جريدة الأهرام - قضايا و اراء ـ مطاردة المومياوات الذهبية‏..‏ في الواحات البحرية‏!‏ بقلم : د‏.‏ زاهي حواس

الصفحة الأولى

مصر

محافظات

الوطن العربى

العالم

تقارير المراسلين

تحقيقات

قضايا وآراء

إقتصاد

الرياضة

دنيا الثقافة

المرأة والطفل

يوم جديد

الكتاب

الأعمدة

ملفات الأهرام

ملفات دولية

لغة العصر

شباب وتعليم

شركاء من الحياة

طب وعلوم

دنيا الكريكاتير

بريد الأهرام

الأخيرة

قضايا و اراء

 
 

44910‏السنة 133-العدد2009نوفمبر21‏4 من ذى الحجة 1430 هـالسبت

 

مطاردة المومياوات الذهبية‏..‏ في الواحات البحرية‏!‏
بقلم : د‏.‏ زاهي حواس

عندما بدأت أعمال الحفائر الأثرية بالواحات البحرية وقمت بالكشف عن مقابر وادي المومياوات الذهبية‏,‏ اهتز العالم كله وقتها لأخبار الكشف عن المومياوات المغطاة بالذهب وتسابقت الصحف ومحطات التليفزيون العالمية لنقل أخبار الكشف الأثري الكبير عن وادي المومياوات الذهبية والحصول علي صور المومياوات المذهبة‏.‏ وأطلقت الصحافة العالمية علي هذا الكشف اسم توت عنخ آمون العصر اليوناني الروماني‏,‏ واحتلت صور المومياوات المغطاة بالذهب والمرسوم عليها مناطق الآلهة المتصلة بالعالم الآخر أغلفة المجلات والصفحات الأولي من الصحف العالمية‏.‏

علي الرغم من هذه المقدمة المفعمة بالفخر التي تؤكد مدي اعتزازي بهذا الكشف المهم‏..‏ إلا أنه وللحقيقة فإنني أحيانا اعتبره أحد الأخطاء التي تسببت بشكل أو بآخر بتغيير نمط الحياة العامة في الواحات البحرية كلها‏..‏

والقصة أن الواحات البحرية قبل هذا الكشف كان يوجد بها فندقان فقط ويزورها عدد محدود من السائحين كل عام‏,‏ وبعد الكشف وتسليط وسائل الإعلام المختلفة الضوء عليها تغيرت الواحات البحرية تماما وصار بها العديدمن الفنادق بمختلف درجاتها‏,‏ وبدأت أعداد السائحين تتضاعف عاما بعد آخر وصارت جنة الواحات متاحة لكل إنسان‏,‏ وأخذت المباني تأخذ طرزا مختلفة عن الطراز الواحاتي الأصيل وهو ما جعلني أحس بالأسي‏,‏ وزاد الأمر بعدما بدأت أشعر أن عادات أهل الواحات الجميلة بدأت تتغير وأخشي أن يأتي يوم لا نستطيع فيه أن نفرق بين الواحاتيين والقاهريين ويختفي تراث وعادات ظلت حية لآلاف السنين‏.‏

ولعل من قصص الاكتشافات المثيرة في الواحات البحرية‏..‏ أتذكر يوم أن وجدت عشري شاكر مدير آثار الواحات في ذلك الوقت يأتي الي وبصحبته شابين يبلغانني بوجود مقابر أسفل منازل منطقة سوبي نسبة الي ضريح الشيخ سوبي الموجود بها‏,‏ وتقع المنازل علي هضبة صخرية عالية‏,‏ وبعدما قمنا باستكشاف المنطقة عثرنا علي المقابر الثلاث الجميلة التي كان أحمد فخري قد كشف عنها منذ أكثر من سبعين عاما وبعد تركه للواحات اختفت معالم المنطقة وجاء الناس وبنوا منازلهم أعلي المقابر ولم يستطع أحد أن يحدد مكان وجود هذه المقابر‏.‏

والي جانب هذه المقابر الثلاث عثرنا علي مقابر أخري لم يتحدث عنها أحمد فخري من قبل‏,‏ وبعدما قمنا بالنزول الي نفق أرضي بعمق أكثر من‏12‏ مترا وجدنا العديد من المقابر الملونة التي تؤرخ بعصر الأسرة‏26‏ المعروفة باسم العصر الصاوي‏(664‏ ـ‏525‏ ق‏.‏م‏)..‏ وتزداد قمة الإثارة بعدما وجدنا جدارا من الحجر قمنا بإزالة جزء منه وعمل فتحة صغيرة نظرت من خلالها لتقع عيني علي أشياء رائعة‏,‏ وهي نفس العبارة التي نطق بها هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون في‏1922,‏ عندما سأله لورد كارنانفون عما يري وكان كارتر قد قام بعمل فتحة صغيرة في الجدار وأخذ ينظر منها الي داخل مقبرة الفرعون الذهبي‏..‏

أما عن الذي رأيته وأنا أنظر من خلال فتحة الجدار فقد كانت حجرة دفن يتوسطها تابوت ضخم من الحجر الجيري وعليه نقوش جميلة تستطيع أن تراها علي ضوء الشمعة التي كانت معي‏,‏ وبعد أن دخلنا الي هذه الحجرة وجدنا أن غطاء التابوت يزن أكثر من‏22‏ طنا‏,‏ وبدأنا في رفع غطاء التابوت أن قمنا باستدعاء الريس طلال وأخيه أحمد الكريتي من العائلة الشهيرة بخبراتها في نقل الآثار الضخمة وفتح التوابيت والمقابر باستخدام الطرق القديمة مثل الفراعنة تماما‏..‏ ويعتمدون في عملهم علي أدوات بسيطة للغاية من الحبال والباراطيم الخشبية والاسطوانات الحديدية‏,‏ وكذلك أداة هيدروليكية يسمونها العفويتة‏,‏ وقد نجح أفراد هذه الأسرة من رؤساء الحفائر في فتح ونقل توابيت ضخمة داخل مقابر الفراعنة‏,‏ منها تابوت إيوف عا موظف القصر في عصر الأسرة‏26,‏ والذي كشفت البعثة التشيكية عنه في منطقة أبوصير بالقرب من أهرامات الجيزة‏,‏ وكذلك عمل الأخوين طلال وأحمد معي في حفائر سقارة وقمنا بفتح تابوت الملكة سششت أم الملك تتي أول ملوك الأسرة السادسة‏.‏

وبعدما قمنا بفتح التابوت الذي استطعنا من خلال النقوش المكتوبة عليه أن نحدد اسم صاحبه وهو جد خنسو ايوف عنخ حاكم الواحات البحرية في عصر الملك أحمس الثاني أمازيس عثرنا علي تابوت ثان من الألباستر المصري وبفتحه وجدنا بقايا مومياء حاكم الواحات وحوله العديد من التمائم الدينية من الذهب والأحجار الكريمة‏.‏

وباستكمال أعمال الكشف عن هذه المقبرة‏,‏ عثرنا علي سرداب آخر يؤدي الي مقبرة زوجة حاكم الواحات البحرية‏,‏ وعند فتح التابوت الخاص بها عثرنا علي بقايا المومياء وعليها نحو مائة قطعة ذهبية من تمائم ترمز لآلهة وربات حماية‏..‏ وبجوار التابوت وجدنا أكثر من مائتي تمثال صغير من الفيانس الأزرق تسمي‏(‏ تمثال الشوابتي‏)‏ أو‏(‏ تماثيل المجيبين‏),‏ وكان دورها هي أن تعمل في حقول العالم الآخر بدلا من المتوفي‏,‏ وقد سجل علي هذه التماثيل اسم زوجة حاكم الواحات ناعسة وهو الاسم الذي لايزال شائعا الي الآن‏.‏

بعد هذا الكشف‏,‏ كان يجب علينا استرداد المنطقة مرة أخري من الأهالي لصونها وحمايتها‏,‏ خاصة أن الجميع بدأ يتحدث عن وجود آثار وكنوز دفينة أسفل منازلهم والتي بنوها دون وجه حق في هذه المنطقة‏,‏ وقد قمنا بإزالة عشرات المنازل بعد تعويض أصحابها بمنازل بديلة‏,‏ وبدأنا في استكمال أعمال الكشف التي كان راهب الصحراء الدكتور أحمد فخري قد بدأ في البحث عنها‏,‏ وحاليا يقوم تفتيش آثار الواحات باستكمال العمل علي إزالة المنازل واكتشاف المنطقة الأثرية التي تقع أسفلها ويرأس فريق العمل الأثري سامي شريعي مدير عام آثار الواحات البحرية وأحد أبناء الواحات‏,‏ وقد استطاع اقناع الأهالي بترك منازلهم بعد تعويضهم قطع أراض بديلة‏.‏

وفي الواحات منطقة تعرف باسم القصر‏,‏ وللأسف تمكن بعض الأهالي من استعمال مقصورة أثرية لحاكم الواحات البحرية جد ـ خنسو كحجرة معيشة وظلوا علي هذا الحال سنوات طويلة حتي استطاع الأثريون إزالة هذا المنزل والكشف عن المقصورة‏.‏

أما عن المنطقة الأولي ـ منطقة الشيخ سوبي ـ فبعد ازالة عدد من المنازل قمنا بالكشف عن بئر للدفن تؤدي الي مقبرتين أثريتين‏..‏ وعندما نزلت بالحبال الي داخل المقبرة الأولي التي تقع أسفل سطح الأرض بنحو ثمانية أمتار‏..‏ وجدت أن المقبرة تتكون من حجرتين إحداهما الي الناحية الغربية والأخري الي الناحية الشرقية‏..‏ وداخل الحجرة الغربية عثرنا علي ثلاثة توابيت من الحجر الجيري منها تابوت مغلق تماما أي لم يفتح منذ نحو‏2500‏ عام‏,‏ وقد قام المصريون القدماء بغلق جوانب التابوت بمونة الجص لكي لا يتسرب الهواء الي داخل التابوت‏,‏ وأخذ العمال يغنون وهم يقومون بفتح التابوت وأنا جالس بجواره أقوم بتوجيههم لفتحه دون تدميره علي الرغم من أنهم مدربون علي مستوي عال ولهم خبرة طويلة في هذا المجال‏.‏

وتأتي لحظة انتظار فتح تابوت مغلق وما يمكن أن يوجد بداخله كأحد أهم لحظات الأثري وأكثرها إثارة في حياته‏,‏ ولايمكن أن يصفها بكلمات‏..‏ وفتح التابوت وكان بداخله مومياء رائعة تأخذ شكل مومياوات العصر الصاوي ومغطاة بطبقة من الراتنج الأسود‏..‏ وعندما قمنا بفحص المومياء وجدنا بداخل اللفائف تمائم كثيرة وضعها الفراعنة لكي تحمي المتوفي في العالم الآخر‏.‏

بعدها توجهنا الي الحجرة الشرقية ووجدت بها تابوتين يبدو أنه قد تم فتحهما من قبل لعدم وجود طبقة المونة في موضعها حول صندوق التابوت وغطائه مما يدل علي أن هذه المقبرة قد دخلها اللصوص من قبل‏,‏ وبالفعل قمنا بفتح أحد التابوتين لنجد مومياء مثل الأولي تماما‏.‏

وبينما أنا أحاول الخروج من المقبرة وجدت بالمصادفة فتحة مغلقة بدبش الأحجار‏,‏ وعندما كنت أزحف للخروج من البئر اصطدمت يدي بهذه السدة لتنهار وخلفها أجد مومياء رائعة بدون تابوت ووجدت نفسي ابتسم وأقول انني أبدو كما لو كنت أطارد المومياوات‏..‏

لم أدخل بعد الي المقبرة الثانية واتفقت مع فريق العمل علي أن ينتظروا لحين إزالة بعض المنازل لكي يتم حفر الموقع كله‏..‏ أما عن سر ثراء أهل الواحات البحرية في العصور الفرعونية الذي جعلهم يملكون المال ويغطون مومياواتهم بالذهب هو أنهم كانوا يتاجرون في صناعة النبيذ الفاخر وكان نبيذ الواحات البحرية مما يتمناه المصري القديم في العالم الآخر‏..‏ إنها مطاردة مثيرة للمومياوات‏..‏ ويا لها من مطاردة‏!‏



تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية
 
 
موضوعات في نفس الباب
~LIST~