوص وهوكتاب الشيخ حامد خميس بآخر حي القيسارية, والشيخ حامد خميس هو محفظ الأجيال بالمدينة العريقة ذات الطابع الديني التاريخي التي كانت قلعة العلم وكعبة العلماء في عصور الإسلام الوسيطة الزاخرة, ثم التحقت بمدرسة المعلمين بقنا عام1927 وتخرجت فيها عام1930, وتلك المدرسة أدين بالفضل لكل من علمني فيها حرفا, ولم يكن الالتحاق بها تلقائيا بل بشروط وإعداد وتأهيل مسبق, كما لم يكن النجاح بالشهادة الابتدائية وحده هو المؤهل لها, بل لابد أن تتعلم الجغرافيا والتاريخ والعلوم الأخري, وهنا أذكر بكل خير من تلقيت علي يديه تعلم اللغة العربية بروافدها المختلفة النحو والصرف والبلاغة والشعر والأدب وهو استاذنا البرموني, الذي اكسبنا مهارات وقدرات خاصة في تحليل النصوص الأدبية والشعرية لمشاهير أدباء وشعراء مصر والعالم العربي, كذلك كتابة الخطب الحماسية, كما أدين بالفضل لأستاذي بنيامين الذي تعلمت علي يديه الطبيعة والأستاذ عبد الملك مدرس التاريخ وبقية المدرسين.
وعن مسيرة عمله بالتدريس يقول الشيخ نصار: قد يظن البعض أن من كان يعمل بالتدريس آنذاك عدد قليل, بل العكس لم يكن هناك فرصة لأي خريج من مدرسة المعلمين أن يلتحق بمدرسة في مدينته أو حتي في قرية من قري مدينته, ومجرد التفكير في ذلك نوع من الرفاهية ولايتعدي الأماني أو الأحلام, والأغرب أن الخريج كان يعين بمدرسة بقرية بعيدة في مدينة أخري, وهذا ماحدث معي فقد صدر قرار تعييني بمدرسة الريانية بقرية الغرب قامولا بمدينة الأقصر, أي علي مسافة تزيد علي30كم عن مدينتنا قوص, وبعد فترة نقلت لمدرسة ابتدائية بقرية الشعراني بمركز قوص ثم لمدرسة قرية الحمر والجعافرة الملاصقة لحدود المدينة, وكل مرحلة من تلك, المراحل تستغرق عدة سنوات, وهذا علي مستوي مراحل العمل كمدرس, والترقيات كانت محدودة للغاية وتتم علي فترات متباعدة جدا, ولك أن تتخيل أنني رقيت كناظر مدرسة بعد أكثر من42 سنة من التخرج أي قبل المعاش بسنتين فقط, ولم يشفع لنا السن في البقاء بمدينتنا فالترقية كناظر مدرسة بدأت معها مرحلة أخري بالبعد عن المدينة الأم في مدرسة كلاحين أبنود عام1968 ثم العودة كناظر لمدرسة الحمر والجعافرة الأقرب ونهاية المطاف كناظر لمدرسة البحرية بقوص التي اختتمت بها رحلتي في محراب التعليم عام1970 أي منذ44 عاما, والخلاصة أنني كنت ومازلت عاشقا لمهنة التدريس, ومثلما كنت أؤدي رسالتي قبل المعاش مع تلاميذي في المدارس وفي بيتي مع كل أولادي وبناتي كان لأحفادي نصيب من تلك الرسالة السامية, وأري فيها متعة ما بعدها متعة, وكيف لا وهي المهنة المقدسة التي ورثناها عن الأنبياء ورسول الله خير معلم.
وماذا لوطالبنا بتكريم خاص لشخصكم من الدولة أو وزير التربية والتعليم( بزهد التقاة الورعين يضحك الشيخ الجليل): أري في مسيرتي في الحياة التعليمية أعظم تكريم لي, وكما قلت لك من قبل فلدي آلاف الأوسمة والنياشين وشهادات التقدير هم تلاميذي الذين تلقوا العلم علي يدي والآلاف منهم تقلدوا أرفع المناصب في الدولة كالمستشارين والقضاة وكبار الأطباء والمهندسين والمحامين وأساتذة الجامعات وقبل كل هؤلاء المدرسين الذين أري- وليس تحيزا- أنهم بناة المجتمع وأساس كل تلك المناصب وصناع التاريخ والحضارة, وهذا درس رائع في الاستمرارية والاستدامة فنحن حملة لواء التعليم حملنا أمانة رسالة التعليم من أساتذتنا العظماء أمثال الشيخ فرغلي ومحمد حنفي الشيخ وعرابي حافظ ومحمود أحمد محفوظ وغيرهم من جهابذة العلم, وكان جيلنا مثالا حيا للالتزام الأخلاقي والديني والعلمي, وكنا علي صلات وثيقة ومودة فلا أنسي زملاء الدراسة رحمهم الله جميعا الشيخ عبد الحميد حمادة أو الشيخ حسين عبد الحق والشيخ مصطفي تميرك ويونس وحسن عجلان وغيرهم, وسلمناها لتلامذتنا الأوفياء الذين سلموها بدورهم لمن بعدهم, وأنا راض وفخور بما حققت, وكانت أعظم لحظات سعادتي عندما كنت ألتقي أحد تلاميذي ويخبرني أنه أصبح يشغل منصبا مرموقا, وأذكر لك موقفا أسعدني كثيرا منذ عدت سنوات وأنا علي محطة السكة الحديد أنتظر القطار مسافرا للقاهرة رآني أحد تلاميذي وكان مسافرا معي علي نفس القطار, وجاءني مسرعا يقبلني ويحتضنني فنظرت إليه وعرفته وهو المستشار سيد أحمد خليل واحد من قمم ورموز القضاء المصري المشهورين في العقود الأخيرة, وهو من تلاميذي النجباء الأذكياء الذين أفخر وأباهي بهم, تملكتني السعادة كثيرا وهو شعور بالرضا يتملكني مع كل نموذج أقابله منهم, وهو يعني أن جهودي أثمرت فأي وسام أرفع من هذا؟!.
لكننا سمعنا أنك بعد ذلك اعتزلت السياسة واتجهت للتصوف يجيب الشيخ إبراهيم نصار: نعم انفصلت عن السياسة كممارسة وعنصر فعال في الحياة الحزبية لكنني عايشتها كمواطن مصري مهموم بقضايا الوطن ومازلت أتابع كل مايجري علي الساحة الآن, وحزين لما آل إليه الوضع الآن ولكنني متفائل لأن مصر أرض الأولياء ولن يصيبها مكروه وكل كبوة ألمت بها في الماضي جاء بعدها الفرج من الله لتعود أقوي مما كانت, اما التصوف فهذا بحكم نشأتي في بيت صوفي وأسرة مشهورة بالتدين, وانتمائي كما قلت من قبل لمدينة كانت معقلا وقلعة للعلم وعاصمة دينية للدولة الإسلامية في عصورها الذهبية وهي قوص, وكانت لي ومازالت رؤيتي الخاصة في التدين وهو الإعتدال والتسامح والتقرب إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة وليس العنف والدم والتدمير, ومسيرتي في دنيا التصوف ارتبطت بشخصيات لها شأنها وفي قمة التقوي والورع والتسامح والخلق القويم أمثال الشيخ أحمد رضوان والشيخ اسماعيل صادق العدوي رحمهما الله.
وعن أولاده وأحفاده يقول: لدي7 من الأولاد والبنات, وأكبربناتي عمرها81 سنة وهي الحاجة فوزية تليها الحاجة فايزة78سنة وسعدية76 سنة ويوسف مدير عام بالتأمينات سابقا(75 سنة) وكمال65 سنة( وكيل وزارة المالية سابقا) ورقية(61 سنة) مدير عام تعليم بالمعاش وأصغر أبنائي الدكتور محمود أستاذ ورئيس قسم كيمياء النباتات الطبيعية بالمركز القومي للبحوث وعمره59 سنة, وأكثر من80 حفيدا ونجل حفيد وحفيد حفيد, فأنا جد الجد, ومن أحفادي وأبناء وبنات أحفادي أطباء وصيادلة ومهندسون ومحاسبون وابرزهم حفيدي الدبلوماسي اسلام يوسف القنصل بالخارجية حاليا.
وفي النهاية فإن الشيخ إبراهيم نصار أصبح رمزا لمعلمي مصر, تخرج علي يديه عشرات الآلاف خلال مسيرته كمدرس وناظر مدرسة, وطالبنا من قبل وأثناء احتفاله بإضاءة مائة شمعة وأطلق عليه آنذاك رجل القرن وعميد المعلمين أن تكرمه الدولة أو وزارة التربية والتعليم, وكان الرد من أحد جنرالات الوزارة الكريمة آنذاك توجيه خطاب شكر له, وكأن الأوسمة والدروع والميداليات التذكارية التي توزع بمناسبة وفي غير مناسبة أكبر من أن تهدي لعميد معلمي مصر, وكأن الرجل الزاهد لايعنيه الأمر لأنه يؤمن برسالته التي هي أسمي من كل جائزة.
وفي استكمال للحوار معه أجابنا بخبرة السنين ووقار الشيخ وحنكة المعلم المخضرم, حقا إن الشيخ ابراهيم نصار مدرسة قائمة بذاتها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 2
    مجدى شكرى
    2014/01/10 09:58
    0-
    1+

    مثل يحتذى به
    معروف دائما وأبدا أن التكريم يكون كما نعلم للفشلة والمعوقين للعمل والمقربين من القيادات أما من يعملون بإخلاص فيقدرهم الله و الناس والمجتمع.فيكفى هذا الرجل الجليل فخرا أن كرمه الله و جعل له من ذريته أعلاما ونجوما تسطع فى السماء، كلما نظر إليها شعر بتكريم الله له. فأى تكريم بعد ذلك ينتظر
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    Ashraf
    2014/01/10 04:03
    0-
    2+

    BUILDING THE SOCIETY WITHOUT HIGH QUALITY EDUCATION,WILL COLLAPSE
    May God "Sobhanahu wataala" bless El-sheikh El-jalil "Ibrahim Nassar" and the writer "Khaled Mubarak" for this great interview. Education and Building the society,nothing more important than Education. Whatever any government trying to solve other problems without high quality education as the first priority of the country,like building without strong foundation,will collapse
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق