يفعل هذا في بساطة وعفوية وذكاء معا..
تأملاته.. عباراته.. تعليقاته التي تبدو عابرة..
هذه المعاني العميقة التي يسكبها في نصه.
تجعلنا نستمتع بصحبة عوالمه..
تلك العوالم التي يتقن بناءها وصقلها بقلمه المعبر المدهش.
هذا هو الروائي إبراهيم اصلان في عمله الأخير( حجرتان وصالة).. إنه هنا يعرض لتفاصيل حياة زوجين عجوزين يعيشان في البيت وحدهما بعدما وصل الزوج الي مرحلة المعاش, وكبر الأبناء وتزوجوا وتركوا بيت الأهل.
يعيش القارئ مع الزوجين في ارجاء حجرتين وصالة فقط.
في هذا البيت المصري المتواضع تدور احداث القصص القصيرة التي صنفها أصلان بـ( متتالية منزلية).
مع التفاصيل اليومية الصغيرة التي يصادفها هذان الزوجان في البيت, نستشعر معاني كثيرة: الوحدة.. الخوف من الموت.. الاحساس بأن الزمن مضي دون أن نفعل شيئا مؤثرا.. الرغبة المستميتة في الحياة والتواصل.. افتقاد الأبناء والاحساس بالوحشة بعد فراقهم.. رتابة الحياة الزوجية.. المشاحنات والخلافات علي أتفه الاسباب..
صور تفصيلية.. مشاهد مفعمة بالحركة..
لقطات حية تموج أمام أعيننا.
أشبه هي بلقطات سريعة لفيلم سينمائي.
هذه الحيوية.. وهذه الحركة التي يبثها اصلان هنا, تجعل القارئ يتابع في شغف, ومتعة أحداث( الحجرتين والصالة).
لم يتخل الكاتب الكبير عن لغته وأسلوبه..
عبارات قصيرة.. لغة موجزة..
جمل قاطعة وحاسمة..
ونص متماسك يخفي وراءه نفسا مرهفة وحساسة.
أمور حياتية عديدة يعرض لها أصلان في حكايته.. وبرغم أنها تصادفنا جميعا في حياتنا فإننا نشعر بالدهشة لدي قراءتها..
يسقط طبق القيشاني من الزوج غصبا عنه وينكسر إلي عدة أجزاء.. يخفي جريمته ويضع بقاياه في كيس القمامة الأسود ويغطيها باوراق الخس ويجلس في هدوء يقرأ الجريدة دون ان يعترف بفعلته!
يتأمل الأب ابنه ويكتشف فجأة أنه صار طويلا, يسأل زوجته في حيرة: مش عارف إذا كنت أنا اللي قصرت ولا هو اللي طول؟
يلتقي الزوج بصديقه القديم الذي لم يقابله منذ سنوات طويلة والذي أصيب بجلطة في المخ وعولج منها.. يقول صديقه: كلنا كبرنا.. يرد عليه: آه يا أخي مع إني حاسس جوايا إني لسه صغير...
اكتشف فجأة الزوج أن مذاق طبق الفول المخلوط بحبات الأرز الذي تدمسه زوجته ليس طيبا.. سألها: لماذا لا تضعين عدسا أصفر بدلا من الأرز ؟ ترد: جاي بعد ثلاثين أربعين سنة تقول عدس؟
بهذه الكلمات الحميمة وتلك العبارات الدافئة وذلك الحديث الودود وتلك الجمل الزاخرة بالمشاعر, يقدم أصلان قصصه..
صاحب( مالك الحزين) و(عصافير النيل) و(وردية ليل) و(بحيرة المساء) و(خلوة الغلبان) و(حكايات من فضل الله عثمان.. الروائي ذو الانتاج( المقتصد)( المميز) لايزال يبهرنا بصدقه وعفويته.. لايزال يبعث الدهشة في نفوسنا.. ولايزال يجعلنا( نأنس) الي صحبة أبطاله البسطاء..
lailaelraiy@yahoo.com