جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ عندما تتصادم الأسواق بقلم: د‏.‏ حازم الببلاوي

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44701‏السنة 133-العدد2009ابريل26‏30 من ربيع الاخر 1430 هـالأحد

 

عندما تتصادم الأسواق
بقلم: د‏.‏ حازم الببلاوي

عنوان هذه المقالة مأخوذ من عنوان لكتاب جديد لمحمد العريان‏,‏ وهو كتاب نزل إلي الأسواق منذ فترة وجيزة وأصبح أحد أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة‏.‏ ومحمد العريان هو‏,‏ ربما‏,‏ أشهر وألمع الاقتصاديين المصريين والعرب علي المستوي العالمي‏,‏ ويتمتع محمد العريان بسجل مبهر من الانجازات علي المستويين الأكاديمي والمهني‏..‏ فبعد أن تخرج بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد في جامعة كمبردج حصل علي الدكتوراه من جامعة أكسفورد ثم عمل في صندوق النقد الدولي‏,‏ حيث تولي منصب مدير إدارة الشرق الأوسط كأصغر من يشغل هذا المنصب‏,‏ وفي عام‏1997‏ ترك المؤسسة الدولية ليعمل في أحد أهم بنوك الاستثمار في لندن قبل أن ينتقل رئيسا تنفيذيا لأحد أكبر صناديق الاستثمار في العالم‏(‏ بمكو‏)‏ المتخصصة في الاستثمار في الاقتصاديات الناشئة‏,‏ وبرغم أن الكتاب قد انتهي إعداده في يناير‏2008‏ وقبل أن تتفجر الأزمة المالية بصورة علنية‏,‏ فإن المؤلف ـ ومن خلال معايشته للأسواق المالية وما أظهرته من مقدمات لهذه الأزمة ـ تعرض بشكل مباشر لمختلف مظاهرها‏,‏ وبذلك فإن الكتاب يعتبر أهم ما صدر حتي الآن عن الأزمة‏.‏

وكما ينبئ عنوان الكتاب‏,‏ فإنه يتحدث عن التصادم بين أسواق الأمس وأسواق الغد‏,‏ فرسالة الكتاب هي أن الاقتصاد العالمي المعاصر قد تغيرت معالمه بشكل جوهري‏,‏ في حين أن اللاعبين وكذا المؤسسات المالية القائمة والأدوات المستخدمة فضلا عن السياسات المطبقة‏,‏ مازالت تنتمي إلي عصر مضي وانقضي‏,‏ فنحن إزاء قوي اقتصادية جديدة‏,‏ ولكننا نتعامل معها بأدوات قديمة صممت لظروف اقتصادية مختلفة‏.‏ ومن هنا مظاهر القلق والاختلال أو حتي الفوضي‏,‏ فمازلنا نتعامل مع ظروف جديدة بردود فعل مستمدة من واقع قديم انتهي أو بسبيله للانتهاء‏,‏ فنحن كمن يعالج مرضا جديدا وغريبا بأدوية قديمة صممت لأمراض مختلفة‏,‏ ومن ثم فليس من الغريب أن نشاهد ظواهر شاذة وغير متوقعة‏,‏ وهذا ما أطلق عليه محمد العريان الصخب‏Noisc,‏ وهو ما نراه من مظاهر متعارضة ومتناقضة يصعب تفسيرها‏.‏ فالصخب الذي نشاهده الآن في الأسواق هو دليل علي تغير الظروف والحيرة أمام ظواهر جديدة غير مألوفة‏,‏ وإذا كان هذا الصخب هو نتيجة للتناقض أو التعارض بين المرض الظاهر والعلاج المستخدم‏,‏ فلا غرابة‏,‏ كما لاحظ جرينسبان مثلا في‏2005,‏ أن أسعار الفائدة علي السندات طويلة الأجل تنخفض في الوقت الذي يرفع فيه بنك الاحتياطي الأمريكي أسعار الفائدة قصيرة الأجل‏,‏ أو أن أسعار الأسهم في السوق الأمريكية تأخذ مسارا مختلفا عن مسار أسعار السندات‏,‏ أو أن تستمر موازين مدفوعات الدول النامية محققة للفوائض رغم الأزمات المالية للدول الصناعية‏.‏ ويري محمد العريان أن ما نراه من صخب وتناقض في الظواهر ينبغي ألا يمنعنا من محاولة استخلاص بعض المؤشرات العامة والتي يمكن أن تساعدنا علي فهم أسواق المستقبل‏,‏ وهو يري أن هناك علي الأقل‏,‏ ثلاثة عناصر جديدة تعبر عن أسواق الغد‏,‏ وهي‏:‏

*‏ لم يعد الاقتصاد الأمريكي أو الاقتصادات الصناعية الغربية بصفة عامة‏,‏ هي اللاعب الوحيد والمؤثر في الاقتصاد العالمي‏,‏ فالاقتصادات الناشئة في الصين والهند وجنوب شرق آسيا والعديد من الدول الصناعية الناشئة قد أصبحت هي الأخري لاعبا مؤثرا‏,‏ وأنها بدورها سوف تلعب دورا أكثر تأثيرا مع زيادة أحجام أسواقها الوطنية‏.‏ أصبحت الفوائض المالية الهائلة أو ما أطلق عليه صناديق الثروة‏,‏ وهي المملوكة للدولة‏,‏ في الصين وفي دول الخليج وسنغافورة وغيرها من دول الفائض‏,‏ أصبحت عنصرا رئيسيا في الاقتصاد العالمي‏,‏ وبرغم نظرة الارتياب حولها‏,‏ فقد لعبت هذه الصناديق دورا إيجابيا في دعم الاستقرار المالي الدولي‏,‏ وهو يعتقد أنها مؤهلة للعب دور أكبر في المستقبل‏.‏

*‏ الأدوات المالية الجديدة والمتطورة‏.‏ فبرغم أن أحد أسباب الأزمة المالية يرجع إلي ما عرفته بعض أشكال هذه الأدوات المالية‏(‏ خاصة المشتقات‏)‏ من تجاوزات‏,‏ فإن المستقبل ـ في رأي الدكتور العريان ـ هو لمزيد من دور هذه الأدوات بعد خضوعها لدرجات أكبر من الإشراف والرقابة‏,‏ ذلك أن تطوير هذه الأدوات ضمن منظومة أكثر كفاءة سوف يساعد علي مزيد من الاندماج المالي العالمي‏.‏

ولا يكتفي محمد العريان بتشخيص الأزمة ـ نظام قديم يتراجع ونظام جديد يتأكد ـ بل إنه يقدم خطة عمل للإسراع في زيادة القدرة علي التعايش مع متطلبات نظام المستقبل‏,‏ ويقدم وصفة لضمان سلوك المستثمرين بما يتفق مع حقائق المستقبل‏,‏ كما يري دورا أكثر أهمية للسياسات الاقتصادية الوطنية وللمؤسسات المالية الدولية‏,‏ وأخيرا يقدم توصيات للارتقاء بأساليب إدارة المخاطر عند التعامل مع الأسواق المالية‏.‏ وليس من السهل تقديم عرض كامل لما أورده الكتاب في معالجته لهذه الأمور في هذا الحيز المحدود‏,‏ ولكن الكتاب يتضمن عرضا شيقا ومفيدا لمعرفة خبايا تعامل الأسواق المالية‏,‏ كما ينطوي علي العديد من الملاحظات الذكية والحكيمة بصدد العديد من الممارسات في هذه الأسواق‏.‏

ومع ذلك فيبدو لي أن محمد العريان قد عكس في هذا الكتاب بدرجة أكبر تجربته خلال السنوات العشر الأخيرة كأحد أهم اللاعبين ـ علي المستوي العالمي ـ في إدارة المحافظ المالية‏,‏ وذلك ربما علي حساب ما اكتسبه من تجربته السابقة في المؤسسات المالية الدولية‏(‏ صندوق النقد الدولي‏),‏ ومن هنا جاء الكتاب غزيرا ومثمنا في التوصيات حول دور المستثمرين من القطاع الخاص ـ أصيل أو وكيل ـ أو مديري الاستثمار‏,‏ كما لا يقل العرض ثراء فيما يتعلق بقضايا إدارة المخاطر‏,‏ ولكن العرض جاء نحيفا ومبتسرا ـ إلي حد كبير ـ فيما يتعلق بالسياسات الحكومية وبوجه خاص دور المؤسسات المالية الدولية‏,‏ فلم أجد أي إشارة كافية لنظام النقد الدولي الحالي القائم علي الدولار‏,‏ ومدي ملاءمته لأسواق الغد‏,‏ وآثار ذلك علي الاستقرار المالي‏.‏ حقا لقد تعرض الكتاب لظاهرة الفوائض المالية أو صناديق السيادة‏,‏ وهي ظاهرة جعلت من الصين ودول الفوائض النفطية لاعبا مهما وجديدا علي الساحة المالية العالمية‏,‏ ولكن أليس الحديث عن تزايد ظاهرة الفوائض هو حديث عن تزايد الاختلالات في موازين المدفوعات‏,‏ واستمرارها؟‏..‏ وهل كانت هذه الفوائض تقوم دون عجوزات مقابلة؟‏..‏ وأليست دولة العجز الأكبر هي الولايات المتحدة؟‏..‏ ومعروف أن العجز الخارجي للولايات المتحدة لا يرجع إلي ضعف أو عجز في اقتصادها المحلي‏,‏ بقدر ما يرجع إلي قيام الدولار بدور عملة الاحتياطي الأساسي‏.‏ وقد سبق أن أثار موضوع نظام النقد الدولي جدلا طويلا في الأدب الاقتصادي حول مدي ملاءمة استخدام عملة وطنية‏(‏ الدولار‏)‏ كعملة للتعامل الدولي‏..‏ فهل مازال باب المناقشة مفتوحا؟

والسؤال هو‏:‏ هل اقتصاد المستقبل الذي يتحدث عنه كتاب الدكتور العريان يتطلب أيضا الاستمرار في استخدام عملة وطنية كأساس لنظام النقد الدولي؟

وفي مقالي السابق في هذه الجريدة منذ أسبوعين‏,‏ نوهت بما أشار إليه كينز في أربعينيات القرن الماضي من الدعوة إلي إقامة نظام نقد دولي علي أساس عملة دولية‏(‏ البانكور‏).‏ فهل هذا وارد؟‏..‏ وهل هو ممكن؟

لقد أدي استخدام الدولار في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي إلي بزوغ ظاهرة اليورو دولار‏,‏ وكانت هي أولي الأسواق النقدية العالمية غير المنضبطة وغير الخاضعة للرقابة والإشراف‏,‏ مما أدخل عنصرا للقلق والاضطراب في الأسواق المالية‏..‏ والآن نتحدث عن الفوائض المالية وصناديق الثروة‏..‏ وهنا يحق لنا التساؤل عما إذا كان من الممكن أن تظهر الفوائض المالية وصناديق السيادة بهذا الحجم دون عجز مقابل في الميزان الأمريكي؟‏..‏ وهل كان من الممكن أن يستمر هذا العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي فيما لو تخلي العالم عن الدولار؟‏..‏ أليس استخدام الدولار دعوة لنشوء العجز في الميزان الأمريكي‏,‏ وبالتالي الفوائض عند الآخرين؟ يتضمن نظام النقد الدولي الحالي مفارقة مهمة‏,‏ وهي أن عملة التعامل الدولي هي في الوقت نفسه عملة وطنية‏(‏ الدولار‏),‏ مما يترتب عليه‏,‏ علي الأقل‏,‏ أمران مثيران للقلق‏:‏ الأول هو احتمال التعارض بين المصالح الوطنية لدولة العملة الدولية‏(‏ الدولار‏),‏ وبين مصالح المجتمع الدولي‏.‏ وقد أثبتت التجربة أن السياسة النقدية الأمريكية تغلب في معظم مثل هذه الأحوال مصالحها الوطنية‏.‏

أما الأمر الثاني‏,‏ فهو أن قيام الدولار بدور العملة الدولية يشجع الولايات المتحدة علي التهاون في معالجة العجز الخارجي‏,‏ الأمر الذي يعني مزيدا من الاختلالات في الأسواق المالية العالمية‏..‏ فهل كل هذا مازال مطلوبا لـ أسواق الغد؟

بطبيعة الأحوال لم يحتل الدولار مكانته الحالية نتيجة للمصادفة‏,‏ وإنما حدث ذلك نتيجة لتطور احتياجات المعاملات الدولية إليه‏,‏ وبالتالي فإنه من المستحيل أن يختفي الدولار بين يوم وليلة‏,‏ وسوف يحتاج الأمر إلي سنوات وسنوات‏,‏ والأهم من ذلك أنه لابد من التفكير في بديل‏,‏ والتوافق عليه‏,‏ فالعالم يحتاج ـ ولاشك ـ إلي عملة دولية‏,‏ فهل آن أوان التفكير ـ مجرد التفكير ـ فيما إذا كان هذا ممكنا‏,‏ وكيف نخطط للوصول إلي هذا الهدف بهدوء ودون تكلفة عالية؟‏..‏ وكيف سيكون شكل المؤسسات النقدية الدولية حينذاك؟‏..‏ أسئلة مهمة لم يتعرض لها كتاب محمد العريان‏..‏ ولكن ما تضمنه الكتاب من معلومات في الجوانب الأخري للأسواق المالية يمثل وجبة دسمة‏..‏ وهذا يكفي‏.‏

‏www.hazembeblawi.com‏


تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~