الجمعة 24 من صفر 1435 هــ 27 ديسمبر 2013 السنة 138 العدد 46407

رئيس مجلس الادارة

عمـر سـامي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الفنان التشكيلي د‏.‏طه قرني‏:‏
مازال الكلام عن الثورة تحته مئات الخطوط‏!‏

حوار‏:‏ نجوي العشري
الفنان الدكتور طه قرني صاحب جدارية الثورة التي طافت ميادين التحرير في عدد من المحافظات وأقيمت لها معارض مفتوحة للجمهور الذي وجد نفسه فيها‏,‏ رسم هذا الفنان كل الوجوه التي قابلها وعاش معها أحداث الثورة لحظة بلحظة‏,‏ وهذا ليس بالأمر الغريب علي هذا الفنان العبقري الذي بدأت أنامله تعزف سيمفونية تشكيلية عظيمة بدأها بـصورة تنبأ له فيها الفنان الراحل الكبير صلاح جاهين بأنه سيكون فنان الشعب وقد تحققت هذه النبوءة بإطلاق لقب فنان الثورة عليه‏..‏ وهل الثورة إلا للشعب؟

في لقائنا معه فتح الفنان طه قرني قلبه, وفتح أيضا خزائن ذاكرته العامرة, وتحدث عن فن الجداريات الذي كان له فيه باع طويل فرسم سوق الجمعة والمولد وغيرهما من الأعمال الرائعة العبقرية التي خرجت من الشعب إلي الشعب ليستحق فناننا بحق لقب فنان الشعب.

حدثنا عن رحلتك مع الفن التشكيلي.. كيف تأثرت بنشأتك في بيت والدك الشيخ الأزهري و المبتهل بالإذاعة.. ولقاءاتك مع جيل الرواد؟
أبي رحمة الله عليه.. كأن بحكم عمله كمبتهل وشيخ ازهري يحمل ثقافة متنوعة وكأن دائما يصطحبني معه.. حيث استمتع بالابتهالات في الفجر و قراءة القرآن و رؤية كبار القراء في هذه الفترة.. كالحصري ومصطفي إسماعيل وعبد الباسط والصياد, و هؤلاء هم الذين تربيت علي أصواتهم و تعاملت معهم.. علي الطرف الآخر كان هناك قسم آخر من المعارف.. كالفنان سيد مكاوي و عمنا صلاح جاهين و غيرهم من مرتادي قهوة الفيشاوي.. الذين كان ينزل عليهم أبي قبل صلاة الفجر ليشرب الينسون, و يأنس بصوت وعزف الشيخ سيد مكاوي و تعليقات عمنا صلاح و غيرهما.. و لصغر سني في هذه الفترة كنت جاهلا بقيمة هؤلاء العظماء, ولكني كنت احترمهم.. وكنت دائما اذهب مع أبي لصلاة الفجر وأعرض اعمالي البسيطة بالرصاص علي عمنا صلاح جاهين. و كانت كلمته لأبي لا أنساها أبدا: يا شيخ محمد.. ابنك طه ولد موهوب أوعي تجعله شيخ زيك
واستمر الحال هكذا حتي وصلت للسنة الثانية من المرحلة الإعدادية, وكنت قد رسمت كل من يجلس معهم أبي علي مقهي الفيشاوي.. وذات مرة قمت برسم أحد الشحاتين و خلفه أبناؤه و زوجته و أمامه ابنه يقوده لأنه كفيف. فأخذها عمنا صلاح.. و طرحها امام ابناء الشحات ففرحوا بها جدا. و أنبهر الجالسون بالعمل و قال عمنا صلاح قولة لن أنساها أبدا..( ياابني الفن اللي بيخرج من الناس و يرجعلهم.. بيكون ابن أصيل لبلده.. وعمره ما هيموت. وممكن تكون في يوم فنان لهذا الشعب).. و أنت هتكون فنان مهم.
أشياء عديدة تركت عندي صورا عديدة لم استطع أن أنساها و لم اكن اعرف أنها هي ز ز. و أنا في الصف السادس الإبتدائي. في مدرسة السادات بالهرم.. بعد تركي مدرسة الميثاق الابتدائية خلف شركة الشوربجي بإمبابة و الملاصقة لسوق الجمعة القديم.. و كانت هناك اتفاقية كامب ديفيد.. و علمت مديرة المدرسة بزيارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لمصر و ابلغتني لأقوم بعمل شيء نرحب فيه بالضيوف و أن مدرستنا سوف تظهر أجمل ما عندها.. و بالفعل كانت أول جدارية أو بمعني أدق أول لوحة كبيرة مقاس2 م في4 م.. رسمت فيها ثلاثة هم السادات و بيجين و كارتر.. و وقف الجميع في شارع الهرم منتظرين مرور السيد الرئيس. وكان أول عمل سياسي أقوم به ولم أدرك المغزي من رسمه غير الترحيب بضيوف مصر.ولكنها كانت بداية خير كبير. لأن معظم المدارس أثناء إقامة احتفالات بهذا الخصوص كانت تستسمح المدرسة لأخذ هذا العمل كخلفية للحضور.. هذه ابرز سمات هذه المرحلة حتي ثالثة إعدادي.
ماذا تمثل لك الجداريات.. ومن ابرز من تأثرت بهم من فناني عصر النهضة حتي الآن ؟
فن الجداريات أساسه فرعوني وهو موجود علي الجدران في مصر القديمة و أيام الفراعنة و أعلي البيوت النوبية. وغيرها.. و لذلك هو ابن حقيقي لمجتمعه.. فهو فن الدراما الملحمية الإنسانية.. والذي لا يستطيع أي ممارس للفن تحقيقه إلا من خلال مساحة كبيرة يحدد فيها الأبطال والمواضيع. والأفكار. والموتيفات المستخدمة عديدة.. وبسقوط هذا العمل اختفي جمهور الفن عن القاعات و عن رؤية الأعمال الملحمية وظهر جمهور الخاصة وطبقة الكريمة المجتمعية و النخبة, و بالبحث و الدراسة كان لابد من رجوع هذا الجمهور لحيز التفاعل.. نظرا لقلة جمهور القاعات الفنية وبعض الفنانين يترفعون علي الجمهور العادي.. فحينما أقمت أول جدارية و هي سوق الجمعة افادتني جدا دراستي في الديكور في كيفية إيجاد العمق المنظوري في هذا العمل.. و كتب عنه كثيرا. وأصبح من أشهر الأعمال في هذا الوقت.. نظرا لأنها استطاعت تكوين صورة بانورامية تحكي وتقف بجانب الفقراء. و سجنت بسببه ثلاث مرات! و بالتبعية ظهرت هذه المدرسة القديمة في الفن بوجهة نظر جديدة و استقطبت الذائقة الفنية من جميع الأعمار و الثقافات.. و ابرز من تأثرت بهم هو الرائع ديجو ريفيرا في المكسيك. أما الأساس فهي دراسة الفن الفرعوني.. و فن الشعبيات المصرية.. والذي مازال لم يكتشف حتي الأن.
جداريتك لسوق الجمعة والمولد صورت فيهما الناس والمكان فكيف تعايشت معهم وتغلغلت وسط شخوصك, ولم تكتف بتسجيل المشاهد ؟
لا يوجد عمل جيد يستطيع أن يشق طريقه بدون ثقافة و قراءة و دراسة تحليلية, فهذا ما يضمن للعمل البقاء. وعدم الاكتفاء برسم الظاهرة فقط.. ثم تأتي مرحلة المعايشة مع أبطال العمل. و اختيارهم و التمييز بين الفئات والنوعيات المختارة لوضعها في شكل درامي أو ملحمي داخل العمل.. و لذلك حينما ابدأ في اختيار الأبطال.. أجدهم يحضرون بتفاعلهم مع مجتمعهم. وكان هذا واضحا في اختيار أبطال سوق الجمعة والمولد والتنوع المرعب فيه ولا أبالغ حين أقول أنني قدمت ما يقرب من نصف في المائة من هذا الزخم الفني الرائع للموالد في مصر. ولذلك رغم اعتراض بعض النقاد علي عدم تناول الجداريات بطريقة حداثية وتطرقوا للحديث عن التعبيرية الرمزية التي ملأت العالم.. فكنت اضحك بداخلي.. لأنني لا يمكن أن أعيد فكرا مستهلكا لن يمثلني. ولن أمثله.. وسأشعر باغتراب وفضلت النزول إلي الرجل البسيط ثم الصعود به مرة أخري.
حدثنا عن تصويرك لجداريات الثورة والشهداء في رفح, وماهو إحساسك أثناء تصوير الثورة؟
حينما يكون الفنان مهموما ببلده ويعلم ما يدور في الحراك السياسي يدرك أهمية الأشياء والأحداث بطريقة مختلفة. فقد خطف هذا الحدث العديد و العديد من الأنظار.. و لكني كنت أراه نقطة تحول.. وأثبتت الأيام ذلك.. أما جدارية الثورة.. فمازلت أقول أنها هي مجموعة من أبطال سوق الجمعة و المولد.. قد خرجت لصناعة هذه الثورة مع الشباب الراقي.. ومازال الكلام عن الثورة تحته مئات الخطوط.. و الثورة لم تشق طريقها الأمثل حتي الآن.. و لكن البعض حفر لها قنوات لتروي طموحه.. و ليس طموح الشباب و حلم مصر.
عندما عرضت جدارية الثورة في العباسية والتحرير وسط جموع وفي فترات انفلات أمني.. كان ذلك نوعا من المخاطرة. ولكنك اخترت عرضها.. لماذا ؟ وهل لو أتيحت الفرصة لك سوف تعرضها الآن. وتكرر التجربة ؟
تم عرض الجداريات في العباسية و التحرير و12 محافظه أخري في مصر في عز الانفلاتات الأمنية, كانت مخاطرة و لكن هذه الفترة يظهر فيها الفنان الباحث والمشارك مع ناسه وأهله بالعمل الفني ليكون خطوة عريضة يضعها الفن التشكيلي في السياسة من خلال الشارع الثوري و ليس داخل القاعات المغلقة. وأن يكون بالفعل وسط الشعب الذي خرج منه هذا العمل.. هذا ذكرني بالعديد من النقاد الشرفاء وبأنني فنان لهذا الشعب و لست فنان الشعب و أنا سعيد وأتحمل المسئولية كاملة. و لذلك جميع أعمإلي هي حس وطني و جمعي لفرح و ألم وحب مصر. ولو اتيحيت الفرصة الآن سوف اعرض جدارية الثورة في باقي المحافظات.
لو قدر لك أن ترسم جدارية لثورة30 يونيو.. ماذا ستفعل ؟
أولا30 يونيو كانت تصحيحا لمسار ثورة. و في حالة التصحيح أنتي فقط تضعي حلولا لتحديد المسار الجديد.. و لكن الضمانة ليست في30 يونيو ولا فيما حدث بعد ذلك.. الضمانة الوحيدة هو هذا الشعب.. و لذلك أي رسم في هذه الفترة سيكون بمثابة استباق للنتابج ولا يحدد مستقبلا. وعلي الفنان أن يسبق الحدث ويكون خياله أوسع مما يحدث. وحدث ذلك في جداريتين هما سوق الجمعةس سس وقلت أن مصر الموازية سوف تنقلب علي هذا الفساد. وقد حدث ذلك في ثوره25 يناير.
هل تفضل عرض أعمالك في متحف خاص بك ام في متاحف الدولة؟
لا هذا و لا ذاك.. أتمني أن تعرض أعمالي في الشارع العربي و ليس المصري فقط.. أما كونها في متاحف خاصة أو عامة. هذا ما يقرره الزمن و حلمي أن تخرج هذه المدرسة الجدارية من خلال قوالب مجتمعية. كما فعلت في المولد و السوق و الثورة وسار بعدها العديد والعديد من فناني العالم العربي والكثير منهم يذهبون للأعمال الجدارية المجتمعية بعد نجاح جدارياتي. وللأسف لم أكرم حتي الآن عن هذا المجهود الذي أقوم به. وجداريه الجيش والشهداء برفح أكملت بهما انحيازي السياسي من خلال تفاعلي مع الأحداث. وحتي يصبح للفن في مصر امتداد من الفرعوني حتي الآن.. و اعلم جيدا أنني لست آخر الموهوبين و لكني اعتقد أنني مع أكثر المجتهدين في هذا المجال وهو الربط بين الفن التشكيلي والمجتمع. ولأن الفنان لا يمكن أن ينفصل عن قضايا وطنه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق