جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ بين التقليد والابتكار والإبداع بقلم : رجائي عطية

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44762‏السنة 133-العدد2009يونيو26‏3 من رجب 1430 هـالجمعة

 

بين التقليد والابتكار والإبداع
بقلم : رجائي عطية

‏لاتختلف صغار الآدميين عن صغار الثدييات بعامة في أن كل ما تأتيه تقليد ومحاكاة مستمدة من المحيط وأن كل ما تدخله علي المحاكاة من تعديل أو تطوير الصورة بما يتفق مع ميولها النفسية وقدرتها العقلية والبدنية‏,‏ يأتيها بدوره من خلال التقليد‏.‏ شأنها في ذلك شأن صغار الثدييات‏.‏ تعيش حياتها الأولي بتقليد الكبار تقليدا لا اراديا في الأعم الأغلب‏.‏ خاصة في مجال الأنشطة الحيوية كالأكل والحركة والهرب‏.‏ ومع نمو الاحساس بالذات المصاحب لنمو القدرات يبدأ الآدمي في تقليد الأباعد وفي الزهو بمخالفة الأقربين‏.‏ ويبدو هذا واضحا أكثر جلاء في طور المراهقة‏.‏ حيث يبدأ الاتصال بمحيط أكبر وأوسع من البيت والوالدين والإخوة‏,‏ ومع التقدم في السن ينفرج أمامه الباب لينفتح تدريجيا علي مصراعيه للتقليد الإرادي المبني علي الاختيار الشخصي أو علي الاختيار الجماعي‏.‏ هذا ويصحب عملية التقليد تعديلات جزئية تختلف من شخص لآخر‏..‏ تمليها ميول الشخص وخصوصية قدراته العقلية‏.‏

ومع تجارب الشباب وما يليه من مراحل العمر ـ تعتبر التجارب الشخصية مجالا اساسيا من مجالات التقليد الإرادي وغير الإرادي‏.‏ ولا يوجد آدمي‏,‏ ولم يوجد قط‏,‏ استطاع أن يتتبع كل أو معظم خيوط التقليد الكثيفة المتراكبة المعقدة التي منها يتألف تفكيره وخياله وعاداته وأخلاقه وأذواقه‏..‏ فما هي إذن فردية الآدمي ومبني شخصيته؟ فيما يبدو لي ـ أن هذه الفردية هي فردية وشخصية عملية التقليد ذاتها فكل تقليد يحمل طابعا شخصيا للمقلد لا يشترك فيه غيره بهذا المزيج الذي يجمع بين التقليد والطابع الشخصي يتشكل أو يكون لكل فرد وجود خاص وروح خاصة لها كما يقولون لونها وطعمها تنعكس علي سلوكه واخلاقه وعاداته علي نحو ينفرد به طول حياته وتبقي ذكراه في ذاكرة من يعرفونه أو يعرفون من يعرفونه متميزة عن غيره ممن عرفوهم ويظل هذا التميز معروفا لزمن قد يطول قرونا حسب حاله وحالهم‏.‏ فمكونات الآدمي غير المادية أو غير الجسدية تشبه من هذه الناحية مكوناته الجسدية فهذه تماثل مكونات اجسام افراد النوع الإنساني لكنها لا توقع لبسا بين الأفراد ولا تحول دون فردية وشخصية وتميز كل منهم لأنه برغم وحدة العناصر المكونة وتماثلها يحمل كل فرد طابعا شخصيا ينعكس علي مرآه وم
سمعه وسحنته وحركاته وسكناته برغم وحدة العناصر المكونة وتماثلها في الجسد في جميع أفراد النوع الإنساني‏.‏

فالطابع الشخصي الذي يتميز به كل آدمي عن غيره في عملية التقليد والمحاكاة وهي عملية جوهرية مشتركة عامة لا تنقطع أبدا عن الآدمي مادام حيا‏.‏ هذا الطابع الشخصي المميز هو الذي يبني فردية الفرد وشخصيته‏.‏ هو الذي يظهر هذه الفردية برغم وحدة المكونات غير المادية الاساسية وتماثلها لدي جميع الأفراد‏.‏

وطبيعي أن تكون الأفكار العامة والمصدقات العامة والاساليب العامة للتفكير واحدة في المحيط أو في العصر لكن ليس طبيعيا أن تكون صورها واحدة لدي كل فرد أو أن يكون تعلق كل فرد بكل منها تعلقا بذات القدر أو الوزن أو الشكل لأن لكل فرد طابعه الشخصي الخاص به المتفق مع ميوله النفسية وقدراته العقلية والبدنية مع استعداداته المولود بها‏,‏ وهذا الطابع الشخصي المنفرد هو الذي يحدد خصوصية الأفكار والمصدقات والانطباعات والاساليب التي تختلف فيها فردية الشخص عن سواه‏.‏ وذلك الطابع الفردي ليس خصما ولا خصيما ولا نقيضا لعملية التقليد الدائبة الحصول بلا انقطاع بين جميع أفراد النوع‏.‏ وإنما هذا الطابع مكمل ولازم من لوازمها الحيوية ليضمن أن تظل المحاكاة عملية تربية من أجل تطور ولمزيد من الحركة ويضمن بالتالي ألا تصير عملية التقليد تكتيفا وتقييدا وركودا وتجميدا ينتهي بالضمور أو بالانقراض‏.‏

كل القمم البشرية من أول الدهر ـ قلدت وماتت وهي تقلد ـ لأنها عاشت حياة البشر التي لم تستغن ولن تستغني قط عن التقليد‏.‏ إذ ليس عنه غني لوجود الجماعات صغيرها وكبيرها ولعمار أرض الله بل ولا بديل عنه لاقامة الحضارات ولكل صور التطور وتقدم العلوم والفنون وانتشار الإنسانية وإعلاء رايتها في العالم‏.‏ كل عظيم من القمم البشرية قديمها وحديثها مقلد وكان مقلدا وسيظل ما يجود بهم الزمان مقلدين طالما هم آدميون لا يخرج أحد في الماضي أو الحاضر أو المستقبل عن دائرة التقليد لأنه آدمي اعتنق ويعتنق وسيعتنق أفكارا وآراء وتصورات ومعارف‏.‏ موجودة قبله أو وجدت مع وجوده في محيطه أو في عصره ورحبت بها استعداداته الفطرية واتفقت مع قدراته العقلية والبدنية وأسس عليها اخلاقه ومشاربه وأذواقه وتدخلت من ثم في اتجاهاته واهتماماته وأعماله وقد اختارت عناية الله عز وجل ـ بعض هذه القمم الإنسانية للهداية والقيادة عندما حان الوقت المناسب وتوافر الظرف الملائم واستعداد الناس للقبول وكان هذا البعض أعرف الناس بالناس وأصبرهم عليهم وأقواهم عقلا وبدنا علي ابلاغ رسالة الله عز وجل وانجاحها فنجحت بفضله سبحانه وكرمه‏.‏

هذا التقليد الذي نتحدث عنه ـ انتفاع ارادي أو غير إرادي وتعلم واستعمال لحواسنا ووعينا لما نشاهده أو نقابله أو نقرأه أو نسمعه أو نتصل به بشكل أو آخر وهو شيء طبيعي ومشروع مشروعية كاملة وواجب في حياة كل آدمي وهو خلاف الادعاء الكاذب الذي ينسب فيه الآدمي إلي نفسه علي سبيل الانتحال والمباهاة ـ رأيا أو فكرا أو فعلا أو تركا ـ يعلم أنه ليس صاحبه ولا فضل له فيه‏.‏

وتعليمنا كله في كل العصور لم يستغن عن هذه المحاكاة المشروعة وهي مبني كل تراث الإنسانية الذي يقوم علي تراكماته ـ التعلم والتعليم والنقل والحفظ والتدوين والتأليف‏..‏ ليقرأ الكل ويكرر ويعيد أي آدمي نفس الشيء ويتبني الكل نفس ما تبناه معه الألوف والملايين من أمثاله ذلك أن حياة الأفكار والمعنويات في انتشارها وذيوعها وموتها في انحصارها واحتكارها وعلي هذا الأصل وجد العلم والفن والفلسفة والدين والاخلاق وكل ما لدي الإنسان مما هو قيم باق‏.‏ وعلي هذا الأصل نفسه تعيش وتثري هذه القيم ويتطور معها النوع البشري إلي ما شاء الله له من التطور‏.‏ وليس معني هذا أن أبواب الابتكار والابداع مغلقة فالتقليد والمحاكاة لا يوقفان مهارة الماهر ولا ابتكاراته فيما يري ابتكاره فيما يمارسه من الأعمال والفنون والآداب‏.‏ ولا يحجران علي إبداع المبدع الذي يجاوز المهارة والاتقان ويجاوز الابتكار إلي دائرة الإبداع الذي إليه ثمرة ما قدمته قمم فذة في العلوم والآداب والفنون‏.‏

والإبداع البشري هو الاتيان فيما تعلم الإنسان مباشرته والتفكير فيه ـ بشيء لم يسبقه إليه سابق أو بشيء علي درجة عالية من التفوق لا يبلغها الناس حتي الماهرون منهم جدا‏.‏ ويستحيل محاكاتها علي من يحاول‏.‏ وهذا الإبداع يقتضي وجود ما يجوز اكتسابه بالتعلم أي بالتقليد والمحاكاة الإرادية وغير الإرادية‏.‏ فهو خلق من خلال مراحل التعلم والمحاكاة وليس خلقا من لا شيء أو من العدم‏.‏ ولا نسميه خلقا إلا من باب التجاوز أو التشبيه أو الكتابة لأن الخلق من العدم لا يصدر عن المخلوقات‏,‏ إنما يصدر من الخالق وحده تبارك وتعالي‏.‏

وهذه الخواطر التي شئت أن أطرحها عليك ليست ابتكارا ولا ابداعا وهي لاتعدو أن تكون استقراء وتواصلا مع محاولات مشابهة سبقت من آخرين ليس فيها أي ابداع وإنما هي محض رغبة في التنبيه إلي أمور تبدو جوهرية يساء إليها بدعاوي الاصالة والإبداع والكشف‏,‏ هذه الدعاوي المغرقة في الخيال والمبالغة والافراط في التشهي والمؤدية إلي مزيد من اللبس والبلبلة والعتامة في عالم اليوم الذي يعاني ما يعانيه‏,‏ ويكفيه ما يلاقيه من شجون‏!!‏

‏rattia@ragaiattia.Com


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~