الجمعة 10 من صفر 1435 هــ 13 ديسمبر 2013 السنة 138 العدد 46393

رئيس مجلس الادارة

عمـر سـامي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الهوية الحضارية في مشروع الدستور الجديد

مصطفي إمام
في مشروع الدستور المصري الجديد ـ ربما لاول مرة في تاريخنا الدستوري ـ حديث واضح عن الهوية الحضارية المصرية التي صاغها المصريون خلال كفاحهم التاريخي العنيد عن حدود دولتهم وعن فكرة التوحيد مدافعين عن الاله الواحد منذ مجيء النبي إدريس الذي علمنا الزراعة والحياكة وأسرار الفلك مرورا بإخناتون..

 لذا كان احتضانهم للمسيحية وللإسلام ونبذهم كل ما هو وثني وما يعبد من دون الإله الواحد, فكان للمسيحية وللاسلام علي وجه التحديد التاثير الروحي الكبير علي تكوين مصر أو هويتها الحضارية والتي جعلت المفكر والمؤرخ محمد شفيق غربال يقول ان مصر هي هبة المصريين وهي المقولة التي اتخذها واضعو الدستور اساسا للحديث عن الهوية المصرية ومنها انبثقت المادتان الثانية والثالثة باتفاق الاجماع المصري مسلمين ومسيحيين علي ان مباديء الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع والاعتراف دستوريا بحقوق المصريين المسيحيين واليهود بالرجوع لمباديء شرائعهم في تنظيم احوالهم الشخصية وشئونهم الشخصية واختيار قياداتهم الروحية.
هذه الروح الدستورية الجديدة تعكس حالة الخصوصية الحضارية للمصريين واتصالهم الروحي بنداء السماء التوحيدي, فنجد هذا التأثير المتبادل، للاديان السماوية وروح الشرق علي عمارة الكنائس والمساجد بمصر رغم ان هناك من يعتقد ان فكر التوحيد قد لا يحتاج ليعبر عنه من خلال مبني للعبادة ولكن الواقع التاريخي يقول ان الشرق الروحاني تفنن في ابداع بيوت الله وكان الفن المعماري الاسلامي هو قمة الابداع الهندسي الروحي للتعبير عن عقيدة الايمان والتوحيد في صورتها المدهشة.
ففي السياق التاريخي فإن المعابد اليهودية القديمة القليلة التي كانت في أريحا ومصر شيدت علي الطرز المعمارية السائدة وقتها وكان نبي الله سليمان الملك الأكثر تأثرا في عمارة قصره ومعبده بالطراز المعماري لمصر القديمة وهو ما يظهر من الاعمدة التي تشبه المسلات والاسدين الرابضين علي جانبي العرش ويرجع ذلك للصلات التجارية مع مصر. ورغم ترحيب مصر بنبي الله ابراهيم الذي هبط في عهد الاسرة الثانية عشرة علي الارجح باحثا عن زوجته سارة المختطفة فرحب به و تم إهداؤه جارية تزوجها وهي السيدة هاجر أم اسماعيل جد العرب المحدثين, فإن المؤرخين يعتقدون ان تأثيرا عبرانيا تم في عهد نبي الله يوسف الذي جاء وتولي خزائن مصر وأنقذها من القحط في عهد الاسرة الثامنة عشرة او القرن الخامس عشر قبل الميلاد حيث يعتقد ان اخناتون الذي دعا لعبادة الإله الواحد تأثر بمزامير داود خاصة الأربعين والواحد والاربعين ولكن مزاحمة اليهود للمصريين في اعمالهم وصناعاتهم مثل صناعة المعادن والحفر علي الاحجار الكريمة والصباغة والنسيج وثرائهم بالتالي جعل المصريين ينظرون اليهم كغرباء لتعاونهم مع الهكسوس الغزاة الذين استخدموهم لإذلال المصريين مما جعل المصريين كما يري غربال- ينفرون منهم بعد وفاة اخناتون وينفرون من جميع العبادات غير المصرية.
وينقل غربال عن المؤرخ المصري القديم مانيتون قوله:' ان اليهود انحدروا من شطر من الشعب المصري طرد اثر اصابته بالبرص والقراع'. وكان خروج اليهود مع نبي الله موسي علي شكل حشد و نظام عسكري. ورغم أن الوجود اليهودي في التاريخ المصري كان مساهما من خلال الأجانب سواء في عهود الاغريق والرومان والمسلمين و فترة الاحتلال الانجليزي إلا أن عمارة معابدهم لم تندمج فنيا ولاروحيا مع المصريين كما حدث بين الكنيسة والمسجد. وكان السيناجوج والكنيس اليهودي قد وضعت قواعدهما القياسية في عهد الاغريق مثل مكان تابوت العهد في اتجاه الاقصي وقاعات الصلاة والدرس. ويستند باحثون في ذلك إلي أن أصل هاتين الكلمتين إغريقي. واتسق بناء المعبد اليهودي تاريخيا حتي الان مع الطرز المعمارية السائدة في البيئة التي يوجدفيها علي عكس كل من الكنيسة المصرية والمسجد.
القطيعة مع الماضي
ويعتقد سومرز كلارك في كتابه عن الآثار القبطية في وادي النيل انه عندما تحول المصريون للمسيحية لم يقيموا في البداية اي كنائس بالطرق التقليدية التي كان يستخدمها اجدادهم حيث استخدموا اجزاء من المعابد وحولوها لكنائس وحرصوا علي اخفاء الزخارف المعمارية المنحوتة وغطوها بطبقة كثيفة من الجص رسمت عليها صور القديسين والرموز المسيحية ولونت الاسقف بنفس الطريقة. ويري مؤرخون ان المسيحيين المصريين الأوائل قرروا القطيعة مع الماضي القديم الوثني وان كانوا فيما بعد استقوا افكارهم الفلسفية في صياغة مذهبهم الديني' المونوفيسي' او الطبيعة الواحدة للسيد المسيح من خلال المعتقدات المصرية القديمة في التثليث' الاب والام والابن' ولكن في شكل ثلاثة أقانيم' الاب والام والروح القدس' والصليب ولكن من المؤكد ان روح الفداء والاستشهاد التي ادخلتها المسيحية في الشخصية المصرية احدثت نقلة تاريخية في تكوين مصر مما جعل الكنيسة المصرية كيانا روحيا مصريا مستقلا وطنيا في مواجهة المذهب الملكاني البيزنطي' المؤمن بالطبيعتين للمسيح' و دفعت مصر في سبيله آلاف الشهداء وجعل من المفاهيم المسيحية مساهما اساسيا في تكوين مصر المدافعة عن التوحيد والرافضة للوثنية وهو نفس النهج والدافع الذي جعل الاقباط يساندون الفاتحين العرب المسلمين ضد الرومان حيث انضم كثيرون اليهم سواء بعد اعتناق الاسلام او الاستمرار في ديانتهم القديمة.
ويذكر استاذ التاريخ الدكتور حسين كفافي في تأريخه لهذه الفترة ان شطا بن الهاموك والي دمياط انضم مع2000 شاب للمسلمين واعلن اسلامه وساهم في نشر الاسلام في شرق الدلتا و اشترك المصريون في فتح شمال افريقيا ونشر الاسلام. ورغم ان انتشار الاسلام في ربوع مصر تم تدريجيا و تزامن مع انتشار اللغة العربية الا انه كان ايذانا ببزوغ مرحلة جديدة لبناء الامة المصرية مسلمين ومسيحين. و يري مؤرخون للكنائس المصرية انه ما كان يمكن للكنائس المصرية البقاء و الازدهار تؤثر وتتأثر بالعمارة الإسلامية لولا تسامح الإسلام.
ففي الوقت الذي كان ينتشرفيه الاسلام كالاعصار في المنطقة كانت الكنائس والاديرة القبطية تحرق وتدمر ويذبح الاقباط ولا يجدون غير الصحراء ملاذا لهم من مطاردة جنود الرومان. ويري الاستاذ كلارك ان عمارة الكنائس والاديرة القبطية كانت بسيطة وان الفاتحين العرب استفادوا بالبنائين المسيحيين ودليله نوعية العمارة الحجرية التي نشاهدها في المباني ذات الطراز الإسلامي فهي مورثة بشكل مباشر من الابنية القبطية كما ان المباني الأولية التي أنشأها العرب مثل جامع عمرو بن العاص تحمل هذه المعالم حيث كان الجامع يتكون من حوائط عادية وسقف منبسط من جريد النخيل وظل يخلو من اللمحات الفنية التي تميزت بها المباني الحديثة في مصر.
وهو يؤكد ما يذهب اليه الاستشاري المصري الدكتور اسماعيل العادلي في حواره معي, ان النظم المعمارية لدور العبادة أستقت ملامحها وطرزها من البيئة التي نشأت فيها مع الاحتفاظ بطابعها الروحي, فحين أمر النبي محمد صلي الله عليه وسلم ببناء مسجده بالمدينة استخدم مواد من البيئة مثل الطوب اللبن والحجارة وسعف النخيل, والتطور الذي جري علي المسجد علي مر الزمان حدث مع تطور شكل البناء والمواد المستخدمة و ما نشاهده من مساجد وكاتدرائيات عظيمة البناء تمت وفق التطور الذي جري في هذه البلاد مثل القسطنطينية أو اسطنبول الآن أو الأندلس أو مدن اوربية. اما فكرة التوحيد في الأديان السماوية فانها لا تحتاج إلي تدعيم اي نسق معماري و ما يوجد في المساجد من مآذن وقباب واعمدة وبهو له تاريخه الخاص فأول بناء للمئذنة كان في المسجد الكبير بدمشق في عهد معاوية بن أبي سفيان ليرفع المؤذن الاذان وانتشرت بعد ذلك في كل المساجد واول قبة كانت في مسجد الصخرة في عهد عبد الملك بن مروان عام72 هجرية. ويضيف انه لا ترسيخ لمفهوم التوحيد بالله بزخرفة او زجاج معشق او رسومات جصية داخل القباب وكل تلك الاشياء ما هي إلا أساليب معمارية ابداعية لإضفاء جو من الخصوصية والروحانية ولتمييز لدور العبادة عن المحيط الخارجي لها, واستخدام الاشكال الهندسية كالمثلثات والمعينات والمربعات والزخارف النباتية التي استوحاها من الطبيعة ومع كل ذلك ابدع المعماري في استخدم الخط العربي وادمج فيه الروحانيات بما يحتويه من معاني الجمال بأشكاله المختلفة.
ورغم بساطة المباني الدينية القبطية الا ان المؤرخين يرون انها استفادت من فكرة القبة التي كانت منتشرة في ايران ووصلت لمصر عن طريق سوريا ومن المؤكد ان فنون البناء الاسلامية بمصر في المراحل المبكرة تأثرت بالفن والصناع الأقباط وجامع احمد بن طولون بالقاهرة قام ببنائه رجل قبطي اسمه سعيد بن كاتب الفرغاني وكان ملما جيدا بالعمارة وحاذقا فيها.
وقال لي المهندس المعماري الفنان ضياء مكين أن المعماريين المسلمين استنبطوا نظاما معماريا مميزا ومتكاملا من التشكيلات والتراكيب المعمارية والزخرفية التي تكون في مجموعها الطراز الاسلامي الموحد في روحه وطابعه وان اختلف في بعض تفاصيله من إقليم لآخر كما اختلف عن باقي الفنون الدينية الاخري. ويري ضياء ان الفن الاسلامي امتص كل الفنون المختلفة وصهرها في بوتقته الشخصية لان كل هذه الفنون تستقي روح الشرق المتجه بطبيعته للتجريد وتحوير الاشكال الطبيعية وتنسيقها في صيغ ذات ايقاع وتكوينات هندسية وزخرفية. فالوحدات الزخرفية الاسلامية حققت حالة منسجمة وجامعة للمادة والروح ومثلت هذه الوحدات القاعدة الفنية التي استمد من خلالها المعماري والفنان العناصر التشكيلية للاسلوب المعماري والتي تمثلت بالوحدة والاستمرارية كحالة طبيعية في الكون والحياة والانسان من خلال الحركة والنظام وهي تعكس حالة حركية واستمرارية نحو اللا محدود تمثيلا للرسالة الرمزية بالتوجه نحو الخالق غير المتخيل وغير المجسد.
فالفنان الاسلامي كان يهرب من التجسيد الذي اتسمت به العمارة المسيحية عامة ليس فقط داخل الكنائس ولكن ايضا في ابداعات صور الايقونات التي نحتت او رسمت لتكريم القديسين ووصلت لمرحلة التقديس كما يشير الدكتور احمد عبد الكريم في كتابه الرائع عن النظم الإيقاعية في الفن الإسلامي إلي: ان البيزنطيين أصبحوا يعبدون الإيقونات ولم يتوقف ذلك الا بعد حروب الايقونات التي جرت في القسطنطينية وان ذلك كان متسقا مع الفنون في الحضارات القديمة المصرية وما بين الرافدين في العراق وحتي الاغريقية والرومانية, حيث كانت تسعي للتعبير عن العقائد بأسلوب تصويري إيضاحي عكس الفنون الإسلامية التي قدمت للمسلمين وللعالم القيم الاسلامية واتاحت فرصا للتعرف علي مفهوم جديد للدين باعتباره رسالة حضارية تتحقق من خلال التفاعل مع ثقافات الشعوب التي دانت للاسلام.
الفلسفة والعمارة
فالعمارة الاسلامية- كما يري الدكتور عفيف بهنسي في كتابه عن العمارة الاسلامية قدمت الظرف المثالي للتعبير عن القيم الاسلامية وكانت الكعبة المشرفة اول عمارة خدمت الفكر التوحيدي في بساطة بنائها وهي قبلة للمسلمين يطوفون حولها من جهات الارض الاربع ويتجهون اليها في صلاتهم. اما عمارة المسجد النبوي فكانت دليلا علي الإيمان بالله حيث قدم هذا المسجد في معناها اول حيز مكاني استقرت عليه الدعوة الاسلامية, فالدكتور بهنسي واخرون يرون معاني فلسفية وراء مكونات عمارة المساجد. فالمئذنة المهيمنة علي المدينة تدل علي سلطان الدين وهي برج شامخ يسمو الي السماء من الارض وهي في شكلها المربع أو المستطيل صومعة أو منارة للدين تسعي للالتصاق بالملأ الاعلي.
والقباب تعبير عن قبة السماء التي تحدب علي المؤمنين وتحميهم ولذلك تفنن المعماري في اشكالها من المكور الي البصلي الي المفلطح وجعلت النوافذ اسفلها لتزين الجامع نورا. اما المحاريب فهي قبلة تجدد سمت الكعبة ويتجه المصلون نحوها حتي تلتقي قبلتهم في نقطة واحدة حددها هذا البيت العتيق في مكة. اما العمارة الداخلية للمساجد من زخرفة حجرية وخشبية وجصية فهي للتعبير عن روائع الآيات القرآنية الكريمة منقوشة بخط جميل علي الجدران والهدف هو التعبير عن الله المطلق إله الكون من خلال الرقش الذي بقي مجردا بعيدا عن التشبيه النسبي. ويري ان الرقش النباتي صيغة من صيغ التسبيح بوحدة الله والتعبير عن عبادته والايمان به. وينقل عن الباحث بشر فارس عن سر الزخرفة ان الاشكال الهندسية هي ثمرة التوقان او الشوق الاسلامي. فالفنان المسلم استخدم الزخرفة للتعبير عن معتقداته الدينية وليكون الشكل مطابقا للمضمون المطلق كما نراه بوضوح في التكوينات الاشعاعية للاطباق النجمية حيث نري الكون بما فيه يدور في فلك واحد منشأه الله ومنتهاه الواحد الاحد فهي نظرة تأملية للكشف عن الجوهر الكوني الذي لا يقبل التجزئة.
هذه الأفكار تؤكد تأثر الفن المعماري الإسلامي بالروح الفلسفية للشرق ومجسدة في كل مساجد الله في بلاد الشرق. وهو ينقل عن ليلي بختيار التي تقدم تفسيرا صوفيا للاشكال الهندسية قولها ان الفنان الاسلامي استخدم الاشكال الهندسية وعلم الارقام كتعبير رياضي يذكرنا بالنماذج القديمة التي تظهر خلال عالم الرموز.
فالرياضيات هي لغة العقل وهي طريق للتفسير الروحاني الذي يمكن للفرد من خلاله ان ينتقل من الملموس الي المحسوس. وفي ضوء هذا التفسير فعندما يكون رأس المثلث إلي الاعلي فإن المثلث يشير للصعود للسماء وعندما يكون رأسه للاسفل يشير للهبوط الي الارض كما ان العقل هو العنصر الايجابي والنفس هي العنصر السلبي المؤنث, وبذلك فان ليلي بختيار سعت لايجاد علاقة بين الفن الاسلامي الهندسي والاعداد والمعاني الفلسفية لذا فإن فنانين مثل صخر فرزات في حديثه عن جمالية العمارة الإسلامية وضياء مكين يريان أن استمرار الفن الاسلامي الهندسي حتي الان يرجع الي استخدام التجريد والرمز. فالتجريد تحكمه قوانين الايقاع الرياضية التي تعتبر الجوهر الاساسي للايقاعات الموسيقية, والرمز الذي يترجم كل شكل هندسي لمعني ديني مطلق. هذه الخصوصية التي ميزت الفن والعمارة الاسلامية كانت رافدا ومساهما حقيقيا في تكوين مصر الحضاري متواصلة مع فكرة التوحيد المتجذرة في الشخصية المصرية المؤمنة بالله الواحد الاحد المطلق المنزه عن كل تشبيه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق