الجمعة 17 من صفر 1435 هــ 20 ديسمبر 2013 السنة 138 العدد 46400

رئيس مجلس الادارة

عمـر سـامي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الرقابة‏..‏ عالم السينما الخفي‏!‏

رحاب جودة
السياسة لا تتعلق فقط بالحكومة والسلطات التنفيذية أو التشريعية وغيرها من الأشكال التقليدية للسلطة‏.‏ لكنها السياسة موجودة أيضا في الأدب والفن تحاصره وتحصره‏.‏ وكتابنا الصادر منذ‏6‏ أشهر يغطي أكثر من مائة عام من تاريخ السينما وبالتحديد من‏1896‏ حتي‏2011‏ ويغطي أكثر من‏60‏ حالة رصد من أربع قارات هي أفريقيا والأمريكتين وآسيا وأوروبا‏

. ومؤلفا الكتاب وهما دانييل بيلتيريست ورويل فاند وينكل وكلاهما أستاذين جامعيين ببلجيكا وضعا في هذا الكتاب دراسة فريدة وجديدة حول تأثير الرقابة علي صناعة السينما حول العالم وكيف تختلف في مفهومها ومضمونها وتطبيقها من قارة لأخري حسب ثقافة وظروف كل واحدة منها سواء سياسية أو اجتماعية. واستطاعا من خلال هذا الكتاب إلقاء ضوء مختلف حول الدراسات المتعلقة بالسينما وكيف تتخلل الرقابة كل أجزاء صناعة الفيلم وليس النص أو الأداء فقط بل أيضا الإنتاج والتوزيع والعرض. ويري الكاتبان من هذا المنطلق أن أدوار الرقابة المعقدة والمتعددة جعلتها صناعة في حد ذاتها لا تظهر فقط في شكلها البسيط كأسلوب منع أو إعاقة من قبل مؤسسات محددة. وينتقد الكاتبان هذا التدخل وقدرته النافذة علي الحكم علي قصة أو العمل ككل بأنه عمل شرعي أو غير شرعي. ويستعرض الكتاب في هذا الشأن عدة دراسات تكشف اختلاف أنواع الرقابة وتعددها وحججها القانونية وإجراءاتها والمؤسسات المشرفة علي هذا الأمر.


وقد تم ترتيب محتويات الكتاب حسب الأفكار الرئيسية وليس حسب التسلسل التاريخي أو الترتيب الجغرافي عبر أربع أجزاء كل منها يهتم بفكرة واحدة. وكل جزء به أربع فصول تعتمد علي دراسات وعمليات بحث تجريبية وأرشيفية. ومعظم من ساهموا بدراساتهم في هذا الكتاب تناولوا فكرة الرقابة في مطبوعات أخري من قبل. لذا فإن الكتاب يهتم بتفاصيل كثيرة لم تسعها بعض المقالات أو الدراسات المحدودة. ويدور الجزء الأول حول شكوي هيئات تنظيم صناعة السينما في هوليوود من تأثير المخاوف السياسية والاقتصادية علي صناعة السينما تماما وكأن الحكومة وهيئات الرقابة التي تمارس سلطاتها بشكل مباشر علي الأفلام. ويتناول فصلي الكتاب اللاحقين نفس القضية في كل من كندا والمكسيك بالأمريكيتين.
ويكشف الجزء الأول أن سينما هوليوود الخاضعة للرقابة تتعرض للتمييز العنصري والميول الاستعمارية وأهواء الرأسمالية وتدعم البرجوازية. والأسوأ من ذلك أن هذه الرقابة تحولت إلي رقابة ذاتية توارثتها الأجيال والاستوديوهات كذلك. فالكل خضع للرقابة ولم يفلت أحد ومن أليس في بلاد العجائب فيلم الأطفال الذي أنتج عام1951 بسبب مساسه بالسلطة في بعض نصوصه, ومرورا ب طارد الأرواح عام1973 بسبب اقترابه من قضايا دينية حرجة, و الملازم السيئ بطولة نيكولاس كيج عام1992 لانتقاده الشرطة وقتلة بالفطرة إخراج أوليفر ستون عام1994 لاتهامه المجتمع بزرع العنف في الأجيال الحالية والمقبلة, وإنقاذ العريف رايان عام1998 بطولة توم هانكس لبحثه في قضايا تاريخية تمس الجيش والفطيرة الأمريكية عام1999 لانتقاده للسلوك الاجتماعي وغياب الدين عن إرشاد الشباب, وحتي اسمي خان عام2010 بطولة الممثل الهندي الشهير شاروخان بسبب انتقاده لدور السلطات الأمريكية العنصري بعد أحداث11 سبتمبر وفيلم الخيال العلمي الشر المقيم: بعد الحياة عام2010 لتشككه في قضايا دينية. ومن هنا يري الكتاب أن هوليوود التي تنشر صناعة السينما في العالم هي مؤسس الرقابة ليس فقط بمعناها الحرفي بل بمعناها الأوسع وبمعناها الذي يخنق الفن والأدب ويحاصره. وتضم أجهزة الرقابة أشخاص تسيرهم أهواءهم أحيانا ومصالحهم في أحيان أخري وعلي استعداد للتفاوض مع أصحاب العمل الفني مقابل بعض المصالح باعتبار أن الفيلم ليس إلا سلعة تباع وتشتري. ومن ثم تحولت الرقابة علي يد هوليود إلي شكل من أشكال فرض النظام والسلوك الاجتماعي.
ولكن تختلف بالطبع أشكال الرقابة من دولة إلي أخري ومن ثقافة إلي أخري فالرقابة الحكومية تختلف عن الرقابة الديمقراطية أو الليبرالية أو تلك التي تعمل في ظل نظام شمولي. ويعترف الكتاب بأن دور الرقابة قد يكون مطلوبا في بعض الأحيان عندما تمس قصة الفيلم أو تصوير مشاهده الأخلاق أو انتهاك حرمة الأسرة والأطفال أو إذا كان يساهم في التشجيع علي العنف. وهذا بالطبع هو حال الرقابة في شكلها المثالي ولكن ليس هذا هو الحال السائد. وللأسف فرغم تمسك الشعوب دائما بالديمقراطية والحرية في ظل أي نظام لكن تاريخ السينما وخاصة الحديث منها كشف عن أن أشكال الرقابة تزايدت بعدما تزايدت مخاوفها من سعي الإنسان الدائم للخروج من إطار الرقابة وابتكار أشكال جديدة للتعبير عن الرأي سواء كانت فيلم سينمائي أو تلفزيوني أو أشرطة فيديو أو فيلم ديجيتال أو علي الإنترنت. وبالتالي اتجهت عدة أجهزة رقابية حتي تلك التي تديرها دول ليبرالية إلي إعادة تحديد هويتها تحت مسميات جديدة وفقا لأشكال العرض المتنوعة فتحولت من هيئة الرقابة إلي إدارة المصنفات مثلا وتتنوع كذلك أشكال فرض الرقابة من حذف مشاهد إلي منع العرض وإلي فرض عوائق مالية بل والسيطرة علي نقد الفيلم إضافة إلي بعض أشكال الرقابة السرية والضغوط لسحب الفيلم قبل أن يظهر للعلن ويتم عرضه أو الإعلان عنه. المهم... هو السيطرة علي التعبير مهما اختلف شكله. والمشكلة أن الرقابة في ذلك لا تعمل بمفردها بل تعاونها جهات أخري مثل المحاكم الجنائية والجهات الدبلوماسية وقوات الشرطة والمجالس المحلية والصحافة والمؤسسات الدينية وجماعات الضغط الأخري إضافة إلي آليات السوق التي تعوق حرية الإنتاج والتوزيع وعرض الأفلام. إذن تخوض صناعة السينما حربا للسيطرة علي عقول الناس ورفاهيتهم في آن واحد.
ومن تأثير الثقافة الأمريكية إلي ثقافات أخري في الجزء الثاني من الكتاب مع التركيز علي ألمانيا وروسيا وتركيا التي شهدت رقابة علي أفلام عديدة مثل, مع السلامة اسطنبول عام1966 و, وكذلك الصين مثل الصين قريبة عام1967 وغيرها سواء في السينما أو علي الإنترنت. ويتضح من هنا أن هذه دول عاشت أو مازالت تعيش في ظل نظام شمولي مثل ألمانيا قبل انهيار حائط برلين أو خلال فترة الحكم السوفييتي. ووجد مؤلفا الكتاب أن السينما خلال فترة العهد السوفييتي كانت متزمتة وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة ابتداء من التمويل وحتي توجيه النقد اللاذع لكل فيلم لم يتوافق مع سياسة الدولة مثلما رفضت عرض فيلم دكتور جيفاجو الشهير عام1965 بطولة عمر الشريف والذي كان يصف وضع الدولة بعد سيادة الحكم الشيوعي. وفي حالة الصين فإن الحكومة في فترة الثلاثينيات ثم بعد تولي الحزب الشيوعي, فإن السلطات لا تري أن الرقابة أداة منع بل تري أنها من ضمن أدوات بناء الوطن. وحتي فرنسا التي مرت بفترات حكم متذبذبة وضعت قيودا علي مجموعة من أفلامها من أشهرها وخلق الله المرأة عام1956, ولوليتا عام1997 وفتاة سمينة انتاج عام.2001
وفي الجزء الثالث, يستعرض الكتاب أساليب الرقابة الوطنية والتي تتعدي حدود البلاد احيانا كما في بريطانيا. ووجد الكتاب أن هناك أساليب رقابة متحررة تتبعها الدولة لكنها تتوافق مع الظروف السياسية والاجتماعية لكل نطاق أو منطقة. وتتبعت بقية فصول الجزء الثالث الرقابة في كل من الهند وأيرلندا. أما الجزء الرابع والأخير فهو يركز علي دور المؤسسات الدينية في الرقابة علي السينما. وتتبعت أولي فصول هذا الجزء تأثير الشريعة الإسلامية علي السينما في نيجيريا والتي تسببت في منع صدور بعض الأفلام وعرضها. أما الفصول الثلاثة الأخري في هذا الجزء فقد بحثت تأثير الكنيسة الكاثوليكية غير الرسمي باعتبار ان الكنيسة الكاثوليكية ولفترة طويلة كانت تري أن السينما تسيء إلي الذات الإلهية. ونراها واضحة في كل من الولايات المتحدة وبلجيكا وإيطاليا بلد الفاتيكان وظهر تأثير الكنيسة منعكسا علي فيلم جريمة الأب أمانو عام2002 وهو مسار لم تتطرق له دراسات أخري عن الرقابة من قبل.
وبالتالي فقد نجح هذا الكتاب في جمع دراسات متنوعة ومتعددة حول العالم عن الرقابة وداخل مجتمعات محددة. مؤكدا أن الرقابة علي الأفلام تعي جيدا مدي شعبية الأفلام لدي الجمهور وقدرتها علي إقناع الناس وإغوائهم ولذلك فهي تمارس ضغوطها لإخضاع هذا السحر تحت سيطرتها. ويتضح أن المخاوف من السياسة وما تفرضه الأعراف الاجتماعية تسود كل إجراءات فرض الرقابة, وكيف أن هذه المخاوف التي قد تبدو محلية لكنها قد تتعدي حدود الدول وتصل للعالمية. وأكثر ما يميز هذا الكتاب هو الدراسات المقارنة والمتعددة من عدة دول مع اختلاف ثقافاتها وسياساتها وكشفها ان الرقابة مستمرة منذ بدء صناعة السينما ورغم انفتاح بعض المجتمعات وتطورها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق