جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ نزلة السمان‏..‏ حجر فوق صدر الهرم بقلم : د‏.‏ زاهي حواس

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44896‏السنة 133-العدد2009نوفمبر7‏19 من ذى القعدة 1430 هـالسبت

 

نزلة السمان‏..‏ حجر فوق صدر الهرم
بقلم : د‏.‏ زاهي حواس

من يتصور تحت أي منطق أن نعامل آثارنا العظيمة‏..‏ بهذا الشكل المزري‏..‏ وأن نترك نزلة السمان جاثمة حتي الآن فوق صدر أغلي ما نملكه من آثار‏..‏ وهل هناك أغلي من الأهرامات إحدي عجائب الدنيا السبع التي مازالت باقية حتي الآن‏..‏ لكي تحجب عنها الشمس والنور والحياة؟

نزلة السمان‏..‏ لكم سعدت باهتمام الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء بتطوير نزلة السمان‏,‏ لأنها تستقبل السائحين قبل دخولهم إلي الأهرامات‏,‏ ولا يمكن لأحد أن يصمت وأن يغض الطرف‏..‏ ولا يتحدث عن هذا التلوث البصري الموجود بنزلة السمان من مبان شاهقة أمام أبو الهول‏,‏ ومنازل ذات ألوان لا تليق بطبيعة المنطقة الأثرية‏,‏ وشوارع تملؤها مخلفات الخيول والحمير‏..!‏

وأنا لا أزال أذكر زيارة الرئيس مبارك لمنطقة الهرم‏,‏ وبمجرد هبوط طائرته في أرض المهبط المجاور لاستراحة كبار الزوار‏,‏ سألني مندهشا كيف تركتم هذه العشوائيات المجاورة للهرم؟ وقد كان أغلبها قد حدث في عام‏1987,‏ وكان عمر عبدالآخر محافظا للجيزة في ذلك الوقت‏,‏ ومنع البناء في المنطقة‏(‏ أ‏),‏ وهي المنطقة التي يوجد بها الطريق الصاعد ومعبد الوادي لهرم الملك خوفو‏,‏ بالإضافة إلي المدينة الهرمية التي كان يعيش فيها الكهنة الذين كانوا يقومون بطقوس إحياء عقيدة الملك‏,‏ بالإضافة إلي منطقة الميناء الذي كان يربط بين نهر النيل ومنطقة الأهرامات‏.‏ وقد ساعد قرار منع البناء علي عدم زيادة المباني‏,‏ ولكن ما حدث من بناء قري شرق أبو الهول‏,‏ وأخري غرب الأهرامات جعل المنطقة تختنق تماما‏,‏ بل يمكن رؤية مدي بشاعة هذه القري من أعلي هضبة الأهرامات والمساكن لا تبعد سوي‏15‏ مترا فقط عن أبو الهول‏..‏

وبصدق فإن قرار رئيس الوزراء بتطوير نزلة السمان جاء في وقته تماما‏,‏ ويتم حاليا بالتنسيق مع محافظة الجيزة لتسجيل عدد المنازل المجاورة لسن العجوزة‏,‏ وتقدير التعويضات اللازمة للأهالي قبل نقل هذا الجزء الملاصق لمقابر الجبانة الشرقية إلي مكان آخر‏,‏ واستعادة جزء صغير من حرم المنطقة الأثرية‏..‏

وللتذكرة فقد كان مقالي السابق عن تاريخ نزلة السمان خلال عصر الدولة القديمة‏.‏ أما في الدولة الوسطي فلا توجد لدينا أدلة أثرية علي نشاط معماري في منطقة أهرامات الجيزة خلال هذا العصر علي عكس عصر الدولة الحديثة حينما صارت منطقة الأهرامات بما تضم منطقة الطريق الصاعد ومعبد الوادي للملك خوفو تسمي بر أوزير نب راستاو في اللغة المصرية القديمة وتعني منزل الإله أوزير سيد رستاو‏.‏

وفي عهد الملك أمنحتب الثاني ابن الملك العظيم تحتمس الثالث الملقب بـنابليون العصر القديم حضرت مجموعة من الكنعانيين واستوطنوا المنطقة التي تقع مباشرة أسفل الجبانة الشرقية‏,‏ وعليها تقوم الآن منازل نزلة السمان‏,‏ وكان هؤلاء الكنعانيون يعبدون الإله حورون‏,‏ بل أطلقوا علي تمثال أبو الهول اسم الإله الكنعاني حورون‏,‏ وذلك نحو سنة‏1550‏ قبل الميلاد‏,‏ وقد اشتق اسم الحرانية من اسم حورون ـ الإله الكنعاني‏..‏

وعندما جاء المؤرخ الروماني بلليني الأكبر إلي مصر في القرن الأول الميلادي‏,‏ أشار إلي أن أهالي قرية بوزيريس التي تقع أسفل الأهرامات يقومون بتسلق هرم الملك خوفو‏.‏ وهذه القرية بوزيريس اشتق اسمها من الاسم المصري القديم بر أوزير أي‏(‏ بيت أو منزل أوزير‏),‏ وهناك أكثر من مدينة مصرية حملت هذا الاسم حيث تذكر الأسطورة أن ست عندما قام بتقطيع جسد أخيه أوزير ألقي بكل جزء في مكان مختلف‏,‏ وقد سميت هذه الأماكن جميعا بـأوزير وعددها أربعة عشر مكانا‏,‏ وقد تحرف الاسم إلي الاسم الحالي أبو صير‏..‏

ومدينة بر أوزير بالجيزة للعلم هي مدينة نزلة السمان الحالية‏,‏ التي اعتمد من يعيشون فيها علي الأهرامات كمصدر أساسي لرزقهم‏..‏ وبعد ذلك ومنذ أكثر من مائتي عام أطلق علي المنطقة اسم المنطقة السوداء وتغير بعد ذلك إلي اسم المنطقة الخضراء‏..‏ وتم تقسيم المنطقة إلي قري صغيرة أخذت أسماء كبار العائلات مثل نزلة البطران‏,‏ واشتق اسم نزلة السمان من اسم الشيخ السمان الذي كان يقيم في هذه المنطقة‏,‏ واتخذ من مقبرة دبحن بيتا له ومكانا للاعتكاف والتعبد‏.‏ وقد ظل أهل نزلة السمان يقيمون حلقات الذكر داخل مقبرة دبحن كل يوم جمعة تبركا بالشيخ الطيب‏..‏

وقد حاول العديد من رؤساء منطقة الهرم غلق هذه المقبرة‏,‏ ولكن قيل إن للشيخ السمان معجزات وكرامات‏,‏ وإن من حاول غلق مقبرة دبحن تعرض للعديد من الحوادث‏.‏ وعندما عينت مفتشا لآثار الأهرام منذ سنوات عديدة‏,‏ لم أتردد لحظة واحدة في غلق مقبرة دبحن‏,‏ الذي ترك علي جدران مقبرته نصا رائعا هو جزء من سيرته الذاتية يخبرنا فيه بأنه قابل الملك منكاورع في أثناء مروره بالجيزة ليتفقد هرمه‏,‏ وطلب منه دبحن أن يسمح له ببناء مقبرته بجوار الهرم ووافق الملك‏,‏ بل أمر بأن يقوم المهندس الملكي بإحضار ما يلزم من الأحجار من محاجر طرة‏,‏ وأمر له بتابوت حجري‏.‏ وعندما أغلقت المقبرة أمام حلقات الذكر لم تحدث أي معجزات أو حوادث مما كان الأهالي يتناقلونها فيما بينهم لسنوات طويلة‏.‏

وهناك أيضا الوجه الآخر بنزلة السمان من تجارة في الآثار‏,‏ ومحاولات الهجوم ليلا علي الاستراحة الكبيرة الموجودة بالهضبة التي كانت مستعملة كمخازن للآثار وبها مئات الصناديق الكبيرة الممتلئة بالآثار‏.‏

وما من يوم يمر إلا وهناك شكاوي من أجانب تعرضوا للنصب وأحيانا السرقة علي يد فئة لم تترب علي التقاليد المتوارثة في نزلة السمان‏,‏ وهؤلاء يسيئون إلي مصر وإلي أعظم منطقة أثرية في العالم كله‏,‏ تجعل من يأتي مرة لزيارتها يفكر ألف مرة قبل أن يأتي مرة أخري‏!‏

هناك قصص كثيرة ومشكلات عديدة سببها وجود هذه القرية جاثمة علي المنطقة الأثرية‏,‏ ونجد اليوم البعض يهاجم مشروع التطوير علي أساس أنه سيتسبب في قطع أرزاق الكثير من عائلات النزلة‏,‏ علي الرغم من أن جميع السائحين وزوار المنطقة الأثرية سيدخلون الأهرامات من مدخل طريق الفيوم‏,‏ حيث أعد مكان خاص لعربات السياحة أمام المكان المخصص للجمالة والخيالة ومحلات بيع الهدايا التذكارية‏,‏ وقد اختيرت هذه المنطقة بعد دراسات وافية لكي نحافظ علي هيبة المنطقة الأثرية وإزالة كل مظاهر التلوث بها‏.‏

الأمر المؤكد أننا لا يمكن أن نفكر في إيقاع الضرر علي أهالي نزلة السمان‏..‏ ولكن في الوقت نفسه لن نسمح بوقوع ما يضر بالأهرامات أو المقابر المحيطة بها ومشروع تطوير هضبة الأهرامات‏,‏ وتطوير نزلة السمان هدفه الحفاظ علي أهم وأغلي ما نملك من تراث حضاري وتوفير مكان يليق بسكن الآدميين‏..‏



تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~