|
|
 |
 |
قضايا و اراء |
|
|
| |
| 44912 | السنة 133-العدد | 2009 | نوفمبر | 23 | 6 من ذى الحجة 1430 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
|
| |
من أجل نقابة مهنية حقا! بقلم:د. عبد المنعم سعيد amsaeed@ahram.org.eg
|
 |
النقابة التي أتحدث عنها هي نقابة الصحفيين, والمناسبة هي انتخاب نقيب للصحفيين في انتخابات سوف تجري في السادس من ديسمبر القادم, والهدف أن تعود النقابة بشكل كامل إلي واجباتها النقابية, وفي مقدمتها الحفاظ علي المهنة وتقاليدها كما هو الحال في كل بلدان العالم, والصحفيين بحيث يكون لهم القدرة علي القيام بمهامهم الصحفية. فما حدث في نقابة الصحفيين المصرية, وجري مثله في نقابات مهنية أخري, أن أصبحت هذه المؤسسات موطنا أولا للانقسام السياسي, وثانيا القيام بالمهام المنوطة بالأحزاب السياسية, وفي أحوال ثالثة حلت الصحافة محل القضاء في المحاكمة والحكم في القضايا العامة, وفي أحوال رابعة أخري قررت النقابة أن تقوم برسم السياسة الخارجية المصرية وإجبار الأعضاء علي اتخاذ مواقف لا تتماشي مع المواقف المتسقة مع الحقائق, التي يعرفونها ولا تستريح ضمائرهم المهنية لها. وكانت الكارثة أن كل ذلك حدث علي حساب المهمة الأصلية للصحفي وهي الكشف عن الحقيقة, وليس تثمينها سياسيا لمصلحة جماعة أو أيديولوجية, والبحث عن المعلومات وإتاحتها للقراء,
وليس الحكم عليها واستخدامها في التحريض أو للإثارة. وبالطبع فإن كل ذلك لا يمنع الصحفي من لعب دور سياسي إذا أراد في الحزب الذي ينتمي إليه, أو يبدي رأيا سياسيا في مقال يأخذ عليه أجرا إذا أخطأ وأجرين إذا أصاب. أو هكذا قالت الحكمة الشائعة, ولكنها لا تستخدم أو تطبق كثيرا حتي ولو كان الحديث عن المهنية غزيرا وشائعا.هذا الموقف يرجع إلي أمرين: أولهما إن إحدي السمات الحاكمة لواقع النقابات المهنية في مصر تصاعد الدور السياسي لها, وهو ما يشير إلي تخطي النقابات أدوارها التقليدية المرتبطة بالقوانين واللوائح المنظمة لعمل النقابات, والتي تتمثل في الارتقاء بمستوي ممارسة المهنة وتطويرها والدفاع عن مطالب ومصالح أعضائها والمشاركة في صنع السياسات العامة المرتبطة بممارسة المهنة, إلي أدوار جديدة تهتم فيها بالقضايا السياسية الداخلية والمشكلات الخارجية, وتسعي من خلالها إلي التأثير في العملية السياسية. وتبني هذا الدور السياسي قد يدفعها إلي قلب المعارضة السياسية, وإلي حدوث مواجهات بين النقابة المهنية والسلطة السياسية,
وهو ما حدث مع نقابات الأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والصحفيين, أو يدفعها لتكون مؤيدة للنظام السياسي القائم, مثل نقابة المعلمين. وثانيهما أن الواقع الصحفي المصري قد تغير إلي الدرجة التي لم تعد تسمح باستمرار الأوضاع الراهنة التي جعلت النقابة رهينة شريحة من الصحفيين الذين من حقهم تماما أن تكون لهم آراءهم السياسية, ولكن ليس من حقهم فرضها علي الآخرين حتي ولو كانوا يمثلون أقلية داخل النقابة. هذا الواقع أصبح يتسم باتساع قاعدة الصحفيين في الصحافة المطبوعة, التي تقوم عليها النقابة حيث بلغ عدد أعضاء النقابة في عامها الأول1201941 عضوا, وتزايد العدد حتي وصل إلي4332 في عام2003 والآن يبلغ عدد أعضاء الجماعة الصحفية في مصر ما يقرب من سبعة آلاف فرد, بعد انضمام عناصر شابة جديدة ضمتها لجنة القيد الأخيرة. ولكن الصحافة لم تعد صحفا مطبوعة فقط بل بات الخبر والتحقيق والمقابلة الصحفية والصورة وكل فنون العمل الصحفي من صميم عمل الكثير من البرامج التليفزيونية.
إن أحد الظواهر الجديدة في مصر منذ ما يقرب من عقد تقريبا, هي اشتغال عدد كبير من الصحفيين في الإعلام الفضائي, سواء كمقدمي برامج أو معدين لبرامج, لاسيما مع انتشار القنوات الفضائية في سماء العالم العربي, فيما أطلق عليه ظاهرة الصحافة التليفزيونية, وحظي بعض مقدمي برامج من الصحفيين بشعبية هائلة, لم تسمح بها الصحافة المكتوبة. ومع تزايد اعتماد الأجيال الجديدة ـ بدرجة كبيرة ـ علي شبكة الإنترنت كوسيلة لطرح أفكارها وتشكيل توجهاتها, لجأ البعض من نشطاء الإنترنت أو المدنيين إلي إنشاء ما يسمونه صحف إلكترونية, وتم طرح قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية غير مسبوقة من الاهتمام بالشأن العام, واستطاعت إيجاد روح مختلفة عما تطرحه الصحف ووسائل الإعلام التقليدية, لاسيما أنها مدعمة بالوثائق والوسائط الإعلامية.
كل هؤلاء لا يمكن تجاهلهم من ناحية نظرا لأن مهنتهم هي الصحافة بعينها, ومن ناحية أخري فإنهم يستحيل توافقهم علي رأي سياسي واحد, من ناحية ثالثة أنهم نظرا لوجودهم في مجالات جديدة مؤثرة في الرأي العام فإنه لابد من توفيق أوضاعهم مع تطبيق ميثاق الشرف الصحفي وهو ما لن يحدث إلا بالتعامل مع مشكلة أساسية تتعلق بغياب تشريع محدد أو ضعف للمنظومة القانونية في مصر بشأن التعامل مع النشاط الصحفي الإلكتروني بأبعاده المختلفة, وخاصة ما يتعلق بالاستخدامات الضارة, فمن الممكن التشهير, دون عقاب, بأي شخص أو تيار سياسي من خلال منتدي أو ساحة حوار لاسيما في ضوء سرية الإنترنت وتجاوزه حدود الدولة, وهو ما يفرض التعامل مع هذه المسألة من خلال تقنين العلاقة بين الصحافة الإلكترونية ونقابة الصحفيين, باعتبارها الجهة النقابية الأساسية المسئولة عن قضايا مهنة الصحافة في مصر.
وللحق فإن تسييس النقابات لم يكن ظاهرة حديثة, إذ بدأ هذا التسييس منذ عقود كثيرة. ففي الخمسينيات والستينيات حينما ساد التنظيم السياسي الواحد, اعتبرت النقابات المهنية بمثابة تنظيمات معاونة, حيث أنشئ في داخل الاتحاد الاشتراكي العربي أمانة للمهنيين للإشراف علي نشاط هذه النقابات والتنسيق بينها. وسعي النظام الناصري إلي كسب ولاء هذه النقابات من خلال منحها بعض الميزات الاقتصادية لتوزيعها علي أعضائها, وكان من أبرز تلك الميزات تخصيص قطع أراض للبناء. وكانت الحكومة قبل ذلك اتخذت سياسة عامة أسفرت عن عمل سياسي فعلي في النقابات, عندما اشترطت العضوية العاملة في الاتحاد القومي ومن بعده الاتحاد الاشتراكي فيمن يرشح نفسه لعضوية مجالس النقابات بصفة عامة. ومع عملية التحول السياسي إلي التعددية الحزبية في منتصف السبعينيات,
رأت الأحزاب والقوي السياسية المعارضة أن وجودها في العمل النقابي بديل عن مشاركتها في الانتخابات البرلمانية, التي اعتادت أن تخذلها نتائجها. وهكذا, تغير دور النقابات تدريجيا, بحيث استخدمت مختلف أساليب العمل السياسي للتعبير عن آرائها من خلال عقد الندوات لمناقشة القضايا السياسية الداخلية والخارجية المحيطة بالبيئة المصرية وإصدار البيانات السياسية والتنسيق مع الصحافة الحزبية المعارضة والتعبير عن مواقف معارضة لسياسة الدولة, كجزء من اهتمامها بالشأن العام.
والمدهش أن تصاعد هذا الاتجاه المعارض قام علي أساس متناقض بالضرورة حيث سعي من ناحية إلي الحصول علي مكـــاسب مـــن الدولــة لا يحصل عليها باقي المواطنين وباعتبار ذلك حقا لا تجوز المناقشة فيه, ومن جانب آخر الحديث عن ضرورة استقلال النقابة. ولا يمكن حل هذا التناقض إلا من خلال زيادة اعتماد الصحفيين علي أنفسهم عبر توسيع قاعدة العضوية, والاشتراك السنوي الذي يقدمونه للنقابة مقابل ما تقوم به من حماية لحقوق الصحفيين إزاء المالك العام أو الخاص للصحف أو المحطات التليفزيونية حيث تنتهك حقوق الصحفيين بأشكال متنوعة وصلت في بعض الأحيان إلي اقتسام العلاوات والمنح التي يحصل عليها صحفيون يعملون في صحف لا تدفع لهم أجورا من الأصل. وببساطة أن تعمل النقابة كما ينبغي أن تعمل كل النقابات في العالم من خلال جهود وقدرات أعضائها, خاصة لو كانت من نقابات الرأي, التي تريد وتسعي بالفعل للاستقلال عن القوي السياسية المختلفة وفي المقدمة منها الحكومة. ولكن أن يطلب الصحفيون العلاوات والمنح والمساكن وفي بعض الأحيان الحج والمقابر والأرض الزراعية من الدولة فإن ذلك لا يعد امتهانا للمهنة فقط, بل أنه يخالف أبسط مبادئ الاستقلال فيها.
وللحق أيضا فقد جري تحسن ملموس خلال الفتـــرة الأخيرة عندمــا تم استرداد سلالم النقابة بعد اختطافها من قبل الحركات الاحتجاجية, التي رفعت مطالب فئوية, أو حاولت الحصول علي شرعية لمطالبها في السياسة. ويعد انتخاب نقيب الصحفيين المقبل مناسبة لوضع الجماعة الصحفية تحت الاختبار كجماعة مهنية في المجتمع قبل أي شئ أخر. كذلك فقد جرت جهود ملموسة فيما يتعلق بالتدريب علي الفنون الصحفية الجديدة, وتطبيق ميثاق الشرف الصحفي, وكلها جهود ملموسة ومشكورة, ولكن المطلوب الآن من النقيب الجديد أن يعمق هذا الاتجاه داخل النقابة ويدفع في اتجاه أن تكون النقابة شاملة لكل العاملين في المهنة بالفعل, وليست ناديا مغلقا علي جماعة واحدة من الجماعات الصحفية والعاملة في الصحافة المطبوعة. وببساطة فإنه بات علي نقابة الصحفيين أن تخرق تقليدا بات مصريا يتم فيه حصر مهنة ما داخل جماعة واحدة فقط, فنقابات العمال تستبعد العاملين في القطاع الخاص برغم أن عمال القطاع العام باتوا أقلية صغيرة وسط الطبقة العاملة المصرية, ونقابة عمال الاتصالات لا يوجد فيها إلا العاملين في الشركة المصرية للاتصالات
بينما يستبعد منها عمال شركات المحمول الحائزة علي أغلبية العاملون في حقل الاتصالات. وهكذا فإن ريادة نقابة الصحفيين في هذا المجال, فضلا عن أنها يعكس واقعا مؤثرا, فإنها سوف تعطي النقابة قدرات مالية, وتنوعا مطلوبا, وتأثيرا متزايدا في الدولة والمجتمع يساهم في تطوره وتنميته, وفوق ذلك كله يتعامل مع المستقبل الذي سوف تتكامل فيه أساليب العمل الصحفي والإعلامي. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|