|
|
 |
 |
الكتاب |
|
|
| |
| 44429 | السنة 132-العدد | 2008 | يوليو | 28 | 25 من رجب 1429 هـ | الأثنين |
|
|
|
|
| |
الثقافـة والتربيـة.. رؤيـة مسـتقبلية بقلم د. محمد إبراهيم عيد
|
في مرحلة نواجه فيها تحديات شتي تستوجب حلولا إبداعية تجسد مايمكن ان يكون عليه المستقبل, تمثل التربية ركيزة الانطلاق في بعض جوانبها, باعتبارها الاستثمار الحقيقي في عالم البشر, والمعبر الحقيقي لثقافة المجتمع في تواصلها مع ثقافات عالم لايعرف إلا نسبية التجدد, الأمر الذي يستلزم مراجعة شاملة لمناهجنا وطرق إعداد معلمينا ولوسائل اكتساب ابنائنا للمعرفة, ولطرائقنا في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات وفي رؤيتنا الثقافية وذلك علي نحو نقدي يجدد هذه الرؤي الثقافية, فبغير النقد الثقافي لايمكن للمجتمع ان يحقق انطلاقاته الوثابة صوب المستقبل, فالأمم التي انطلقت صوب المستقبل اتخذت من ثقافة التربية, وتربية الثقافة, وهي معبأة بوعي نقدي ونزوح تنويري منصات انطلاق مستقبلية ترسيخا للعقلانية وتأكيدا أن المعرفة قوة, وتجاوزا للدوجماطيقية حيث جمود الفكر وانغلاقه, وإيمانا بالتسامح والحرية والديمقراطية.
ونحن نعيش في كنف ثقافة نسبية غير مطلقة, منفتحة غير منغلقة لاتتسم بالعزلة والجمود, بالقدرة علي التفاعل والتطور الخلاق, مدركين بأن: من لايتطلعون بوعي إلي المستقبل, ولايتقدمون بعزم إلي الأمام هم بالضرورة يتقهقرون إلي الخلف.
ولايمكن لأمة ان تنطلق إلي المستقبل إلا بوعي عميق بتحديات الواقع, ونحن نعيش تحديات تنموية, واقتصادية وبيئية شتي.
ومن هنا فإن نظرة علي طبيعة علوم عصرنا توضح أن العلوم البينية وثورة التكنولوجيا, ووحدة المعرفة ظواهر جديدة تنطوي علي رؤي مستقبلية, مجاوزة للواقع بحكم طبيعتها المتجددة دوما, وهذه المجاوزة تستلزم بيئة ثقافية تحفز علي الإبداع وتقيم وزنا للموهبة والقدرة والإمكانية, ونسقا تعليميا يتجاوز ثنائية الذاكرة والإبداع إلي التفاعل الخلاق بينهما في مجتمع تربوي يقوم علي الإيمان بالتنمية والتطور الخلاق والمواطنة وحقوق الإنسان, فالكل في حق الحياة سواء, ومن ثم الإيمان بالتسامح في الفكر والسلوك والمواقف.
وهذه الآفاق التربوية تتخذ من التعدد في كل منشط من مناشط الحياة أساسا لها, فتعدد النظريات: سمة جوهرية لكل معرفة, تسعي إلي بلوغ الموضوعية, التي تظل نسبية, ومن ثم يكون تطورها وتقدمها المعرفي.
وتعدد الوسائل الإعلامية وتباينها تعبير عن سلامة الديمقراطية وحرية التعبير, التي ينبغي أن تكون المدرسة هي نقطة الانطلاق لترسيخها وتعميقها. وتعدد الآراء واختلافها أمر مشروع في مجتمع تربوي ينطلق إلي آفاق مستقبلية. وتعدد الثقافات دليل علي التسامح في الفكر والاعتقاد بغير قهر أو إرغام أو تسلط.
وفي مجتمع ينطلق صوب المستقبل ينبغي الكشف عن منابت القدرة والإمكانية, وأن يقام التعليم علي بنية تكنولوجية معرفية استنادا إلي الكتاب الذي يحمل طابع الخلود عبر الزمان, وإلي الكمبيوتر والإنترنت.
والإنترنت بطبيعته عابر للقارات, مجاوز للحدود, أي كوكبي, ومن ثم فإن التربية المستقبلية هي تلك التربية التي تتنوع فيها المناهج والمصادر التعليمية لتكون مرتبطة بطبيعة العصر وبطبيعة مايدرس في هذا العصر, وإن الإنسان المتعلم, والذي نعده إعدادا علميا وتربويا, هو ذلك القادر علي الحياة في عالم كوكبي النزوع نسبي المعرفة, متجدد بتطور مناهج التعليم.
الأمر الذي يستلزم أن تكون هناك بنية معرفية متجددة ومتطورة وكوكبية التكوين, وأن يكون التعلم متواصلا, والمهارات متجددة ومتنوعة ومتطورة أبدا, ومتقدمة بتقدم الحياة وتطورها.
ها هنا تكون جدلية العلاقة بين النزوع نحو الكوكبية والركون إلي الثقافة القومية, من حيث هي المقوم الأساسي لبناء الشخصية الحقيقية القادرة علي مواجهة تحديات العصر والاستناد إلي معاييرها الثقافية وهويتها القومية, فتجاوز المسافات الزمنية لايعني تجاز الخصوصيات الثقافية, وذلك لايتحقق إلا بالتركيز علي التنوع الثقافي, وتوسيع قائمة الاختيارات, ومضاعفة مؤثرات التفاعلات الثقافية, وتشجيع البرامج التعليمية التي تدعو إلي تفعيل الخيال والقدرة والإمكانات الكامنة, وذلك بالتوسع في إدخال التكنولوجيا الجديدة, والاستراتيجيات العلمية المثيرة للمبادرات الإبداعية لنلحق بإيقاع عصر فريد في تطوره, مستندين إلي قوة ثقافية قادرة علي الانتقاء وعلي التعايش مع الحضارات وعلي المضي قدما نحو إنتاج المعرفة وليس استهلاك المعرفة.
الأمر الذي يتطلب ان تكون التربية للحياة, وأن تكون التربية من اجل إحساس راسخ بالكينونة وقيمة الوجود, وأن تكون التربية من أجل اكتساب مهارات للحياة, متجددة بتجدد الحياة نفسها, وأن تكون التربية للعمل وزيادة الإنتاج ورفع مستوي الحياة, وتعميق الثقافة والارتفاع بمفاهيم الثقافة في مستوياتها الرفيعة ادبا, وفنا, وموسيقي, وشعرا, وإبداعا, والغوص في أعماق التاريخ باعتباره علم المستقبل وليس رصد وقائع الماضي فحسب. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| موضوعات في نفس الباب |
| ~LIST~ |
|
|