جريدة الأهرام - ملفات الأهرام ـ مجلس الأمن‏..‏ في عهدة الأخ الأكبر

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

ملفات الأهرام

 
 

44762‏السنة 133-العدد2009يونيو26‏3 من رجب 1430 هـالجمعة

 

مجلس الأمن‏..‏ في عهدة الأخ الأكبر

كتب ‏-‏ عبد الله عبد السلام
شواهد عديدة تشير الي ان مجلس الأمن الذي بلغ عامه الرابع والستين‏,‏ أصبح بعد طول معاناة غير قادر علي مزاولة نشاطه باستقلالية وحيادية بعيدا عن سطوة الأخ الأكبر أي الولايات المتحدة‏,‏ ويبدو أن أعضاءه الذين يطلق عليهم مجلس ادارة العالم قد توصلوا ـ اضطرارا أو اعترافا بالأمر الواقع ـ الي اتفاق غير رسمي يسمح للعضو الدائم والأهم بأن يمارس سلطات وصلاحيات رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب‏.‏

ولذلك لم يكن غريبا‏,‏ انه عندما تصطدم دولة ما بعقوبات أو ادانات صادرة عن مجلس الأمن‏,‏ فإنها تتوجه بالانتقاد والهجوم مباشرة الي الولايات المتحدة باعتبار ان المجلس ـ حسب هذه الدول ـ مجرد اداة أمريكية‏...‏ وبالتالي فإن خلافها الحقيقي ليس في نيويورك ـ حيث مقر المجلس ـ بل في واشنطن حيث الادارة الأمريكية‏.‏

وفي هذا السياق‏,‏ يمكننا ان ندرك لماذا عمدت كوريا الشمالية‏,‏ في ردها قبل أيام علي قرار المجلس بتشديد العقوبات عليها بسبب تجربتها النووية‏,‏ الي تحذير واشنطن من ان أي محاولة لحصارها ستكون بمثابة اعلان حرب‏,‏ نفس الأمر فعلته ايران ودول اخري‏,‏ بشكل او بآخر‏,‏ من قبل عندما صدر بحقها قرارات دولية‏.‏

ورغم ان واشنطن تبدو دائما واثقة من قدرتها وأهليتها لقيادة العالم من خلال مجلس الأمن فإن اسلوب القيادة يختلف من ادارة الي اخري ومن مندوب امريكي في الأمم المتحدة الي آخر‏.‏

مادلين اولبرايت ـ علي سبيل المثال ـ عندما كانت مندوبة لامريكا في منتصف التسعينيات وضعت بغلظة خطا علي الرمال رافضة التجديد للدكتور بطرس غالي في امانة الامم المتحدة‏,‏ أما جون بولتون المندوب الجمهوري في المنظمة الدولية ما بعد‏11‏ سبتمبر‏2001‏ فقد كان يدير المنظمة كما لو كان راعي بقر يمسك سوطا ينهر أو ربما يجلد به من يقف ضد رغبات الأخ الأكبر‏,‏ ولم يكن الأمر يخلو ـ مع ذلك ـ من محاولات امريكية لاثبات القدرة علي التفاوض والمساومة والحلول الوسط‏,‏ كما في عهد كلينتون وكما تبشر به توجهات أوباما‏.‏

هكذا دار الزمن دورته ليصبح مجلس الأمن هيئة مختلفة الي حد كبير عما كان الآباء المؤسسون يتصورنه‏,‏ اذ تنص المادة‏24‏ من ميثاق الأمم المتحدة علي رغبة في ان يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعا وفعالا‏,‏ يعهد أعضاء تلك الهيئة الي مجلس الأمن التبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين‏,‏ ويوافقون علي ان هذا المجلس نائب عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات‏.‏

فهل نفذ المجلس ما جاء في الميثاق‏,‏ وهل في عمله أن يكون نائبا عن أعضاء منظمة الأمم المتحدة جميعا أم كان نائبا لعضو واحد في الغالب‏(‏ أمريكا‏)‏ أو عضوين أو ثلاثة أو خمسة علي أقصي تقدير‏(‏ الأعضاء الدائمون بالمجلس‏).‏

سيكون من الصعب إصدار أحكام أو تقييمات لعمل مؤسسة دولية تمثل عصب أو ربما جهاز المخ الذي يقود العالم دون الرجوع الي الدراسات التي تناولت مجلس الأمن ودوره والتحديات التي تواجهه‏,‏ وهي عديدة صدرت منذ نشأة المجلس ورافقته في نجاحاته واخفاقاته‏.‏

الا اننا سنتوف مليا عند أحدث دراسة قدمها الزميل الصحفي والباحث الجاد أحمد سيد أحمد في شكل رسالة حصل بها علي درجة الماجستير في العلوم السياسية بتقدير امتياز من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة‏,‏ وكان عنوانها‏:‏ التغير في النظام الدولي بعد الحرب الباردة ودور مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين‏.‏

وقد طرح الباحث سؤالا رئيسيا حاول الاجابة عليه‏,‏ وهو هل أدي التغير في النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي الي تفعيل دور مجلس الأمن أم علي العكس أدت الي تقليص دوره في حفظ السلم ولماذا؟

وللاجابة علي هذا السؤال الاشكالي‏,‏ استهل الباحث دراسته بالحديث عن دور مجلس الأمن في ظل نظام القطبية الثنائية‏(‏ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي‏)‏ في عصر الحرب الباردة‏(1945‏ ـ‏1989)‏ وخلص الي أن دور المجلس اصيب بالشلل نتيجة للاسراف في استخدام حق الفيتو من جانب الدول الكبري خاصة أمريكا والاتحاد السوفيتي في سياق الحرب الباردة بينهما والدفاع عن مصالحهما‏.‏

أما القرارات التي نجت من مقصلة الفيتو فإن عديدا منها لم يحظ ـ للأسف الشديد ـ بالفاعلية لعلاج الأزمات التي استهدفت القرارات حلها‏,‏ ومن أمثلة ذلك القرارات المتعلقة بالنزاع العربي ـ الإسرائيلي خاصة القرارين‏242‏ و‏338,‏ ونتيجة لذلك شهد العالم في زمن الحرب الباردة أكثر من مائة نزاع مسلح أو أزمة استخدمت فيها القوة العسكرية دون أن يتدخل مجلس الأمن في إنهاء سوي القليل للغاية منها‏.‏

وبانتهاء الحرب الباردة خرج مجلس الأمن مثخن الجراح يعاني فقدان مصداقية وعدم قدرة علي لعب دور حقيقي بل‏,‏ وفشل في الاستجابة لطموحات شعوب العالم بأن يكون ممثلا نزيها لدولهم وحكما عدلا في منازعاتهم‏,‏ كما تصوره مؤسسوه‏.‏ وتصاعدت الآمال في مفتتح التسعينيات بشأن اصلاح عيوب المجلس في ظل الحديث الذي تردد آنذاك عن نظام عالمي جديد‏.‏

لكن الدراسة تكشف لنا عن أن كل ذلك كان مجرد وهم وأضغاث أحلام‏,‏ ففترة مابعد الحرب الباردة جاءت بمشاكلها وأزماتها‏,‏ فقد هيمنت الولايات المتحدة علي النظام الدولي ولم تستطع القوي الاخري الصاعدة‏(‏ اليابان ـ الاتحاد الأوروبي ـ روسيا‏)‏ أن تتحداها أو حتي تشاركها القيادة‏,‏ ثم إن مصادر جديدة لتهديد السلم والأمن الدوليين قد ظهرت‏,‏ وبعد أن كانت الحروب التقليدية المصدر الأساسي للتهديد خلال الحرب الباردة‏,‏ اندلعت الحروب داخل الدول علي أسس عرقية أو اثنية أو لغوية أو دينية‏,‏ وفشل العالم ممثلا في مجلس الأمن في مواجهة غالبيتها‏,‏ كما زادت انتهاكات حقوق الانسان وظهر الارهاب الدولي ليقفز الي الصدارة في‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ وتغيرت كذلك أولويات النظام الدولي من صراع ايديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية الي صراع اقتصادي وكذلك مواجهة الارهاب الدولي‏.‏

وفي مواجهة تلك الأزمات‏,‏ جاءت استجابة مجلس الأمن ـ في طوره الجديد ـ من خلال‏4‏ أنماط تشير كلها الي أن اليد الأمريكية الثقيلة عليه زادت وطأة ونفوذا‏,‏ فالنمط الأول يقوم علي استبعاد المجلس من التدخل في عدد من الصراعات والأزمات أبرزها الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي أصبح وكالة حصرية لواشنطن‏,‏ والثاني يجري من خلاله إقحام المجلس في أزمات لا تدخل في اختصاصه لمجرد أن الغرب يريد ذلك مثل أزمة لوكيربي‏.‏

أما النمط الثالث فيسمح للمجلس بالتدخل بقدر معين لا يتعارض مع مصالح الدول الكبري ونموذج ذلك عمليات حفظ السلام‏,‏ ومن جانبه أضاف الباحث نمطا رابعا الي تلك الانماط المعروفة هو إضفاء الشرعية علي سياسات وممارسات أمريكا وتبرير غزوها ثم احتلالها لافغانستان والعراق علي سبيل المثال‏.‏ هذه اليد الأمريكية الثقيلة‏,‏ أدت الي تزايد نشاط المجلس‏,‏ فما تريده واشنطن يتحول بسرعة قياسية الي قرارات‏,‏ وتورد الدراسة احصاء مدهشا عن ماكينة القرارات التي لا تتوقف‏,‏ فعلي مدي‏45‏ عاما أي عمر الحرب الباردة أصدر المجلس‏678‏ قرارا فقط‏,‏ بينما منذ‏1991‏ حتي‏2007‏ أصدر‏1022‏ قرارا‏,‏ ومع هذا الافراط في القرارات تراجع استخدام الفيتو فمنذ‏1945‏ حتي‏2007‏ جري استخدام الفيتو‏261‏ مرة منها‏239‏ خلال الحرب الباردة و‏22‏ مرة فقط بعدها‏.‏

الظاهرة الملفتة للنظر أيضا‏,‏ هي توسع مجلس الأمن في استخدام الفصل السابع الذي يتضمن استخدام العقوبات الالزامية واللجوء الي القوة العسكرية‏,‏ وخلال‏15‏ عاما منذ نهاية الحرب الباردة‏,‏ صدرت‏25%‏ من القرارات طبقا للفصل السابع‏.‏

هكذا تحول مجلس الأمن الي حالة مرضية تستدعي العلاج أو ما اصطلح علي تسميته بالاصلاح‏,‏ وشهدنا مبادرات عديدة رسمية وغير رسمية لتوسيع العضوية وتعديل نظام الفيتو‏.‏ وبرغم ان الباحث يشير الي ظروف موضوعية تشكل في مجملها إرهاصات نظام دولي جديد يمكن أن يدفع باتجاه الاصلاح مثل تصاعد دور روسيا والأزمة المالية العالمية وفشل مشروع المحافظين الجدد وتولي أوباما الرئاسة إلا أنني أعتقد أن كل ذلك ربما كان ارهاصات كاذبة لن تقود الي اصلاح حقيقي لمجلس الأمن‏.‏

فلماذا يغير الأخ الأكبر رأيه ويقتنع بتوسيع صلاحيات المجلس وتقليل دوره إذا كان يحقق مايريد دون كبير عناء‏,‏ وفي وقت يتمسك الأعضاء الدائمون الاخرون بمقاعدهم رافضين مشاركة آخرين لهم؟ مجلس الأمن بشكله الحالي مرتبط باستمرار هيمنة الأخ الأكبر علي مقاليد النظام الدولي وهي هيمنة لا يبدو في الأفق أنها بسبيلها الي التلاشي أو حتي التضاؤل‏.‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~