|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44912 | السنة 133-العدد | 2009 | نوفمبر | 23 | 6 من ذى الحجة 1430 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
|
| |
كل هذا التعصب! بقلم د. سليمان عبد المنعم solimanabdulmonaim@hotmail.com
|
 |
الأرجح أنه حين ينشر هذا المقال سيكون هناك العشرات وربما المئات من المقالات حول الموضوع نفسه, إنها مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر في التصفيات المؤهلة لكأس العالم2010, وكالعادة سيكون مطلوبا ومفيدا لو تأملنا في هدوء ما جري واستخلصنا منه الدلالات والعبر.
وسنصل الي النتيجة التي ندركها في كل مرة, وهي أننا علي المستوي النظري نحسن التقييم ونمتلك معايير الحكم علي الاشياء, أما علي المستوي السلوكي فمازلنا كما نحن أسري العقلية ذاتها, لكن من نحن؟ نحن العرب بكل تأكيد, والمصريون والجزائريون علي وجه الخصوص.
ما جري في الأسبوعين الماضيين ما بين المباراة التي فازت فيها مصر وتلك التي فازت فيها الجزائر يمكن التعليق عليه من أكثر من منظور, ويثير أكثر من قضية, القاسم المشترك في كل هذا هو أسلوب التناول الاعلامي لمسألة التنافس الرياضي بين مصر والجزائر لكسب بطاقة التأهل ـ مجرد التأهل إلي كأس العالم.
الإعلام هو بيت القصيد ومحور التساؤل, والتناول الاعلامي من جانب من يفترض كونهم نخبة وحملة أقلام وصناع رأي هو سبب ما جري, وإن لم يكن سببه فهو علي الاقل مظهر الخجل وربما العار في ما جري. إذا كنا نريد حقا فهم ما حدث ومحاولة إصلاحه فالبداية هي أن نعترف بالدور السلبي والمقيت الذي لعبه بعض الاعلام في مصر والجزائر علي حد سواء, وبما أنني مصري فلست أتردد في القول بأن ما حدث من بعض الاعلام المصري أشعرني بالخجل الوطني وأنا أشاهد بعض الفضائيات الرياضية المصرية الخاصة أو بعض رسوم الكاريكاتير والعناوين الفجة القبيحة في صحف مصرية.
ولعل ما حدث من بعض الاعلام الجزائري جدير ايضا بأن يثير لدي الاخوة الجزائريين الأحرار الشعور ذاته. وربما يري كثيرون أن ما حدث بسبب هذا المناخ الرياضي يحدث مثله الكثير في أوروبا.
ونحن نعرف مثلا ما عانته بريطانيا من جمهور كرة القدم فيها, وهناك أرواح بريئة أزهقت بسبب مباريات كرة القدم, لكن يظل الفارق بين ما حدث هنا في مباراتي مصر والجزائر وما يحدث هناك من عنف وكوارث أن الاعلام الرياضي في أوروبا لم يقم بمثل هذا الدور التحريضي المؤسف الذي قام به بعض الاعلام في مصر والجزائر. فالعنف هناك كان سمة لجمهور غوغائي والعنف لدينا أطلق شرارته الاعلام الذي كان يفترض بحكم مسئوليته المهنية والقومية ان يهدهد مشاعر الغضب لدي العامة والغوغاء لا أن يصب عليها الزيت والنار. الأمر المؤكد أن ما وقع فيه بعض الاعلام في مصر والجزائر من خطأ مهني وخطيئة اخلاقية وقومية قد أسهم بدور لايمكن التنصل منه في المشهد العبثي المحزن القائم الآن. هذا المشهد الذي كشف بدوره عن دلالات مخيبة للأمل.
الدلالة الأولي ـ أننا كعرب شوفينيون بأكثر مما ينبغي وبأكثر مما يحتمله منطق العصر, بل إننا بفعل هذه الشوفينية نكاد نعيش خارج العصر ذاته, يؤلمنا الاعتراف أن الولع العربي بالذات القطرية الضيقة لايمكن تفسيره إلا بمجموعة من العقد والتراكمات التاريخية, بل المعاصرة أيضا التي أنتجت كل هذا التعصب, وعلي الرغم من أن شكل الدولة الحديثة في العالم كله قد تجاوز هذه الانتماءات العصبية الضيقة فإننا كعرب مازلنا نعيش ظاهرا في دولة حديثة وفي دواخلنا نحمل ذهنية القبيلة, وهي ذهنية تبدو كامنة مستكنة لكنها لاتلبث أن تثور وتمور بفعل أي حدث عابر بسيط ولو كان مباراة في كرة القدم.
ولعل الأخطر في الروح الشوفينية أنها لاتقتصر علي العامة والغوغاء فقط بل تشمل أحيانا النخبة والمثقفين, وها قد أصبح يتقدم طليعتها وركبها الاعلاميون الرياضيون, ثم ان الخطيئة التي مارستها الشوفينية العربية هي المساس في ظل هذا المناخ العابث المجنون بالمعارك النبيلة التي خاضتها الاوطان ضد محتل أو مستعمر. كان هذا هو الجنون بعينه صحيح ان الغوغاء هم الذين نطقوا بهذا الكفر لكن الجهر به كان هو الجديد والمقلق.
الدلالة الثانية ـ أن ما حدث علي مدي الاسابيع القليلة الماضية وما قد تشهده الايام المقبلة لاقدر الله سوف يفاقم ولاشك من الصورة الذهنية للعرب في عقول وانطباعات الآخرين, وهي صورة لم يكن ينقصها التدهور او المزيد من الاساءة لأنها في الأصل كما نعرف صورة سلبية.
والخاسر في هذا المشهد ليس مصر والجزائر فقط, بل الخاسر هم العرب اجمعون, ولن يكون سبب تفاقم الصورة الذهنية للعرب لدي الآخرين هو مناخ التنافس الرياضي المحموم والشرس فهذا المناخ يسود مثله في كل بلاد الدنيا.
ولن يكون ذلك ايضا بسبب حوادث العنف التي صاحبت هذا التنافس لأن ذلك ايضا مما يجري مثله في كل المجتمعات, لكن سيكون سبب الاساءة الاكبر هو المدي الذي بلغته هذه الأحداث المحزنة وتداعياتها علي صعيدي الإعلام والسياسة.
فلعلها المرة الاولي في التاريخ التي يتم فيها تجييش الطائرات العسكرية لادارة ما يشبه معركة في كرة القدم.
يتم هذا كله والعالم يرقب المشهد عبر الانترنت والفضائيات ما بين شعور بالدهشة لدي البعض, وشعور بالاستياء لدي البعض الآخر, اما الشعور بالشماتة فمعروف جيدا من أين يأتي!!
الدلالة الثالثة ـ وقد ترددت كثيرا قبل تسجيلها لكن حين أتيح لي الاطلاع علي طريقة المعالجة الخبرية العربية في بعض الاعلام العربي المكتوب والفضائي لم يعد لترددي مبرر.
لقد كان مظهر هذه الدلالة المحزنة غير مفهومة الاسباب هو الاسلوب الذي اتبعته بعض الصحف والفضائيات العربية في تغطيتها لما حدث. ثمة تلميحات واشارات شامتة لاتخطئها العين تكشف عن تحامل في مواجهة مصر, اعلام فضائي يضخم الاحداث الصغيرة هنا ويقلل من شأن الافعال الخطيرة هناك!
صحف تمارس الانتقائية الخبرية غير المهنية ولا المحايدة تصطاد كلمة عابرة حين يتعلق الامر بمصر لكنها تغض الطرف في الوقت ذاته عن خطاب كامل هناك!
الكاميرات تفتح عدساتها بأكثر درجات الزوم لضبط تصرف مشجع مصري لكنها تغلق عدساتها كلية وتدير وجهها حتي لاتضطر لكشف حالة كاملة من الاعتداء والتدمير ضد مصريين او مصالح مصرية. ومثلما أتيح لي ولغيري من المصريين أن يعبروا عن استيائهم من موقف بعض الاعلام المصري, فإن منطق الشجاعة ذاته يفرض علي الآخرين مراجعة موقفهم.
ربما يكون مفهوما وليس مبررا أن ينزلق بعض الاعلاميين في مصر والجزائر الي هذا السجال الاعلامي الشرس, لكن من غير المفهوم ولا المبرر أن يمارس بعض الاعلام العربي ـ خارج مصر والجزائر ـ مثل هذا الدور الغامض والمريب.
الدلالة الرابعة ـ أننا مجتمعات عربية متعطشة لانتصارات حقيقية لاتتحقق في الحياة, ولأن العرب قد عرفوا في تاريخهم الحديث من الانكسارات اكثر مما عرفوا من انتصارات كان من الطبيعي أن يلجأ البعض الي لعبة في كرة القدم لتكون هي التعويض عن هذه الاخفاقات النفسية, إننا لانري في المجتمعات المتقدمة شيئا من هذا القبيل, صحيح أن لديهم اهتماما جارفا بكرة القدم وتبدو بعض المباريات الحاسمة حدثا يثير مشاعرهم الوطنية, لكن الامور في نهاية المطاف تبقي في اطارها الرياضي المسلي والممتع, انها شعوب ومجتمعات متخمة بالانجازات والانتصارات الحياتية في العمل والانتاج والتقدم والعلم والحرية والابداع فلم تعد تحتاج الي مباراة في كرة القدم لكي تحصل علي مثل هذا الشعور الزائف بالانتصار.
المشكلة التي يتعين الاعتراف بها في بلاد العرب تبدأ من ضيق الآفاق المتاحة لممارسة الانتماء الوطني في مجالاته الطبيعية وهو واقع مؤسف ومعقد أفضي بالمواطن العربي الي البحث عن مجالات اخري لتصريف شعوره بالانتماء الوطني وإثبات حبه لهذا الوطن.
وبدت كرة القدم من المحيط الي الخليج مجالا مفتوحا ومثيرا لتصريف هذا الشعور المكبوت بالوطنية فكان ان حدث مثل هذا الذي رأيناه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|